إيران و المكيافللية

   بقلم:عمر عبد القادر

 منذ زمن طويل نسمع بتهديدات و تصريحات إيران ضد إسرائيل وأميركا و الغرب و قد وصلت هذه التهديدات إلى ذروتها في عهد رئاسة احمدي نجاد للدولة الإيرانية، وتمكنت إيران من خلال تلك التصريحات و الخطابات التي يلقيها بعض القادة الإيرانيين أن تستميل الشعب العربي إلى جانبها و تكسب رأيه.لكن المتابع للشأن الإيراني ومنطقة الشرق الأوسط يعلم تماما أن هذه التصريحات و التهديدات تهدف إلى غايات معينة من أهمها :

1 - الاستهلاك الداخلي : من أجل التغطية على المشاكل و الاحتقانات الموجودة بين الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الفارسي و النظام الفارسي الحاكم و جلب انتباهها إلى خطر وهمي في الخارج يهدد وجود هذه الشعوب.و هذا الأسلوب استعملته الكثير من دول العالم التي كانت تعاني أوضاع غير مستقرة على الصعيد الداخلي. 

2- الاستهلاك الخارجي : بسبب مشروع إيران التوسعي على حساب دول المنطقة لبناء إمبراطوريتها الفارسية الغابرة كما كانت في عهد الساسانيين قبل الإسلام و طبعا ذلك لا يتم إلا باستعباد الشعب العربي و الشعوب الأخرى المجاورة.

لذلك إيران تسعى جاهدة من خلال تصريحاتها النارية التي تطلقها ضد إسرائيل و الغرب و من خلال دعمها المشروط للقضية الفلسطينية و بعض الجهات العربية الأخرى أن تخفي مشروعها التوسعي على حساب الأمة العربية. فإذا كانت إيران تريد محو إسرائيل من الخارطة العالمية كما يدعي الرئيس الإيراني ماذا تنتظر حتى تترجم أقوالها إلى أفعال؟ فإيران اليوم تملك صواريخ بعيدة المدى تصل إلى عمق إسرائيل و تطال الغرب و أيضا تملك ترسانة عسكرية قوية في المنطقة وعندها طموح نووي عسكري لا محدود و أيضا عندها قادة  يدعون دائما أنهم يطبقون الشريعة الإسلامية و لا يعترفون بإسرائيل بينما الشعب الفلسطيني يقتل و يذبح كل يوم.إذن متى تعمل إيران بما تقول و تمحي إسرائيل من خارطة العالم ؟ هذا ما ينتظره الشعب العربي منذ زمن. و حسب اعتقاد الكثير من أصحاب الرأي لا توجد مشكلة فعلية مباشرة بين إيران و إسرائيل و إيران لن تحارب إسرائيل على الإطلاق. إنما المشكلة الحقيقية هي التي بينها و بين الأمة العربية. إيران احتلت القطر العربي الأحوازي عام 1925م عسكريا و ثقافيا و مازال الشعب العربي الأحوازي يرزح تحت الاحتلال الفارسي و أيضا احتلت جزر الإمارات العربية المتحدة عام 1971م. و بعد ثورة الشعوب عام 1979م لم تسحب إيران جيشها لا من الأحواز ولا من الجزر الإماراتية لتعبر عن رفضها لما أقدم عليه النظام السابق بل لم تقف عند هذا الحد من التجاوز على الأراضي العربية  و إنما سعت إلى تصدير الثورة إلى دول الجوار العربية فقط ! و كانت نتائجها باهضة على الأمة العربية و على نفسها أيضا. و أصبح تغلغلها اليوم من خلال عناصرها داخل العراق أكثر وضوحا إلى أن أتى الحوار الأميركي الإيراني حول الشأن الداخلي العراقي فكرس التدخل الإيراني في العراق. و أيضا إيران لم ترض بهذا الحد من التوسع في الوطن العربي و أصبحنا بين الحين و الآخر نسمع بتصريحات إيرانية تتحدث عن البحرين باعتبارها جزء من إيران أو تسمي الدولة الكويتية بكتاباتها الرسمية بمنطقة الكويت و مضت في خروقاتها و اعتداءاتها و  أصبحت لها أذرع في العديد من الدول العربية و من بينها لبنان و اليمن والعراق و....

والجدير بالذكر أن إيران لم تنجح في حشد ساحتها الداخلية ولم تتمكن من كسب تأييد و تضامن الشعوب غير الفارسية التي ترزح تحت احتلالها بحجة وجود العدو الخارجي (العدو الوهمي)، بل فشلت فشلا ذريعا في هذا المجال لأنه باتت مطالب الشعوب غير الفارسية أكثر جدية و إلحاحا بعد مضي ما يقارب الثلاثين عاما على ثورة الشعوب في  إيران و بالأخص الشعب العربي الأحوازي الذي أصبح اليوم أكثر تمسكا بهويته العربية و بحقه في تقرير مصيره و التحرر من الاحتلال و تشكيل دولته المستقلة لأنه وصل إلى نتيجة مفادها مهما تغيرت الأنظمة الفارسية تبقى سياساتها تجاه الشعب العربي الأحوازي واحدة و جميع الأنظمة الفارسية تعمل على منهج واحد للقضاء على عروبة الأحواز من خلال تغيير الديموغرافيا الأحوازية لصالح الفرس بشتى الطرق العنصرية و من بينها التهجير القسري للشعب الأحوازي و جلب المستوطنين للأحواز و مصادرة الأراضي الأحوازية بذريعة المشاريع العامة و غير ذلك من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان الأحوازي. و لكن عوضا عن ذلك نجحت سياستها الخارجية وتجلى ذلك بظهورها على الساحة العربية بمظهر الداعم للقضية الفلسطينية و المقاومة الإسلامية في لبنان و ظهورها أمام دول المنطقة كراعية للإسلام و المهتمة بالشؤون والقضايا الإسلامية و العربية. و أصبحت تزايد على الدول العربية بتظاهرها في التمسك بالحقوق العربية و الإسلامية و الأدهى من كل هذا تمكنت أن  تستر على انتهاكاتها لحقوق الإنسان و سياساتها العنصرية ضد الشعوب الواقعة تحت احتلالها و ظهرت بمظهر الدولة الأكثر تقدما وديمقراطية و مراعاة لحقوق الإنسان في المنطقة .

إيران دولة لا يستهان بها في مراوغتها السياسية فهي تطبق المكيافللية بحذافيرها في معاملتها مع الشعوب الرازحة تحت احتلالها و مع الدول الأخرى. تمارس في سياستها الخداع و الكذب و الغدر و التقية السياسية و عدم الوفاء بالعهود و استفزاز دول الجوار و كل الوسائل الممكنة و المتاحة لبلوغ غايتها و بناء إمبراطوريتها الغابرة ولكن بصورة حديثة تختلف عن أساليب الإمبراطوريات القديمة و هذا ما يثبته الواقع الحالي من خلال تحكمها بسياسات بعض الجهات في البلدان العربية و تأثيرها على قراراتها السياسية وغير السياسية دون أن تتدخل بجيشها و قواتها المسلحة .

لذلك على الشعب العربي  و الحكام العرب أخذ الحيطة و الحذر من إيران و عليهم أيضا بناء استراتيجية واحدة و اتخاذ القرارات الصارمة الحاسمة لتنفيذها للوقوف أمام التمدد الإيراني و تدخله في الشؤون العربية للحفاظ على الأمن القومي العربي والمصالح العربية و دولها المستقلة دون تردد.                               

layth1925@yahoo.com     

27-12-2007