اتفاقية الجزائر 1975 الاتفاقيّات لا تـُلزم إلا عاقديها

بقلم:د/ عباس الكعبي

 

أبرمت اتفاقية الجزائر عام 1975م بين العراق وإيران، ووقــّع عليها كلٌ من نائب الرئيس العراقي "صدام حسين"، وشاه إيران "محمد رضا بهلوي"، وكان عرّاب هذه الاتفاقية الرئيس الجزائري الحالي "عبد العزيز بو تفليقة" الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية إبان فترة حكم الرئيس الراحل "الهواري بومدين". ورغم غياب الجانب الأحوازي عن الاتفاقية، إلا أنها قد تناولت أجزاء واسعة من الأراضي والمياه الإقليمية الأحوازية.

 

وجاءت اتفاقية الجزائر على أعقاب عدّة اتفاقيات ومعاهدات أبرزها معاهدة أرضروم الثانية عام 1847م، واتفاقية الأستانة عام 1913م، تناولت الحدود الإيرانية – العراقية، إلا أن تلك الاتفاقيات قد عقدت بين كل من الدولة العثمانية التي كانت تهيمن على العراق، والدولة الفارسية التي لم تكن على شكلها الحالي. وإذا كانت هذه الاتفاقيات قد تناولت الأراضي الأحوازية، فانه بمجرّد غياب الطرف الأحوازي عن تلك الاتفاقيات، يمكن اعتبارها لاغية وباطلة من الأساس، ولا يمكن لتلك الاتفاقيات أن تلزم طرفاً ثالثاً عدا عاقديها.

 

وممّا لا شك فيه انه إبان عقد اتفاقيتي أرضروم الثانية والأستانة، كانت الأحواز تتمتع بوجود دولة عربية مستقلـّة تدعى "إمارة عربستان" لها التزاماتها الداخليّة والخارجيّة على حد سواء، الشيء الذي يمنحها صفة الدولة بموجب القانون الدولي العام، وليس أدل من ذلك كاستقرار الشعب العربي الأحوازي على أرضه وتمسّكه بإرادته وحكمه، ممّا يمكن وصف الدولة العربيّـة الأحوازيّـة بـ:(الدولة) مهما بلغ سموّ نظامها القانوني والسياسي.

 

وإذا كانت الدولة الإيرانية قد تمكـّنت من إلغاء الشخصيّة القانونيّة للدولة العربية بعد أن وضعت يدها على الأحواز بطريقة غير شرعيّة عام 1925، فأنها لا تستطيع البتة من إلغاء الشخصيّة القانونيّة للشعب العربي الأحوازي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من شعوب العالم، وعليه فان القانون الدولي وفقاً لمادتيه الأولى والخامسة والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة، يكفل له الحق في تقرير المصير، ويمنحه الحق في اختيار نوع وشكل نظام الحكم الذي يمثل مصالحه ويلبّي رغباته وتطلعاته نحو الحرية والاستقلال.

 

وبالاستناد إلى هاتين المادتين، فانه للشعب العربي الأحوازي كامل الحق في الاعتراف أو عدم الاعتراف بكافة الاتفاقيات التي من شأنها المساس بوطنه أو الإضرار بمصالحه، وبمجرّد عدم مشاركته في التوقيع على تلك الاتفاقيّات، فانه لا يحق للدول المتعاقدة أن تعتبر اتفاقياتها ملزمة على الأحوازيين.

 

ويؤكد فقهاء القانون الدولي هذا الادعاء، إذ يقول "شوارزنبرغر" (ليس للمعاهدة أن تمنح حقوق أو تفرض التزامات قانونية لغير أطرافها)، ويرى "روسيني" أن (المعاهدة لا تنشئ حقوقا أو التزامات لدولة ثالثة دون رضاها)، ويؤكد "باري": (بأنه ليس للمعاهدة أن تفرض التزامات على جهة ثالثة ليست طرفاً فيها).

 

وبالإضافة إلى عدم شرعيّة مثل هذه الاتفاقيات من الناحية القانونيّة، فان الفقه الدولي يؤكد أن الحروب تبطل الاتفاقيات، إذ يرى "أوبنهايم" (أن الحرب تنهي المعاهدات - ومنها معاهدات التحالف - التي كانت قائمة بين الدول المتحاربة قبل دخولها الحرب). ومثلما أنهت الحروب، العديد من الاتفاقيات بين الدولتين الفارسيّة والكعبيّة في الأحواز من قبل، فان الحرب الإيرانية – العراقية (1980م-1988م) يمكن لها أن تنهي اتفاقية الجزائر 1975م.

 

وإذا كان العديد من المسئولين الرسميين في الدولة العراقية الحالية قد اعترفوا بالتدخل الإيراني اللا محدود في العراق، كما أكد الكثير من المراقبين والمحليين المحاولات الإيرانية لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية من خلال سيطرتها على العديد من مراكز القرار في العراق، فان مثل هذه الادعاءات تؤكد بان الدولة الإيرانية نفسها لا تعتبر أن اتفاقية 1975م متوافقة مع طموحاتها إلى السيطرة على العراق، وبالتالي فان إيران تكون قد طعنت باتفاقية الجزائر.

 

 

        ونخلص إلى القول بأن المعاهدات لن تفرض التزامات على جهة ثالثة ويتوقف نفاذ المزايا والحقوق التي تنصّ عليها المعاهدات لصالح جهة أخرى، على قبول الأخيرة صراحة لهذه الحقوق والمزايا، كما أن قبول جهة ثالثة لمزايا وحقوق في معاهدة لم تكن طرفاً فيها، لا يعنى أنها أصبحت طرفاً في المعاهدة، وعليه فان اتفاقية الجزائر 1975م لا يمكن أن تشمل الأحواز بالضرورة، وان المفاوضات القائمة حالياً بين كل من إيران والدولة العراقية الحالية حول إعادة رسم الحدود بين البلدين، يمكن أن تكون مرفوضة أحوازياً، لطالما لم يحضر الطرف الأحوازي في هذه المفاوضات.

 

 

6-3-2008