إيران ستبقى نمر ورق في الداخل، وإن امتلكت صواريخ عابرة للقارات!

بقلم:محمود أحمد الأحوازي

 

للدول والأنظمة، قدرات عسكرية  ووطنية ذاتية تحمي بها حدودها و تواجه بها الأخطار التي تحدق بها من الخارج، ولكل دولة نقاط قوة ونقاط ضعف في أي مواجهة، لكن كل الأنظمة في العالم، مهما عظمت قوتها في الهجوم خارج حدودها وفي الدفاع عن بلدانها، تبقى ضعيفة أمام حركة وقوة شعوبها في الداخل، وتبقى كل آلات وأسباب قوتها في مواجهة الخارج مشلولة، غير فعالة، وغير قادرة على مجابهة أخطار الداخل، خصوصا إذا كانت هناك شعوب مقهورة في جغرافية تلك الدولة ترى في سلطة البلد احتلال وتواجه قمع عنصري وتعيش في ظل استعمار ابعد نفسه عن كل القيم الإنسانية وعن قبول أي حقوق طبيعية للشعوب المستعمرة في البلد حيث هذا يزيد من رص صفوف تلك الشعوب ويجعلها في حالة بحث دائم عن أي فرصة لإعادة هويتها وهي مقاومة لأي محاولة لذوبانها في إطار الدولة المسيطرة والمستعمرة! وسقطت إمبراطوريات كبرى، مثل الإمبراطورية الشاهنشاهية الإيرانية نفسها بفعل الشعوب وتفككت إمبراطوريات كبرى كثيرة لهذا السبب بعد ما كانت تتحكم بمصير قارات بأكملها، وآخر هذه الإمبراطوريات التي كانت تضم في جغرافيتها عشرات الشعوب حتى فترة قصيرة، انتهت بفعل حركة الشعوب التي كانت رازحة لاحتلالها، منها الإتحاد السوفييتي ويوغسلافيا الفدرالية.

 

وخرجت من بطن الإتحاد السوفييتي الذي ورث الحكم من روسيا القيصرية الاستعمارية قبل 90عام، خرج أكثر من 15 دولة، بعد ما بقيت روسيا وبعدها الإتحاد السوفييتي مسيطرة على مقدرات هذه الشعوب لمدة لا تقل عن 200 عام دون تغيير منذ آخر احتلالات روسية التي انتهت بمعاهدات تركمانجاي وغلستان بينها وبين إيران بعد ما احتلت أذربيجان وتركمنستان وجورجيا من الإمبراطورية الفارسية. ولم يتمكن حتى الإتحاد السوفييتي الذي أعطى للقوميات حقوقا موسعة وأعلنها جمهوريات متحدة ومستقلة داخليا إلى حد كبير، لم يتمكن من منع قرار الشعوب عام 1991 بالاستقلال حيث اضطرت السلطة المركزية إلى الاستسلام أمام إرادة الشعوب دون أي مواجهة ودون إطلاق طلقة واحدة على جنوده في أي مكان من الجمهوريات التابعة له سابقا!.  الإتحاد السوفييتي الذي دافع عن مدنه وقراه وطرد اكبر قوة احتلال في حقبة الحرب العالمية الأولى بقوة الشعوب المتواجدة ضمن جغرافيته وبقيادة ستالين الأذربيجاني وترو تسكي البيلاروسي، الإتحاد السوفييتي الذي دخلت قواته أوروبا الشرقية وشرق ألمانيا منتصرة، الإتحاد السوفييتي الذي تمكن من تثبيت مكانته الدولية بقوة جيشه وصواريخه وبوارجه، الإتحاد السوفييتي الذي تمكن من إيجاد موازنة بالقوة مع أمريكا على الأرض وفي الفضاء وفي أعماق البحار، الإتحاد السوفييتي الذي غيرت قوته الأيديولوجية والعسكرية والاقتصادية مصير كثير من الشعوب في العالم وساعدت لتحرر عشرات منها من الاستعمار، الإتحاد السوفييتي الذي غطت إمداداته ومساعداته من الصين وفيتنام حتى كوبا وإفريقيا والشرق الأوسط ، الإتحاد السوفييتي الذي كان يبذل سنويا مئات المليارات من الدولارات على حلفائه وأصدقائه في كافة القارات، بكل هذه القدرات العسكرية والاقتصادية والأيديولوجية على الساحة الدولية لم يتمكن بالنهاية الإتحاد السوفييتي من مواجهة إرادة الشعوب في داخل بلاده روسية!.

 

وتفككت يوغسلافيا هي الأخرى أيضا، ويوغسلافيا كانت في عهد فدراليتها تحت قيادة تيتو، كانت أكبر قوة سياسية واقتصادية وعسكرية في أوروبا الشرقية،  وكانت حتى قبل عقدين من الزمن أحد أهم دول أوروبا عموما، وهي التي كانت أهم دولة في المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية التي أبت ان تستسلم لإرادة الكرملين، ها هي أربعة دول تخرج من تحت خيمتها، هي كرواتيا والبوسنة والجبل الأسود و قبل يومين كوسوفو.

 

أمس تحررت تيمور الشرقية، واليوم تحررت كوسوفو وغدا سيتكرر ذلك في كثير من بلدان العالم أيضا، السودان، الصومال، تركية، اندونيسيا، الفيليبين وغيرها من الدول التي تضم أقليات عرقية وشعوب محتلة، حيث قوة الشعوب كما ثبت ذلك خلال قرن كامل، ستبقى هي القوة الأكبر في مواجهة الأنظمة الفاشية والعنصرية والمستعمرة مهما نفذت هذه الأنظمة من قمع ومهما كرست من سياسات لذوبان الشعوب ومهما صنعت وخزنت من السلاح.

 

أما إيران اليوم المتخذة من الدين الإسلامي الحنيف غطاءا لإمبراطوريتها، فهي من جهة اضعف كثيرا من الإتحاد السوفييتي و من يوغسلافيا في نهاية سلطتيهما سياسيا واقتصاديا وإيديولوجيا وعسكريا، ومن جهة أخرى، الشعوب في الدولتين حصلت على كثير من حقوقها ضمن الأيديولوجية الاشتراكية التي تبنتها تلك الاتحادات والفدراليات التي كانت أكثر عدالة من الجمهورية الإسلامية حيث في الإتحاد السوفييتي و يوغسلافيا كانت الشعوب تتمتع باحترام اكبر وبحقوق أكثر وبحرية أوسع في ما يخص هويتها وحريتها الثقافية والقومية من الشعوب في إيران.  كما وان إيران اضعف بشريا أيضا من تلك الدول، حيث ما يوجد فيها من قوميات يتجاوز الـ 62% من سكانها وهذا اقل ما يعنيه هو ان القومية الفارسية المسيطرة في إيران اليوم هي أقلية في إيران اليوم/ حيث أصبح الشعب الفارسي يشبه في سيطرته على الشعوب في إيران، أشبه إلى الأقلية الأوروبية التي حكمت في رودزيا وفي إفريقيا الجنوبية قبل استقلالهما. إيران لم تتمكن حتى الآن من تفريس حتى عشر العشر من أبناء هذه الشعوب المتمسكة بقوة بهويتها وبلغتها وبمقوماتها الوطنية والقومية. إيران بشعبها العنصري الحاكم ما زالت غير قادرة وبعد عقود وقرون من التعايش مع الشعوب المحتلة، مازالت غير قادرة على تغيير نظرتها المتعالية للشعوب غير الفارسية من جانب ومن جانب آخر لم تتمكن حتى الآن من تغيير نظرة الشعوب لها بسبب استمرارها على النهج الاستعماري في نهب ثروات الشعوب وقمع الشعوب وحرمانها من ابسط حقوقها. إيران لم تسمح حتى الآن للشعوب حتى بالمشاركة وإدلاء الرأي في بناء مدرسة أو بناء مؤسسة اقتصادية في مناطقهم، ناهيك عن بناء مستقبل مناطقهم اقتصاديا أو اجتماعيا، كما ولم تسمح حتى الآن لأبناء الشعوب حتى بانتخاب أسماء محببة لهم، ينتخبونها لمواليدهم الجدد غيرا لأسماء الفارسية التحميلية! 

 

وإذا ما قمنا بقياس بين ما قدم الإتحاد السوفييتي من خدمات للشعوب بقبوله جمهوريات شبه مستقلة وفدرالية لها وقبول يوغسلافيا اتحادا للشعوب، حصلت فيه كافة الشعوب على حق المواطنة بشكل متساوي، نرى ان بقاء إيران موحدة أمرا يستحيل في المستقبل حتى لو تمكنت إيران من مضاعفة قوتها العسكرية وزادت من قمعها أضعاف ما تقوم به اليوم، حيث لا يحتمل تعايش بين سلطة استعمارية وبين شعب مقهور ومحروم من كافة حقوقه، وان ما هدمته السلطات في إيران وما خربته السياسة العنصرية ضد الشعوب والأقليات العرقية والمذهبية، ضيع أي فرصة محتملة لحلول سلمية لموضوع الشعوب ولمشكلة الأقليات في إيران عموما وأصبح الحل الوحيد لذلك هو، الثورة العارمة التي ستنهي سيطرة إيران الاستعمارية والى الأبد وستخرج الشعوب المقهورة من تحت خيمتها، وتعيد للشعوب حريتها مرة أخرى تاركة لإيران إرثا اسودا في المنطقة وخصوصا بين جيرانها المنسلخين من بطنها!.

من جانب آخر، ان إيران اليوم هي اضعف بكثير من الإتحاد السوفييتي والإتحاد الفدرالي اليوغسلافي السابقين، كما وانها اضعف بكثير من أمريكا وفرنسا اللذان خسرا الحرب ضد الشعب الفيتنامي، وإيران اليوم التي احتلت وتنوي احتلالات أخرى ولها تدخلات في المنطقة، فاقدة فعليا لأي قاعدة جماهيرية بين الشعوب في إيران تسمح لها وتساندها لأي تحرك عدواني على جيرانها في خارج إيران، حيث ما تقوم بها إيران من مناورات لقوات أمنها الداخلية وتعبئتها الإجرامية وباعتراف قادتها العسكريين، هو مخصص لمقابلة ما يمكن ان يحدث في الداخل عند ما تتفاقم الأمور على الحدود الإيرانية.  

 

و بالنهاية، ما جاء، يبين بجلاء ان السلطات المسيطرة على مقدرات الشعوب في إيران اليوم، مهما صنعت من الأسلحة الفتاكة ومهما طورت من صواريخها وطائراتها وبوارجها وغواصاتها وسفنها الحربية وطراداتها السريعة ومهما وسعت من إبحارها ومهما زرعت من ألغام بحرية في مياه الخليج ومهما حلقت في الفضاء وصنعت من طائرات بدون طيار، سيبقى مستقبلها مرهون بحركة الشعوب في الداخل في الوقت الذي كل الدلائل تشير فيه على ثورة مستقبلية عارمة لهذه الشعوب تنتهي بانسلاخها من إيران، حيث ان الشعوب التي بنت بها إيران قوتها التي تهدد بها الجميع في خارج حدودها في الأعوام الأخيرة، لم تعد هي الشعوب التي ساهمت بشكل جدي في تغيير النظام الشاهناشاهي إلى جمهوري عام 1979، بل هذه المرة كل الشواهد تبين ان للشعوب قرار نهائي في إعلان الاستقلال بعد إسقاط النظام الفعلي في المستقبل وهي اليوم تعمل معا على هذه الإستراتيجية وسيكون لها وحدها هذه المرة الكلمة الأخيرة والفصل في مستقبل إيران وليس للصواريخ والطائرات والبوارج الحربية. إن الشعوب التي كانت تحتمي بها إيران وتهاجم بها الجيران وتحتل أراضيهم، لم تعد تساند السلطات الإيرانية في أي تحرك عدواني،  ولم تعد السلطات في إيران هي التي تقرر لهذا الشعوب. إيران التي تضطهد جميع الأعراق والمذاهب والطبقات، إيران التي تضم جغرافيتها أكثر من مليون كيلومتر مربع من أوطان شعوب أخرى، إيران الفرس التي تعتبر اليوم أقلية مقابل 62% منها تقطنها شعوب غير الفارسية، إيران الفارسية التي تحيط بها خمس قوميات كبرى في جغرافيتها من بحيرة قزوين إلى شط العرب ومن سنندح وأورومية إلى زاهدان، إيران بهذه المواصفات، مهما عربدت وهددت في خارج حدودها، ستبقى نمر ورق في الداخل، سيتفكك مستقبلا في فرصة بدت وكأنها ليس بعيدة بعد ما ضاقت الشعوب الجحيم وبدأت تحركها الواعي وإصرارها الجاد واتخذت قرارها النهائي للخلاص!

 

m.ahmad2004@hotmail.com

 

 

 

3-3-2008