العطاء لا يحتاج الشهادات
بقلم:أبوناهض الأحوازي

 

بما أن الصلة بين الوطن و المواطن مضفورة بنسيج الشرف و الكرامة و يعتلي الانتماء الوطني  في سلمها أعلى مراتب الانتماءات و الولاءات الإنسانية مندفعا بدوافع فطرية تصل إلى قمة الإيثار و التضحية ، نجد للوطن مكانة في الروح و الأحاسيس و العقل السليم تكاد أن تختزل القدسية العلياء لوحدها ، فهذا الشعور وحس الانتماء الوطني كرمه الإسلام و رفع من شأنه و وضع له أسس تبنى عليها حقوق الإنسان و حريته المشروعة على قاعدة العدالة و المساواة دون أي تمييز تكريما له مثل ما كرّم هو الأوطان و أعزّها و ذاد عن حدودها ، وتعززت كرامته  حين اعترفت بحقانيتها و صدقت على قيمها المواثيق و القوانين الدولية حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يحدد حقوق الإنسان و يوجب الالتزام به دوليا ًفي يوم 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948 إذ يقول في المادة الأولى : يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة و الحقوق و قد وهبوا عقلا ًو ضميرا ً و عليهم أن يعامل بعضهم بعضا ً بروح الإخاء و في المادة الثانية من نفس القرار ينص :  لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات دون أي تمييز كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر ..... دون أية تفرقة بين الرجال و النساء ناهيك عن القرارات التي صدرت من الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعطي الإنسان حق الدفاع عن نفسه و عن وطنه ضد الاستعمار و الاحتلال بشتى الطرق المشروعة و منها المقاومة المسلحة ولا تشرط عليه المؤهلات العلمية كي يعد إنسانا ومواطنا.

إذن يتضح من خلال هذه المقدمة المتواضعة و حسب النصوص و الشرائع السماوية و الوضعية أنه من حق كل إنسان أن يتمتع بالحرية و الكرامة  و أن يحب وطنه و يفتخر و يعتز بالانتماء إليه كما له الحق أن يقف في خدمة بلده حين الشدائد و الملمات وأن يدافع و يذود عنه حين يتعرض لهجمة عدوانية غازية وذلك دون أي تمييز من حيث العرق أو اللون و دون أي استثناءات مهنية أو دراسية . لم تكن الوطنية يوما من الأيام حكرا لأحد أو جماعة دون أخرى و على مر العصور شهد تاريخ النضال الإنساني مواقف بارزة لمناضلين قادوا معارك للكرامة و التحرير و هم أميين لا يجيدون الكتابة والقراءة  لكن وعيهم يفوق الكثير لهذا يتجلى بفعل الدفاع عن الكرامة وعن الوطن و النماذج في هذا الخصوص كثيرة في التاريخ العالمي بشكل عام  و تاريخنا الوطني أيضا ليس استثناء و نذكر هنا بعض الأسماء اللامعة في سماء نضالنا الوطني التحرري الذي احتضن الكثير من هؤلاء الأبطال، منهم.

 1: شيخ حيدر الكعبي القائد الذي قاد ثورة عارمة ضد الاحتلال الفارسي حيث تمكن من هزيمة جيوش العدو الغازية هزيمة منكرة في معركة الونج التاريخية و احتل معسكراتهم و تمكن من تطهير مناطق ومدن مثل مدينة السوس و مدينة تستر والمناطق المحيطة بهما مثل منطقة الميناو و الشعيبية و غيرها .

2 :حاتم الكعبي (حته) هذا البطل المناضل الجسور الذي قدم صورة جلية عن الروح النضالية التي يجب أن يتمتع بها المناضل العربي الأحوازي بعملياته البطولية الملحمية التي مازال يتذكرها العدو المحتل عندما يواجه شراسة نضال المناضلين الأحوازيين .

 3: محي الزيبق وثورته المعروفة التي قهر بها الأعداء حين انتفض بحسه الوطني و وعيه العالي.

 4: يونس العاصي و نضالاته ضد الاحتلال الفارسي المستمرة  و الكثير من أمثالهم الذين مازالت ذاكرة تاريخ شعبنا تعظم و تمجد مواقفهم البطولية بكل اعتزاز و افتخار .

فكل هؤلاء الأبطال  كانوا مناضلين و مجاهدين أشداء على الأعداء رحماء بينهم يمثلون النموذج الحقيقي لشخصية المناضل العربي الأحوازي في نضاله التحرري المشروع  فالنضال في سبيل الوطن هو في واقع الأمر عطاء يقدمه الإنسان تجاه وطنه و قضيته العادلة وليس مكسبا يحصل عليه .لهذا ليس من المنطقي أن تطلب شهادة عليا من الفرد المناضل الذي يعطي أغلى ما لديه و هي حياته لبلده أو أن يقال عنه هل يستحق أن يعطي أو لا . إن النضال الوطني و الوعي السياسي لا يأتي بالضرورة مع الشهادات العليا في المعاهد أو الجامعات بل هو وعي وإدراك و إحساس يتبلور بثقافة نضالية تكلف الإنسان المسؤولية و تقوده في ميادين العزة و الكرامة  الوطنية لتجعل منه قوة واقية أو رادعة للتجاوزات و التطاولات المعادية و التي تستهدف النيل من الكرامة الإنسانية و السيادة الوطنية . يشعر المثقف الحقيقي أي الفرد الواعي في القضايا الوطنية  بغض النظر عن شهادته و له تأثير كبير و بارز جدا  لأنه ينطلق من منطلق الوعي و الإحساس بالمسؤولية ويخلص لها.فالمثقف يُعد إحدى ركائز المجتمع إذا كانت منطلقاته الذاتية مرتبطة بقضايا أمته و يعيش هموم شعبه . و إذا كان المثقف لا يشعر بآلام شعبه فلا يستحق لقب المثقف لأنه يفتقد إلى الوعي السياسي و الوطني حتى و إن  كان يحمل أرقى الشهادات الجامعية (1) كما أن أهم عنصر يجب أن يتميز به المثقف هو عنصر الالتزام بقضايا شعبه و الدفاع عن حريته و كرامته (2) فلا يمكن أن نسمي كل متعلم  مناضلا و مثقفا  فبين المتعلمين نجد من وظف نفسه لخدمة الأجنبي المحتل وأغرته أو أوهمته القوة التي يتمتع بها هذا العدو . وأيضا ليس كل المناضلين الذين أخلصوا لشعبهم هم من أصحاب الشهادات العليا. إذن هنالك الكثير من المتعلمين إضافة على أنهم ليسوا بمثقفين وحسب بل جعلوا من أنفسهم خدما للعدو المحتل أيضا. و الخلط السائد اليوم  يجعلنا نجحف  بحق الكثير من أبناء شعبنا المثقفين الواعين المناضلين الذين لم تدعهم أيادي الاحتلال و ظر وفهم القاسية من متابعة دراستهم و الحصول على الشهادات الجامعية العليا هذه. كما يجب علينا أن لا نحجب صرخات شعبنا و نكتم صوته و نتكتم على آلامه بإطلاق تعابير و تصريحات بعيدة عن الإنصاف و عن المصلحة الوطنية فمن حق شعبنا أن يصرخ و يستنجد بالعالم تخفيفا عن مواجعه لأنه يتألم من شدة الجراح  التي لا تزال تنزف ومنذ أكثر من ثمانين عاما و من حق شعبنا أن يعبر عما يدور في داخله و بمختلف الطرق التي يراها مناسبة . و الأسوأ في الأمر إذا جاء هذا التجاهل والحجب عن طريق أبناء الوطن المناضلين الذين يعتبرهم  الشعب لسانه الناطق في كل المجالات . وخاصة  في مجال العطاء والنضال لم يستطع أحد أن يحدد الانتماء الوطني بحدود وشروط معينة و يسلب الشعور بحب الوطن والانتماء إليه و الاستعداد للتضحية في سبيله و الذود عنه . واليوم في الوقت الذي أصبحت فيه ساحة معركتنا مع العدو مفتوحة على مصراعيها و أبواب نضالها مشرعة بمختلف أشكالها و أنواعها . إذ ن لا حاجة لتقييم من هو المؤهل ومن هو غير المؤهل للنضال في صراعنا مع العدو الفارسي المحتل مادام الخصم عدو للجميع و البندقية و القلم و الكلمة متوجهة نحوه، و كل طلقة و عبارة و صرخة بوجهه هي خدمة و خطوة إلى الأمام و واجبا وطنيا لتحرير الأرض و الإنسان الأحوازيين. إذن لا داعي للقلق في هذا الخصوص و علينا أن نكرس كل طاقاتنا لبذل المزيد من العمل الوطني بعيدا ًعن طرح الأمور التي لا تضّعف إلا جبهتنا الوطنية و لا تقوي و تخدم إلا العدو في هذا الوقت بالذات ونحن نمر بمرحلة حساسة و مصيرية.

فدعونا اليوم أن نتكاتف و نشد على أيادي بعضنا البعض و نبتعد عن وضع المقاييس والمؤهلات العلمية كشروط للنضال والدفاع عن النفس والذود عن الكرامة والتعبير عن الآلام و ودعونا لا نضطهد حقوق المقاومين الإبطال من غير أصحاب الشهادات الذين شرفوا تاريخ النضال الأحوازي و طرزوا خارطة الوطن العظيم بمواقفهم البطولية منذ وقوع جريمة الاحتلال عام 1925 م إلى يومنا هذا و لا نترنم بكلام العدو بعلم أم بغير علم الذي طالما نسبه إلى قادتنا الشهداء الأبرار و أسرانا الأبطال الذين أبت نفوسهم الأبية أن لا ترى الوطن إلا عزيزا محررا حتى إذا كان الثمن أعز ما يملكون .

       وفي الأخير يجب علينا أن نذكر أنه من بين المقاومين و المعبرين عن آلام الشعب الذين استشهدوا من أجل كرامتنا الكثير من أصحاب الشهادات العليا وكانوا يناضلون جنبا إلى جنب رفاقهم الذين لا يملكون شهادات عليا، لم يجمعهم إلا حب الوطن والإخلاص له فهم متساوون فيه بالحقوق والواجبات، فالشهادة و المؤهلات العلمية لا شأن لها في ساحة التعبير عن الألم.

 

 

1-    الفيلسوف الإيطالي انطونيو غرامشي

2-    الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر

    

13-1-2008