|
قصتي
مع اسبوعية الحديث
بقلم:حوراء بنت الأحواز
كنت
مرتبكة وينتابني توتر شديد، لكن تشجيع أمي الدائم زاد من عزيمتي
وإصراري على تحدي المحتل، عندها مسكت حقيبتي وذهبنا ، جلسنا في
السيارة ،وعند المسير كنت أنظر إلى شارع حيِّنا المزدحم وإلى أهله
المشغولين بهمومهم، احدهم أنهكه التمدد تحت السيارة وتصليحها
ورائحة الزيت قد خنقته والثاني أنهكه حمل البضائع إلى داخل دكانه
المتواضع و الثالث هو الحلاق الذي اختار من المقص والشعر والمرآة
أصدقاء الحياة وأما الآخر فقد اختار من الشمس المحرقة مظلة
والسيجارة ابسط وسائل النسيان ، كنت انظر إلى تلك الكلمات النضالية
المنقوشة على جدرانه والتي لم يتبقى منها سوى ألوانها جراء المحي
الذي تلقته من جنود الاحتلال كنت انظر إلى عجلات السيارات الأخرى
المتلهفة إلى السير في شارع حينا الذي تتكرر فيه الأماكن وحتى
المشاهد في كل يوم وساعة وثانيه،كنت أنظر إلى أي شيءٍ يحدُّ من شدة
ارتباكي وتوتري اللذين أنا قد استغربت منهما. لكن بمجرد نظري إلى
حقيبتي عادت علامات الاستفهام تراودني من جديد و تهابطت كشلالٍ
جيّاشٍ على فكري، تارة تسألني وتقول : ماذا سيسألكِ؟ وماذا سيقول
عن مقالكِ؟ هل سيعجبه أم لا؟ وهل؟..... وتارة تجيب نفسها بتلك
الأمنيات التي لطالما أردتُ تحقيقها، لكن ولله الحمد توقفت السيارة
في آخر محطة و أفاقتني. نزلنا لكن كان علينا السير على أقدامنا
قليلا كي نصل إلى المكتب. وفي هذه الفترة القصيرة أخذتني مخيلتي
إلى ما يجب أن لا تأخذني إليه. فقد تخيلت العمارة التي يوجد فيها
المكتب، كالعمارات الجميلة و العالية التي نشاهدها في الأفلام أو
على الأقل كعمارات الفرس في كيان بارس ،بابها كبير ولوحتها كبيرة
و جميلة . أجل مخيلتي قد وصفت لي المكان هكذا رغم علمها بمدى
مأساة ومعاناتنا نحن الاحوازيين .
انقضت هذه الفترة القصيرة و ها أنا قد وصلت إلى المكان المطلوب و
ها أنا أمام باب العمارة لكن بمجرد إلقائي نظرة بسيطة عليها تلاشت
كل تلك الأفكار وباتت تتخبط ببعضها ، فتلك العمارة التي تخيلتها
وجدتها ليست إلا عمارة متواضعة و قديمة لا تصلح أن تكون مقرا
لأسبوعية موقرة مثل أسبوعية الحديث وذلك الباب الكبير الذي تخيلته
ليس إلا بابا صغيرا بالكاد يمر منه شخص وتلك اللوحة أيضا ليست إلا
لوحة بسيطة وصغيره.
تابعنا السير وصعدنا الدرج و عند كل خطوة كنت أخطوها كان يأتيني
سؤال متشوق إلى إجابة مني لكن هذه المرة ليس عن مقالي إنما عن ما
سأراه بعد قليل.
الحمد
لله انقضت هذه الفترة القصيرة أيضا فقد وصلنا ، تنفست نفسا عميقا
ثم طرقت الباب ، لم تمر سوى لحظات إلا ورأيت رجلا فتح لنا الباب ،
رحب بنا ودعانا إلى الداخل. دخلت وليتني لم أدخل كي لا أرى كيف كان
أحد من تلك النخبة ، مثقفي شعبنا ينثني على ركبتيه جالسا على
الأرض ململما جراحه و آلامه محاولا تضميدها بتوعية وتثقيف شعبه من
خلال كلماته التي يدرجها على صفحات ذلك الدفتر لكن عند رؤيته لي
ترك الكتابة وقام بسرعة وحيّى بي ثم قال:(اعذرينه على هاي الفوضى
حقيقة احنه نجي الساعه بالوحده للمكتب ونحاول نخلص شغلنه بسرعه لأن
الصبح وكت دوام الفرس) عندها علمت أن المحتل يتقاسم معنا الوقت و
حتى هذه الشقة لا بل وهذه الغرفة الضيقة البسيطة أيضا.
وبعد
قليل من الجلوس، مسك مقالي و صار يقرأ ويوحي لي بأخطائي ويأتيني
بدليل حتى تحول ذلك المكان البسيط إلى كتاب صفحاته ممتلئة بكلمات
تحمل معنى قداسة الشعب والوطن وأما أنا كنت مجرد قارئة تقلّب صفحات
هذا الكتاب محاولة فهم ما تتضمنه من معنى حروف هذه الكلمات . وبعد
أن انتهى شجعني كثيرا وبعث فيَّ الأمل لمتابعة الكتابة رغم ضعف
مقالي الأول .
فخرجت
من ذلك المكان وكلامه عن المرأة ودورها في تنمية المجتمع ظلّ
يتردد في ذهني ، خرجت من ذلك المكان وأنا أحمل إحساسا مضاعفا للمضي
في طريق توعية وتثقيف شعبي بدء من نفسي .
فلم
تمر سوى أيام قليلة إلّا وكتبت مقالي الثاني الذي فرح الأستاذ
كثيرا عندما رآه لتحسني في الكتابة وبعدها بعدة أيام أيضا كتبت
مقالي الثالث لكن قبل أن أبعث به إلى أسبوعية الحديث علمت أن
استمراري سيكون عائقا أمام استمراريتها فقررت أن اترك الحديث وأترك
المجال لغيري كي يكمل الطريق ،تركت الحديث التي علمتني الكثير في
زمن قصير، الحديث التي تحدت كل الصعوبات وصبرت عليها من أجل المنال
، تركتها لكنني بعد فترة قصيرة علمت أنها أغلقت بسبب مواقفها
الوطنية تجاه الأحوازيين الشرفاء.
إذن
هكذا تمر أيامنا،وهذا هو أسلوب المحتل الفارسي معنا،نقتل عندما
نطالب بحقوقنا الشرعية! ونسجن عندما نطالب بالحرية! ونمنع حتى من
أبسط أعمالنا اليومية وهي أن ننشر كل أسبوع عدة مقالاتٍ بالعربية!
26-2-2008 |