الزنزانة وسلسبيل

بقلم:آلاء احمد

 

كنت واقفة كما كنت دوماً،لكنني لم أتعب من الوقوف رغم وقوفي منذ عقود ومازال شوقي لضيفي العتيد كما كان شوقي لأول أسير، حتى تلك الأسئلة أصبحت تطرح نفسها من جديد ،يا ترى من سيكون ضيفي ؟ وما هي حكايته؟ هل ستكون حكايته كحكاية الأسود الذين سبقوه ؟ أولئك الذين لم ولن يشاهد الزمان صموداً كصمودهم أمام تلك الخناجر التي ترعب كل من تطعن في جسده. ذلك الإيمان الذي يبحرون به في سواحل بحر حبهم الكبير لأرضهم وإعصار التحدي الذي يخرج كالشرار من عيونهم ليُسكن الرعب في قلوب أعدائهم ، في الحقيقة لا أعرف كيف أصف تلك الصفات الموجودة فيهم لأعطيها حقها الذي تستحق.

       لقد كانوا دائما يقولون و يكتبون الأشعار ويرسمون على جدراني  الكئيبة و ذلك الدعاء الذي يتلونه  في كل صباح ومساء ليخفف عن همومهم  وحزنهم الشديد على شعب و وطن قد سلب منهم  وحين يتعبون ويملون من كثرة وحدتهم يكلموني ويسألون أسئلة كثيرة، أتمنى لو باستطاعتي الرد عليها ولكن لا أستطيع فأنا مقيدة مثلهم وفي نهاية كلامهم يضحكون لأنهم يكلمون زنزانة واليوم قد رحلوا و أنا على علم بأن السجان سيأتيني بضيف جديد.

لحظة ! الظاهر أن الباب انفتح بعد أن أغلق لبضع ساعات.ها هو قد دخل أحدهم لا بل دخلت ، نعم إنها امرأة وبيدها طفلة جميلة تُدخل البهجة في قلب كل من يراها وأما والدتها  فكانت علامات الحزن والألم قد اتضحت على وجهها ليجبنني على سؤالي عن حكايتها ، لحظة! كأنني أسمع صوتها الآن تقول:

-        لا لا تبكي يا حبيبتي! هل أزعجك كلام وتصرف ذلك الطبيب؟

-        نعم لقد أزعجني، أهذا ما كنت استحق؟ أمي أ استحق أنا الإهانة في لحظة ولادتي ؟

آه لقد تذكرتها إنها ضيفة جارتي التي سمع صرخاتها من لا يستطيع السماع طيلة أربع ساعات .إنها المناضلة السجينة التي كان زوجها ضيفي لكن وكأن القدر اليوم لم يكتف بمعاناتها ليمتد بهذه المعاناة إلى طفلتها الصغيرة البريئة. وأما الآن فإنها تبدو صامتة والدمع قد تجمع في عينيها وكأن سدا قد يمنعه من السيل على خديها "فبكت الطفلة من جديد" عندها مسحت أمها دموعها و ابتلعت ألمها وباتت تداعب طفلتها التي عمرها لا يتجاوز اليومين وصارت تضحك معها.  مرة تحضنها بشدة وكأن أحدا يريد أخْذها منها ومرة تكلمها وتقول: يا بنيتي سأبقى أهمس في أذنيك كل يوم عن حكاية أبيك ورفاقه وكيف ساروا  في طريق النضال لتحرير أرضهم من هذا المحتل البغيض لتُحفر هذه الحكاية في ذاكرتكِ لتكملي الطريق الذي لم نستطع إكماله ، وإن أعدمت وبقيت يتيمة الأم والأب أو سجنت و أخذوكِ مني أو فرق الزمان بيني وبينكِ لا أريدك أن تنسي هذا الكلام ، النضال ثم النضال ثم النضال لا تنسي هذا ،فابتسمت سلسبيل وكأنها تَعِدُ أمها بإكمال الطريق الذي بدؤوه (أبوها وأمها وكل المناضلين) .

 

إنها حكاية سلسبيل تلك الطفلة التي لم تسمع صوت أبيها إلا حين أذّن في إذنها قبل استشهاده بلحظات وحرمت من دفئ حنان أبيها ،نعم إنها هي الأسطورة التي كتب عنها التاريخ وبدأ يدونها الحاضر و سيحكي حكايتها المستقبل.

الهي ما أكبر الفرق بين هذه الطفلة الأسطورة وبين الأطفال الآخرين  فإنهم يصحبون على قبلة من آبائهم ويجدون مكانا يمرحون ويلعبون فيه حتى يتعبون. و أما هي فتفتح عينيها في مكان ضيق مظلم بالكاد يستطيع المرء أن يخطو فيه بضعة خطوات. الأطفال الآخرون عادة ما يجدون آبائهم إلى جانبهم في السرّاء والضرّاء، أما هي فرأت والدها مرة واحدة فقط و رحل عنها قبل أن تشكو إليه معاملة الفرس معها وحتى قبل أن تعبر عن أشواقها وحنينها له.  لقد أخذوه منها لتجتمع لديها هذه الذكريات المؤلمة فتتحول إلى مجموعة من الآلام لتجعل منها مناضلة عظيمة تسعى للأخذ بثأر أبيها وكل من استشهد معه في هذا الطريق. إن بقية الأطفال يتمنون أن يكبروا بسرعة للاستمتاع بالحياة أكثر وأكثر ولكنها  تتمنى أن تكبر وأن لا تكبر. لا تحب أن تكبر فإن كبرت وتعدى عمرها السنتين فعليها ترك والدتها وحيدة في سجنها و في نفس الوقت تحب أن تكبر لتفي بوعدها لأبويها، وتأخذ بثأر كل دمعة سالت من عيون أمها،  تحب أن تكبر كي تكمل طريق أبيها وكل الشهداء الذين ساروا في طريق النضال. 

 نعم هذه سلسبيل بطلة حكايتنا التي وضعت قدميها في طريق النضال وهي مازالت رضيعة تعيش بين أحضان أمها، حقا إنها سلسبيل ذلك الماء الصافي العذب الذي سيطهر أرض الأحواز من دنس هذا العدو الفارسي الغاصب بإذن الله.

nawares_200899@yahoo.com

 

11-3-2008