الحلقة الأولى:

تهديد المجتمع الأحوازي اجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا من قبل الدولة الفارسية

بقلم:أسامة أحمد

 

كانت ومازالت الأرض التي يخلدها الشعب العربي الأحوازي منذ آلاف السنين وعاش وترعرع فيها واستنشق هواءها النقي،عصية على المحتلين حيث ضحى و يضحي الشعب العربي الأحوازي من أجلها طيلة السنوات الماضية. واليوم أيضا هذا الشعب من أجل استعادة أرضه المغتصبة يصر على تحريرها من خلال المقاومة الخلاقة و الفاعلة و على كل الأصعدة للحفاظ على كرامة الإنسان الأحوازي من دنس الاحتلال الفارسي الذي حاول بشتى الطرق الاستيلاء على الأرض و تهميش الهوية العربية في هذا البلد العربي. كما أن الدولة الفارسية انتهجت أسلوب التزوير لقلب الكثير من الحقائق التاريخية عندما  اعتدت على الأرض والإنسان الأحوازيين و هذا الاعتداء أول ما استهدف ، الثقافة والتاريخ والأرض الأحوازية، وصولا بالجرائم العسكرية التي نفذتها ضد أبناء ومقاومي هذا الشعب طيلة فترة الاحتلال. ولكن الحقيقة التي  لا جدال فيها، إن الشعب و من خلال التجارب و الأحداث وصل إلى مستوى من الوعي والمقاومة ضد الاحتلال. سير شعبنا هذه التجربة التي امتدت عقود تراكمت أحداثها التي خاضها الأبطال والثوار ليسجل في تاريخه العديد من الثورات ضد المحتل الغاشم.

      في بداية الاحتلال أخذت الكثير من الثورات طابعا قبليا وعشائريا  نتيجة الثقافة القبلية السائدة آنذاك و رغم أنها ألحقت بالعدو المحتل و في كثير من الأحيان هزائم كبيرة إلا أن ضعف الوعي السياسي الذي كان يعم منطقتنا العربية بأسرها و الأحوازيون ليسوا استثناء سبب حصار هذه الثورات في منطقة جغرافية محددة تحيط بها القبيلة أو عدد من القبائل وسبب عدم التحاق القبائل الأحوازية الأخرى بالثوار. كما أن غياب الإستراتيجية الواضحة للثورة الأحوازية آنذاك كان أيضا سببا آخر لعدم نجاح هذه الثورات.

 إن النظام الفارسي عمل على تمزيق وتفتيت النسيج الاجتماعي والثقافي في بداية احتلاله للأحواز وفكك بنيته الاجتماعية . بينما لازالت الدراسات الاجتماعية الأحوازية غير كافية.وبما أن الدراسة الممنهجة والعلمية تستطيع أن تتقدم بحياة الشعب من نسيجه الاجتماعي القبلي إلى حياة جديدة  متحضرة بنسيجها الوطني و القومي ضد العدو الذي سبب تجهيل الشعب في طيلة سنواته الماضية واستخدم كل الطرق من خلال التخطيط والدراسة الممنهجة والاشتغال عليها فكريا وعقائديا للقضاء على المجتمع الأحوازي من جذوره العربية وذلك بتزوير التاريخ وطمس الهوية لبناء مجتمع فارسي على أرض الأحواز. نحن اليوم بأمس الحاجة إلى معالجة الأمور ودراسة البناء الاجتماعي الأحوازي و العلاقات الاجتماعية القائمة بين الأفراد و الجماعات، ولمتابعة هذا الموضوع ودراسته في مجتمعنا الأحوازي علينا أن ندرس العلاقات الاجتماعية في شكلها الملموس والمحسوس على أرض الواقع لكي نكشف نوعية العلاقات الاجتماعية المترابطة الراسخة والضعيفة السطحية أيضا ،"فقد قدم (ابفانز بريتشارد) تعريفا للبناء الاجتماعي :"البناء الاجتماعي هو الجماعات الاجتماعية المستمرة في الوجود لوقت كاف بحيث تستطيع الاحتفاظ بكيانها كجماعات رغم التغيرات التي تحدث للأفراد الذين يكونون تلك الجماعات "(1) والقيام بمعالجة الأمور للتقارب الفكري والاجتماعي من خلال تعريف المجتمع و أعدائه ،العدو الذي أصبح من الواضح طيلة هذه السنين أنه يستهدف الإضرار بالمجتمع العربي مثلما يقوم بالتصفية وعمليات الاغتيال والتجسس و....الخ                                                                       

 

  لأن المجتمع الأحوازي تعرض إلى أبشع أنواع الاضطهاد والحرمان اقتصاديا وثقافيا و اجتماعيا وسياسيا، ولتسهيل عملية دراستنا علينا أن نعالج الأمور جذريا وعلميا لكي ننطلق بالشعب إلى دحر الاحتلال و إزالة آثاره التخريبية على مجتمعنا الأحوازي، و الأفضل أن لا نبني الاستراتيجيات على الحماسة  ونقصد هنا السطحية التي لا تعتمد على العلم والدراسة الدقيقة والموضوعية. و بما أن الدراسة الموضوعية والواقعية تنطلق بنا إلى تطبيق المناهج العلمية و تفعل المجتمع  لذا التركيز والاهتمام بمبدأ التخصص و الحرفية في هذا المجال يؤدي إلى الكشف عن أعماق الظاهرة الاجتماعية التي تنبثق منها العوامل الأساسية والضرورية لبناء المجتمع دون تجاهل أي من الأحداث و إن كانت صغيرة .حيث أن تجاهل البعض من القضايا الاجتماعية سيجعلنا بعيدين عن تسجيل الأحداث الواقعية للمجتمع الأحوازي بينما المنهج العلمي هو الطريق الأسلم للوصول إلى الحقائق وكشف أسبابها الفاعلة في وجود الفرد والمجتمع لصالح الهدف و استبعاد عوامل التخلف وعدم التطور ومعالجة بعض الأمراض الاجتماعية التي تغذت من الفكر الفارسي العنصري . وجدير بالذكر أن المقومات الأساسية والهامة لبناء المجتمع الأحوازي التي استهدفت من قبل العدو منذ الاحتلال تعرضت للكثير ومازالت تتعرض اليوم للضربات القاسية التي وجهت إليها نتيجة للتخطيط المدروس من قبل السلطات الفارسية لطمس الهوية من أجل برامجه ومشاريعه السلبية في مجال الثقافة والسياسة والاقتصاد ضد الشعب العربي الأحوازي . حقيقة العوامل الأساسية التي تكمن وراء هذا الوضع غير الإنساني والمعاناة أصبحت واضحة وملموسة وبات تأثيرها جليا على ملامح المجتمع الأحوازي.

       قبل أن ندرس المحاور والعوامل ذات التأثير على المجتمع الأحوازي نتوقف عند بعض تعاريف المجتمع-" المجتمع نظام تاريخي معين من العلاقات المترابطة المطردة والعرضية التي يقيمها الناس في ما بينهم في أثناء مزاولة عملية حياتهم والتحكم بشروط بيئتهم الطبيعية،فالمجتمع ليس مجموعة أفراد بل علاقاتهم الاجتماعية التي يقتضيها إنتاجهم لشروط معيشتهم ومتطلباتهم ،وهي حصيلة سلوكهم وتصرفاتهم المتبادلة وتعاونهم في العمل ،حصيلة نشاطهم الاجتماعي الذي ينتمي دائما إلى مرحلة من مراحل التطور التاريخي ،(2)

       لذلك أن معالجة القضايا الاجتماعية يتطلب منا أن نقوم بدراسات هامة على عملية تطور الوعي الاجتماعي  والانتقال من الأزمات إلى عملية التطور الثقافي .وبما أن الثقافة محور هام من  المحاور الأساسية للمجتمع ودورها ملموس و محسوس  في التوعية والتقدم ، لهذا الاهتمام بالدراسات العلمية والتفصيلية لثقافة المجتمع يجب أن تتم في إطار مبرمج  لتساهم في إعادة البناء الاجتماعي والثقافي والوصول إلى الوعي القومي والوطني .إن تعريف مفهوم الثقافة قد تم لأول مرة على يد العلامة الإنجليزي((تيلور))في عام 1871حين قال" الثقافة ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والعادات و أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضوا في المجتمع".(3)

 

يتبع... 

6-1-2008