|
الأحواز الحائرة بين القضية و
المشكلة
الدكتور/عماد
إبراهيم ـ الاحواز المحتلة
عندما كنا ضيوفا في بلد عربي شقيق التقينا بين الحين والآخر
بمسؤولين حكوميين و مسؤولي أحزاب وحتى في بعض المستقلين. و كلما
تحدثنا آنذاك عن الأحواز كي نضع المستمع في الصورة الحقيقية كنا
نشرح بالتفصيل ما يجري في الأحواز من انتهاكات وأيضا رغبة الشعب
الأحوازي في التخلص من الاحتلال الفارسي وتبعاته. وأيضا كي نجعله
يشعر بما يجري للأحوازيين كنا نستشهد بما يجري في فلسطين ونقارن
بين الاحتلال الصهيوني والاحتلال الفارسي لذلك كان الرد دائما، يجب
عليكم أن تتحلوا بالصبر ريثما تحل القضية الفلسطينية من ثم سنجد
حلا لمشكلتنا مع إيران . وكنا نقول لهم زمنيا يمكن أن توضع أولويات
للقضايا لكن أن نقلل من أهمية بعض القضايا لحساب قضايا أخرى هذا
غير منطقي ومع الأسف الشديد في كل مرة عندما نصل إلى هذه النقطة
ينحدر مستوى الحوار ويصبح حوارا للمجاملة و يخرج عن جديته. والغريب
أغلب العرب كانوا هكذا إلا الفلسطينيين حيث كانوا يقولون لنا انتم
من يجب أن تهتموا بقضيتكم وهذا حقكم وحتى علاقة بعض أحزابنا مع
إيران لا تجعلنا أن نسقط حقكم في النضال ولم أتذكر مرة واحدة شخصا
فلسطينيا التقينا به سمى القضية الأحوازية بالمشكلة ولم أتذكر مرة
واحدة فلسطينيا واحدا طلب أن نؤجل قضيتنا إلى ما بعد حل القضية
الفلسطينية.
يا ترى لماذا هذا الفرق بين الفلسطيني و العربي الآخر؟ أليس لأن
الفلسطيني يعرف تماما معنى القضية و معنى الاحتلال ومعنى الاضطهاد
و هتك الكرامة و اغتصاب السيادة أكثر من غيره و يعرف معنى هذه
المفردات ليس نظريا فقط بل جربها واقعا ملموسا و عرف جيدا أنه
عندما أتى وقت الانتفاضة نتيجة المعاناة المريرة، انتفض و لم يفكر
بما يجول في خواطر المنظرين لأنه يتألم لا ينّظر .و أيضا عندما
احتلت القوات الأميركية العراق ودمرت البلد وأحرقت الأخضر واليابس
لم يجد العراقي بدا من مقاومة المحتل ولم يؤجل قضيته إلى ما بعد حل
القضية الفلسطينية و الأحوازية! و لم ننزعج لا نحن ولا الفلسطينيون
لأن العراقي لم يصبر إلى ما بعد حل قضيتينا بل العكس وجد الترحيب
من الاثنين معا وفينا من غنى للمقاومة العراقية أكثر مما غنى
لشهداء المشانق.
لكي تتضح الصورة أكثر نقول فلسطين أولا لأن الفلسطيني أرادها أن
تكون أولا وهذا حقه وإن لم يفعل هكذا لن يصدقه أحد. والعراق أولا
لأن العراقي أراده هكذا. و لو تفحصنا التاريخ النضالي للشعوب ألف
مرة لن نجد شخصا واحدا ترك ساحة المعركة التي هو في داخلها ويخوض
غمارها فعليا و انتقل إلى معركة أخرى، اللهم إلا الإسلاميين
السلفيين والشيوعيين الأمميين لأنهم لا يؤمنون بالحدود والأمر يعود
لأيديولوجياتهم. وذلك أيضا لم يحدث إلا عندما هدأت المعارك التي هم
فيها من ثم انتقلوا إلى مناطق أخرى تلبية لما تمليه عليهم
عقائدهم. فمن لم يدافع عن بيته لن يدافع عن بيت أخيه وإن ادعى فلن
يصدقه عاقل .
لتكون قضيتنا الأحوازية أولا يجب علينا أن نقرر لها نحن لتكون
هكذا لا أن نطلب من الآخرين أن يجعلوها أولا. ثم يجب علينا أن لا
نقارنها بالقضايا الأخرى فهي قائمة بذاتها ولديها مقوماتها وقبل أن
تحتل فلسطين و يحتل العراق . ولأنه عادة ما تقارن القضايا المبهمة
بالقضايا البديهية الواضحة كي يزال اللبس و تتضح الأمور. فإذا
قارنا قضيتنا بالقضية الفلسطينية أو العراقية فذلك يعني أنها مبهمة
وليست بديهية بما يكفي وهذا هو الانحراف الفكري الذي نقع فيه
دائما في خطابنا .إن المواثيق والقرارات الدولية و المبادئ
القومية و الأحكام السماوية هي البديهيات التي انطلق منها العراقي
والفلسطيني و يجب أن ننطلق منها نحن و إن كنا متأخرين كي نثبت
للآخرين أننا أصحاب قضية واضحة وبديهية وليس مبهمة أو مشكلة أو
ثانوية كما يحلو للبعض أن يسميها .
نعم إن القضايا الثلاث و الشعوب الثلاثة و المقاومات الثلاث
لديها نفس الأهداف أي طرد المحتل و يجب أن يكون لها نفس المكانة
والأهمية في قلوب وضمائر العرب وأحرار العالم ، ولكن هذا لا يمنع
أصحابها الحقيقيين أي الأحوازي أو الفلسطيني أو العراقي أن يقول
قضيتي أولا و يعمل من أجل هذا. فإن لم يكن هكذا فهذا يعني أن
معاناة شعبه ليست بقدر ما يعانيه الشعبان الآخران أو على الأقل
سيعتقد الآخرون هكذا عندها ستصبح قضيته بالفعل مشكلة وليست قضية.
فلو كان الإنسان مصريا أو مغربيا أو جزائريا أو يابانيا أو فنزوليا
أو كنغوليا مثلا لكان من حقه وحسب ظروفه أن يجعل واحدة من هذه
القضايا أولا بالنسبة له. لكن مادام أنه أحوازي أو فلسطيني أو
عراقي فهذا قدره أن يقول الأحواز أولا إذا كان أحوازيا و إن لم
يرغب، وأن يقول فلسطين أولا إذا كان فلسطينيا وإن لم يرغب، و أن
يقول العراق أولا إذا كان عراقيا و إن لم يرغب .
ما نراه اليوم في ساحتنا الأحوازية مختلف تماما، يوجد لدينا
تياران متباعدين في أقصى الطرفين تيار يريد أن يسلخ القضية
الأحوازية من جلدها العربي والثاني يريد أن يجعل منها مشكلة أو
قضية عربية ثانوية وأقل أهمية. وفي كلتا الحالتين ستضيع القضية لا
محال. و الصحيح أن نوازن بين الأمرين فالقضية الأحوازية عربية
بامتياز لأن الفرس استهدفونا ويستهدفوننا لأننا عرب لا لأي سبب آخر
ولم يستهدفونا لأن لون بشرتنا أسمر مثلا، فلو كان كذلك لكانت
قضيتنا نضالا للعرق الأسود ضد العرق الأبيض. وهي أيضا قضية أحوازية
بامتياز لأن أبسط حقوقنا الإنسانية منتهكة وفي هذا الجانب يمكن أن
ندافع عن حقوقنا و نكسب الرأي العام العالمي والعربي أيضا.
في النهاية لمن يريد أن يقاتل أين ما يرى القتال مناسبا هناك
ثلاثة طرق لا غير إما أن يكون شيوعيا لا يؤمن بالحدود ونضاله يمكن
أن يشمل إيران حتى أو أن يكون سلفيا لا يؤمن بوطن غير الإسلام
ويمكن أن يقاتل جنبا إلى جنب مع الإيرانيين أيضا أو أن يشكل منظمة
أو جبهة لتحرير الأراضي العربية وليس لتحرير الأحواز أو فلسطين أو
العراق حتى تكون الجبهة أو المنظمة اسما على مسمى وفي كل هذه
الحالات لا يمنعه أحد لأنه في حينها سيمارس حقه الطبيعي وسيخلد
اسمه في التاريخ .
5-12-2007
|