العلة والمعلول في قضيتنا الأحوازية

بقلم:أبوناهض الأحوازي

من الواجب و الضروري عندما يكون القصد معالجة المعلول لابد من التشخيص الصحيح و الدقيق للعلة وذلك في كل القضايا  الصحية و الاجتماعية و السياسية و غيرها ، مثلا عند ما تبرز مشكلة صحية فردية أو جماعية تهب الكوادر الطبية لمعالجتها و احتوائها و من المؤكد يكون ذلك العمل عن طريق التشخيص الصحيح للسبب الرئيسي في المشكلة و في نفس السياق أيضا ًعندما تحدث مشكلة اجتماعية تسعى الأطراف والجهات المعنية لحلحلتها و تشخيص سببها لتجنب تكرارها في المستقبل وهكذا الحال في القضايا السياسية فلابد أن تنطلق الأطراف المعنية بتلك القضايا من منطلق التشخيص الصحيح للأسباب لكي يتمكنوا من الإحاطة بالأمور و تفنيد عقدها  بالطرق الصحيحة السريعة  بغية الوصول للحلول العادلة و الشاملة .

 و اليوم عندما نراجع تاريخنا السياسي الحديث و قضيتنا العادلة و نغوص في أغوار زواياها  و نبحث و نحلل العلة و المعلول والسبب نجد أنفسنا أمام واقع مرير لا يمكن أن نتجاهله لأنه مرتبط ارتباطا وثيقا ًبواقع وجودنا و هو واقع الاحتلال الذي يكون بمثابة العلة بالنسبة لقضيتنا وهي المعلول،و ما بين جوانب العلة و المعلول يكمن العامل الثالث و هو السبب ، السبب الذي تسبب في وجود العلة والمعلول في آن واحد و لو لا وجود و تأثير هذا السبب لما كان لوجود العلة و المعلول أي أثر على أرض الواقع ، لذا لكي  نتمكن من معالجة العلة و التخلص منها بطرق صحيحة لابد من معرفة السبب المكون للعلة و في هذا المجال لا نرى سببا ً رئيسيا تسبب في حدوث هذه المحنة و المظلمة الإنسانية إلا سببا ً واحدا  و هو: العقلية الفارسية العنصرية التوسعية (ربما تكون هنالك أسباب جانبية أخرى و لكنها لم ترتق أهميتها لتكون هي السبب الرئيسي للاحتلال) : و لكي نتقدم بخطوات إيجابية بعد كشف السبب الحقيقي ، لابد لنا أن نشخص نسيج خيوط هذا السبب لكي نتمكن من اجتثاث العلة و قلع جذورها المسدولة فوق رمال الوطن الغالي .

 فالعقلية الفارسية يتكون نسيجها من عدة عناصر خبيثة استعمارية أهمها النوايا التوسعية و الأحقاد المجوسية و الأهداف العنصرية ، لذا أصبحت أمامنا قضية متشابكة الجوانب  و الأطراف و معقدة الأكناف ، وطن و احتلال و عقلية شوفينية عنصرية لا تقبل بوجود الآخر و في هذا المثلث تدور معركة الموت و الحياة (الوجود) ، الحق مع الباطل كما أنه لا يمكن مزج الأطراف  معا ًولا يمكن لمعركة الموت والحياة أن تنتهي بهدنة تحتفظ بمنفعة الطرفين .

لهذا لم يبق أمامنا طريق سوى طريق البحث الجاد و الحقيقي للوصول للحل الأمثل و الأفضل لاجتثاث هذه الغدة السرطانية قبل فوات الأوان.  و لكي نتمكن من الوصول لهذا الهدف المهم يجب علينا دراسة السبب الرئيسي لوجود الاحتلال و هو دراسة العقلية الفارسية جيدا ً حتى نجد الحل المناسب و الأمثل لمعاملتها و معالجتها معالجة جذرية .

 فبكل اختصار إن العقلية الفارسية و منذ تكوين الدولة الفارسية الحديثة في عهد رضا شاه المقبور بنيت أسسها على ركائز الأفكار الشعوبية الكارهة للإسلام و العروبة ومبنية أيضا على العرق الآري الذي يعتبرونه الفرس هو الأفضل من باقي الأعراق في العالم و على أساطير خيالية  تاريخية تحدو بالفكر الفارسي إلى حضارة و أمجاد تكاد تجعل من تاريخهم تاريخ أوهام يقوده الخيال في فلك أفكار صماء بكماء عمياء لا تسمع و لا ترى ولا تقبل بالرأي الآخر ، و من أجل أن يضفوا على أوهامهم طابع الوجود الحقيقي نصبوا العداوة ضد أمة أخرجتهم من الضلالة إلى النور و لكي تكتمل هذه الصورة الوهمية ادعوا أن كل ما كان لديهم من حضارة و تاريخ عريق دمر بمجيء العرب المسلمين في الفتح الإسلامي و اتهموا العرب بحرق المكتبات و دور العلم و الجامعات و حظيت هذه الافتراءات ببعض التأييد و الإسناد المغرض من قبل بعض المستشرقين و المؤرخين اليهود مثل اشبولر و ويستهو فر و كلدزهير، الذين هم ألد أعداء العروبة و الإسلام  (1) متناسين أن شمس الحقيقة لا يمكن إخفائها تحت القيوم .

 و لكن اليوم بات كل متتبع للتاريخ و الثقافة الفارسية يعلم أن حضارة كورش المزعومة هي حضارة عيلام السامية العريقة بكل ميراثها و الكتيبات التي نسبت لأقاويل كورش هي ليس إلا كتيبات مزورة  باطلة ، (الكتيبات الموجودة في مدينة همدان الإيرانية ) و الاكتشافات و التحقيقات الأخيرة في منطقة ما تسمى ب تخت جمشيد و المناطق الأثرية المتاخمة لها  تثبت و بدلائل أثرية تاريخية أن تلك الآثار تحمل بصمات عيلامية واضحة ، هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا كان العرب المسلمون قد دمروا المكتبات و الجامعات فلا يمكن أن يحرقوا العقول معها فمن الواضح لم يكن لتلك الادعاءات الفارغة أي أثر حقيقي ، حيث بعد الفتح الإسلامي لم يظهر أي مظهر علمي أو ثقافي في المجتمع الفارسي و هذا دليل واضح بأن ذلك المجتمع كان يعيش قبل الإسلام بمنتهى الجهالة العلمية و الثقافية و لكن بعد مرور أكثر من قرنين على تاريخ الفتح الإسلامي ظهرت في المجتمع الفارسي شخصيات تحمل الأفكار الأدبية و العلمية و الصناعية  و كل هذا بفضل التأثير الثقافي و العلمي ، العربي و الإسلامي آنذاك (2)  .

إذن العقلية التي يحاك نسيج تكوينها من الحقد و الخداع والأساطير و الأوهام المغلفة بثياب الحقيقة زورا و بهتانا و تروي بدعها من بئر المعتقدات المجوسية ، بالطبع لا تقبل بوجود الآخر مطلقا ً و يشهد بذلك تاريخهم القديم و الحديث والنماذج في هذا المجال كثيرة ففي زمن النعمان ابن المنذر ملك الحيرة حدثت بينه و بين كسرى ملك الفرس  بعض الاختلافات فأعطى الأمان للنعمان ابن المنذر و دعاه للضيافة  في قصره ثم خان الأمان وأسره و هو ضيف عنده ثم قتله و بعد ذلك أعلن الحرب ضد العرب طامعا ً في ملكهم و ثرواتهم حتى بدأت معركة ذي قار وانتصر العرب فيها على الفرس انتصارا ساحقا وأما في العهد الحديث فالنماذج كثيرة حيث تعهد رضا خان أنه لن  يهاجم الأحواز بعد أن حشد الجيوش على مشارفه و لن يحتله  بالقوة العسكرية و يحل الأمور العالقة بينه و بين الأمير خز عل بالطرق السلمية ولكن نكث العهد واختطف الأمير خزعل من مركبه بخديعة فارسية و احتل إمارة المحمرة و اسقط نظامها الشرعي ، ثم أعاد التاريخ الكرة في عهد الخميني حيث وعد الخميني أستاذه و معلمه العربي الأحوازي الإمام الخاقاني بإعطاء العرب الأحوازيين جميع حقوقهم و ذلك قبل سقوط نظام الشاه المقبور، ولكن بعد انتصار ثورة الشعوب عام 1979 و وصوله إلى مقاليد السلطة  نكث وعده و ارتكب المجازر بحق عرب الأحواز و أخذ الإمام الخاقاني أسيرا إلى مدينة قم الفارسية و احتجزه حتى توفى مقهورا ً بعيدا عن الوطن والأهل و الأحباب .

إن التجارب و العبر لكل عقل سليم هي سلم نحو الرقي و النجاح و الذي يجهل أو يتجاهل هذه التجارب و العبر بالتأكيد ينحو بقافلته نحو وادي الخسران و من ثم الهلاك فعلينا نحن الأحوازيين المعنيين مباشرة بقضية عادلة أن نراجع حساباتنا مع هذا العدو المخادع و نأخذ بعين الاعتبار كل التجارب الماضية و أن لا نلدغ من جحر واحد عشرة مرات و أن نتعامل مع هذا العدو بكل حسم و عزم و مثل ما يقول المثل العربي الشعبي : الطبع اللي بل بدن ما يغيره إلا الكفن : و لا نخدع كما خدعوا الذين من قبلنا و علينا أن نجعل بيننا و بين هذا العدو المخادع الجبان سيف الحق لأن الحق يُعلى ولا يُعلى عليه .

 ـــــ

1-    كتاب أثنى عشر قرن من السكوت ص 187 المؤرخ د. ناصر بور بيرار

2-    المصدر ذاته ص 44 - 45

 

19-12-2007