|
ملازمة المسارين الوطني والقومي في النضال التحرري
محمود أحمد الأحوازي
في الأربعينات من القرن الماضي أعلنت الصين استقلالها، وبعدها
بثلاثة عقود أعلنت فيتنام إعادة فيتنام الجنوبية بعد تحرير العاصمة
سايغون، واليوم الدولتين يتمتعان باستقلالهما، بعد التحرير
والاستقلال الكاملين، والقيادات التي قادت هاتين الثورتين وقادا
بعد ذلك الدولتين الفعليتين هما "مائو" في الصين و"هوشي مين" في
فيتنام والاثنين شيوعيين، يؤمنون إيمانا قويا وعميقا بالماركسية
اللينينية وبحقوق المضطهدين وعلى رأسهم العمال في قيادة السلطة
السياسية و الاقتصادية وإجراء العدالة الاجتماعية في المجتمع.
ما جاء في المقدمة الموجزة ليس جديدا، ويعرفه كل العارفين بالسياسة
والمتابعين لثورات الشعوب ونضالاتها التحررية، لكن ما لم يعرفه
البعض، ومنهم البعض من الأحوازيين، هو ان هاتين القيادتين
التاريخيتين في النضال التحرري للشعوب مائو وهوشي مين، لم يتمكنا
من جمع شعوبهم حولهم للنضال و من الوصول للانتصار بالشعارات
الاشتراكية والعدالة الاجتماعية التي تأتي بها الماركسية اللينينية
والتي كانا يؤمنان بها، بل اجتمعت الجماهير بذلك الوسع حول أهدافهم
وشعاراتهم الوطنية والقومية، حيث عند ما كان أي منهما يطرح حقوق
شعبه ومنها حقه في تقرير المصير وتحرير الأرض كان يعني بذلك التحرر
الوطني وعند ما كانوا يطرحون حقوق شعوبهم بالعودة إلى الهوية
الوطنية والثقافة الوطنية واللغة والتراث وطرد الاستعمار بكل ما
نقل لهم من ثقافته الاستعمارية كانا يعنيان القومية، وهذا كان سر
انتصارهم.
هذا لم يحصل في الصين وفيتنام فقط، بل وحصل في الثورة الفرنسية و
ثورة أكتوبر في روسية القيصرية والثورة الشعبية للقوميات الإيرانية
عام 1979 أيضا، حيث كل هذه الثورات انتصرت عمليا بتأثير من
الشعارات المتوازية بين الحقوق الوطنية والهوية القومية وهذا ينطبق
اليوم على أي ثورة في أي نقطة من العالم حيث هاتين الخصلتين لأي
ثورة هما سر نجاحها، ولا نتحدث عن الثورات المخملية والملونة التي
تقودها استخبارات الدول الكبرى مثل ما حصل في بعض دول أوروبا
الشرقية وعن الثوار الذين يعيشون في قرف مؤثثة ومزخرفة بالملايين
تحت سقوف من الزجاج الملون ويخططون ويرسمون مستقبل الشعوب بأقلام
من ذهب ويفكرون بعقول عارية من حب الناس والأوطان والذين لم تسيل
لهم دمعة يوما على إنسان مضطهد من أبناء جلدتهم.
إن ثورات الشعوب ضد الاستعمار كانت ومازالت تحمل خصال نبيلة في
كنهها ونزيهة في مطالباتها وإن أشابها التعصب والحماس الزائد وهذان
الخصلتان في كثير من ثورات العالم هما ضرورة أيضا لتحريك الشارع
وجمع الجماهير حول الثورة ولذا قلناها كثيرا وبمناسبات مختلفة ان
التعصب الوطني والقومي الأحوازي ضرورة في هذه المرحلة حيث ان
شارعنا بحاجة لما يحركه ويضمه للثورة والتعصب عند الأقوام والشعوب
الواقعة تحت الاستعمار خصلة نضالية تخدم النضال وليس رجعية مثل ما
هي عند الشعوب المحررة والشعوب التي تستعمر شعوب أخرى. أما هوية
الشعوب فهي في قوميتهم والدفاع عن الهوية والقومية معا يرفع من
مستوى النضال ويضاعف قوة المواجهة، والحرية الوطنية دون حرية قومية
لا معنى لها، حيث إننا نتحرر عربا ولا نريد ان نتحرر دون هوية أو
بهوية غير ناصعة، وأي حديث عن هذا يعني تأخير نضالنا، حيث إننا
نناضل لإعادة الهوية أكثر مما نناضل من اجل التراب الأحوازي،
والوطن الأحوازي دون هويته العربية يصبح مباح لأي قوم أو شعب يدعي
به.
في نضال الشعوب، هناك قيم ومبادئ ومواقف، لا يمكن لأي تنظيم، أو أي
جهة ان تسحق عليها وتتخطاها حيث هكذا تخطي يضر بكامل النضال القومي
الوطني الذي تقوم به الشعوب المستعمرة. للنضال هوية، و فقدان هوية
نضالنا القومية يعني التسهيل لمن يتحدثون عن " الشعب الإيراني" وعن
" فدرالية الأقوام الإيرانية " وعن " إيران الإسلامية" وهذه كلها
عناوين للسحق على هوية الأحواز أرضا وشعبا وعلى هوية وحقوق باقي
الشعوب في إيران.
الشعوب المتحررة
تناضل من خلال أحزابها وتنظيماتها السياسية وتجمعاتها المهنية من
اجل الحقوق الاقتصادية و الحرية الاجتماعية والفردية والحريات
العامة، لكن الشعوب المستعمرة سلاح وصولها لكل هذه الحقوق
هو نضالها القومي الوطني المزدوج والتوأم وغير القابل للتفكيك،
وهذا لا يخص الحركات الوطنية والقومية فقط بل ويشمل جميع الحركات
التي تحمل أيديولوجيات غير قومية ومنها الاشتراكية والشيوعية، حيث
لا يجوز في مرحلة التحرر الحديث عن غير التحرير الوطني والقومي
أولا، ومن خلاله تعمل التنظيمات التي تحمل أيديولوجيات أخرى، تعمل
لترسيخ أفكارها وأيديولوجياتها في أذهان مناصريها والشعب عموما،
لكن كل هذا يسير في العمل التحرري، في إطاريه المتوازيين القومي
والوطني، حيث لا معنى للحديث عن حلول للاضطهاد الاقتصادي في غياب
حلول للاضطهاد القومي والوطني وهو، أي الاستعمار هو مصدر الاضطهاد
بكل أشكاله وأنواعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالإضافة إلى
الاضطهاد القومي.
بالنسبة لنا نحن الأحوازيين وشعبنا يمر في المرحلة التحررية
الفعلية والتي ستكون طويلة المدى إن لن تحصل تغييرات عميقة ومؤثرة
إيرانيا أو إقليميا أو دوليا أو جميعها! علينا أن لا نتخيل نصرا
دون التمسك بهويتنا وهوية ترابنا وهوية شعبنا وهوية نضالنا
العربية، ومن يدعي اننا سننتصر بالنضال الوطني بعيدا عن النضال
القومي، لا شك انه أما جاهل في السياسة إلى حد السذاجة لا يعرف
ملازمة هذين المسارين وأما انه يهدف من ذلك إفراغ القضية الأحوازية
من اعتمادها على الهوية القومية كسلاح ملازم وليس مساند للنضال
الوطني، وأي حديث عن النضال الوطني دون هوية قومية له عمليا هو
بعيدا عن النضال الوطني عمليا، ونظريا يصل إلى حد السفسطة واللعب
على عقوق الناس البسطاء وليس على المناضلين الذين يعرفون جيدا ان
نضالهم الوطني مبني على أعمدة قومية، متجذرة في عمق التاريخ
الأحوازي والعربي، لا يمكن للعدو قلعها وهي تمتد من سبا إلى
المحمرة وهذه الهوية هي سر بقاء نضالنا حيا و شعبنا مقاوما لمدة
تجاوزت الاثنين وثمانين عام.
5-12-2007 |