لم يكن يعلم أنه سيبعث نبياً، وما كان يدري ما الكتاب ولا
الإيمان، ولكنه كان يدرك تماماً مشروعه الوطني في بناء
الأرض وإنقاذ قومه، وبعث إرادة التحرر والنهضة في شعب غارق
في أوهام الجاهلية.
مذ كان طفلاً غدا مع عمه أبي طالب إلى الشام في تجارة
قريش، كان يدهش ويتأمل: الكلام عربي والعادات عربية
والأنساب عربية، والوجوه عربية والشعر عربي والطعام عربي
والأسماء عربية، كل شيء هنا بين الحجاز وبصرى عربي حتى
الصميم، إلا الحاكم فإنه مستورد من بيزنطة! كيف يمكن لأمة
أن تحقق نهضتها وهي أسيرة إرادة الغرباء؟
إنها أسئلة كبيرة ولكنك تجد أجوبتها في حياته العظيمة وهو
يمهد لكفاحه المبرور في سبيل حرية العرب واستقلال العرب
وبناء حياة عادلة.
لست متأكداً أنه اطلع على تدمر أو زارها ولكنه بكل تأكيد
سمع عنها وبقيت في خياله منها ذكرى صارخة، مستحيل أن تنهض
هذه الأمة إذا كان قرارها السياسي بيد الغرباء، فالسيدة
الجبارة التي أعلنت قيام الحلم العربي في قلب الصحراء
وصنعت المعجزة، ورفعت قوائم حضارتها الحجرية الهائلة في
قلب التراب العربي وأطلقت جيوشها العربية توحد الشام وتعلن
الوحدة العربية مع مصر! واجهتها جيوش الرومان الجرارة،
وأورليان الامبراطور جاء بنفسه ليحطم أسطورة الزباء زينب
بنت عمرو بن الظرب العربية أو زنوبيا كما يسميها محبوها،
ولم يشفع لهذه المرأة المعجزة جمالها الساحر وشخصيتها
الآسرة، ووجدت نفسها تساق أسيرة إلى روما حتى يقتلها
القهر، وتصبح حياتها كلها رسالة من سطر واحد: ممنوع على
العربي أن ينهض، ومجد سورية ليس إلا مزرعة للأوروبيين على
الرغم مما قدمته سورية للعالم من أباطرة وباباوات وفلاسفة
وحكمة.
من غاره في حراء كان يطل على عذاب قومه، لقد استقرت الحياة
بشكلها الرتيب، وتمكن تجار الدين والسياسة من جعل الكعبة
التي هي عاصمة الروح دكاناً للآثام تباع فيه الآلهة
والوهم، ويدعى الناس إلى الاستكانة والخضوع لسدنة الكعبة
في أرض الحجاز، فلا تشغب صحراء الحجاز على بني الأصفر
وحلفائهم من غسان، وبحسبهم من وحدتهم العربية إيلاف قريش
في رحلة الشتاء والصيف، يأتون إلى أرض الشام كسياح
متفرجين، ولا بأس في بعض الأحيان من أن يتصرفوا كتجار شنطة
يوقرون إبلهم، من دون أن يكون لهم حق التدخل في السياسة
والإعمار والعدالة، حيث كان ذلك كله يدار من بيزنطة ويتم
لمصلحة القيصر.
لم يكن يقنعه هذا وأعلن مشروعه قرآناً عربياً لقوم يعقلون،
وذكراً له ولقومه العرب، وأعلن أن الإنسان خليفة الله في
أرضه، وان الله كرمه وحمله في البر والبحر ورزقه من
الطيبات، وأسجد له ملائكته ولأجل ذلك فهيهات أن يذل
للجبروت والطاغوت والمستكبر والمتجبر، وهكذا فقد جاء
مشروعه التحرري مباشرة في مواجهة القيصر ومواجهة كسرى،
وقال بوضوح إذا مات كسرى فلا كسرى بعده وإذا مات قيصر فلا
قيصر بعده، وتحدد مشروعه السياسي بدقة تحرير بلاده سلماً
أو حرباً، ومن ثم بناء علاقات صحيحة ومسؤولة مع أمم الجوار
من فرس وكرد وروم وحبش وهند، لقد بدأ أولاً بتوحيد جزيرة
العرب، ثم أطلق رجاله إلى بلاد العرب التاريخية التي تمتد
تقليدياً من الكويت إلى موريتانيا، هي أراض لم يحصل أن
زارها النبي الكريم من قبل، ولم تكن لديه بالطبع خرائط
لجغرافيا أرض العرب ولكنه كان يدرك تماماً أن هناك كفاحاً
قدمه الآباء السوريون من فينيقيين وكلدان وبابليين على
شواطئ المتوسط من انطاكية إلى غزة إلى الاسكندرية إلى
قرطاج، كان يحمل إلى تلك الشواطئ المترامية الأطراف شوق
الصحراء العارم، وحديثاً دافئاً عن بيت المقدس وعن الكعبة
بيوت الله الطاهرة التي بناها ابراهيم جد العرب.
كان رجاله يعرفون تماماً أين ينبغي أن تمضي رسالة الحرية،
فوق أرضهم العربية التي عانت طويلاً من الاحتلال والقهر،
وفي إشارة واضحة للبوابة الشرقية قال عمر: وددت لو أن
بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا يصلون إلينا ولا نصل
إليهم! ومن جهة الجنوب فقد أرسل علياً ومعاذ بن جبل وأبا
موسى الأشعري ولم يكن ليقبل اليمن السعيد إلا بكامل ترابه
من باب المندب إلى بحر العرب، وفي الجانب الأعلى من وطنه
العربي كان يقول اتركوا الترك ما تركوكم فإنه لا يسلب أمتي
ملكها وما خولها الله إلا بنو قنطوراء! أما حدوده الشرقية
فقد أوضحتها رسالته إلى المنذر بن ساوى الذي سمي والياً
على ملتقى البحرين بحر العرب والخليج العربي وهي البلاد
التي تشتمل على ما بين عمان والكويت، أما حدود أمته في
الغرب فقد أعلنها يوم قال ستفتح لكم مصر فاستوصوا بالقبط
خيراً وهو نضال تحرري هائل اتصل بكل عاصمة بناها الفينيق
العربي حتى شواطئ عقبة بن نافع، وهناك مضى رجاله في سبيل
إحياء ما تصرم من عناء الآباء الفينيق العرب المنزرعين منذ
فجر التاريخ في تلك الشواطئ، والذين بنوا مدائن الشمال
الإفريقي وانقطعت وشائجهم مع أرض العرب، وتبربرت ألسنتهم
وتأمزغت، وقد انقطع بهم وبأبنائهم السبيل للوصال مع أرض
الأنبياء.
قد يبدو هذا الخطاب سمجاً ثقيلاً يستخدم منطقاً خشبياً
ويخلط بين مقاصد النبوة ومشروع التحرر، ولكن هل كانت
النبوة إلا مشروع تحرر، وهل يمكن لأهل التوحيد الذين عاشوا
في كلمة لا إله إلا الله أن يقبلوا الخضوع للطاغية الرومي
أو الفارسي؟
لست أزعم هنا بالطبع أن النبي الكريم رسم خريطة طموحه من
المحيط إلى الخليج وأدخل فيها عربستان وكيليكية وطنب
الكبرى وطنب الصغرى وكتب عليها أمة عربية واحدة ذات رسالة
خالدة! ولكن هذا بالضبط هو السياق الذي مضت فيه الرسالة
تدعو إلى التوحيد في الاعتقاد والخلاص من الاستعمار، وهو
السياق الذي عقد فيه الرسول الكريم الألوية لفاتحي الشام
وهم أول أبطال استقلاله: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب
وعبد الله بن رواحة ثم أسامة بن زيد، وهو السياق الذي أطلق
فيه وصاياه بفتح الشام واليمن ومصر والعراق.
هل نسيء إلى رسالته إذا قلنا إنه كان يحمل هماً قومياً في
جوهر رسالته؟ بعض الأصدقاء يظنون أن أي كلام عن رسالة
النبي الوطنية أو القومية هو التفاف على مكانه كنبي مرسل،
وكأن الأنبياء أشباح قادمون من الغيب لا شأن لهم بعناء
الإنسان وكفاحه، في حين أن رسالة الأنبياء في نقل الناس من
الذل إلى الحرية ومن الجهل إلى العلم ومن الفرقة إلى
التوحد هي جوهر ما نص عليه القرآن الكريم: كتاب أنزلناه
إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور.