الفقيد مـحـــمّـد شـــريــف نــواصـري

من طاولة الإعـدادية إلى آخر لحظة برفقة الوطن

بقلم : د.عباس الكعبي

 

صوت "محمّد" الجهور لا يزال يتردّد على مسامعي باستمرار،كيف لا،فعدا أسرته الكريمة،كنت آخر من استمع إلى هذا الصوت الوطني الذي عَجَزَت عن إسكاته الدولة الإيرانيّة رغم غطرستها ووحشـيّـتها. هذا الصوت الذي كان على الدوام يثلج قلوب الوطنيين الأحوازيين المخلصين حين يُعـبّـر عن تلك الأفكار النيّرة التي يتمتع بها "محمّد"،هذا الصوت الذي ساهم إلى حدّ كبير في نشر القضيّة الأحوازيّة والتعريف بها،صوتك يا "محمّد" الذي دوى طويلاً في سماء الأحواز هاتفاً بحريّة وطنك وخلاصه من نير الاحتلال الفارسي.

 

في الليلة الفاصلة بين الأربعاء 21/03/2007 والخميس 22/03/2007،بعث لي "محمّد" برسالة عبر الانترنت،بيّن فيها بأنه يود الحديث معي لأمر ما،وبعد أن أكملت عملي،تلقيت دعوة من قبل الأخ المناضل "طالب المذخور (أبو فراس)" فسرعان ما لبيتها مع سابق معرفتي بأنه و"محمّد" يجتمعان في غرفة على الانترنت أيضاً.

 

وكعادته،بدء "محمّد" الحديث معي بمزاحه المعتاد وبأسلوبه المميّز،وهكذا كانت بداية جمعنا بالمزاح مع "أبا وائل".فالعشرة الطويلة بيننا،وجلوسنا على طاولة واحدة أثناء الدراسة الإعداديّة والثانويّة،كثيراً ما تقودنا إلى تلك الأيام المدرسيّة الجميلة، لنتبادل بعض المزاح قبل البدء بمناقشة همومنا الوطنيّة.

 

عرض علينا "محمّد" في تلك الليلة مقال عنونه "بالممانعة السوريّة الإيرانيّة والقضيّة الأحوازيّة"،فبدأنا بمناقشته على الفور،فأبدى الأخ "أبو فراس" ملاحظاته حول مطلع المقال كما أبديت بعض الملاحظات حول العنوان السالف لنفس المقال وكذلك المطلع. ولأن المقالات التي كتبها الشهيد الراحل "محمّد"،تميّزت بالشرح والتفسير والدقة والأمانة،إضافة إلى تدعيمها بالعديد من الأسماء والأرقام والتواريخ بحيث لا يترك للقارئ مجالاً للشك فيما يـبـيّـنه من حقائق مرفقة بالأدلة والبراهين والحجج،فبيّنا له أنا و"أبو فراس"،ما إذا كان هذا المقال مفصّلاً شأنه شأن بقيّة المقالات التي كتبها "محمّد"؟ فقال "محمّد":"علماً أن هذا المقال هو آخر مقال لي"، وحين سألناه عن السبب قال: "السبب في ذلك يعود إلى كوني سوف ابدأ بدراسة اللغة الهولندية".

 

أرسل لنا "أبو فراس" ملاحظاته التي أبداها حول مطلع المقال، وقال "لمحمّد" بأن لا يتوقف عن الكتابة،وحين تأتيه فكرة الكتابة فأنه قد لا يستطيع منع نفسه من الشروع بالتدوين والكتابة،فغادر "أبو فراس" الغرفة ليتركنا نواصل المشوار في الحديث حول مناقشة ما كتبه "محمّد". فاسترسلنا أنا و"محمّد" بقراءة المقال لنتوقف عند بعض النقاط التي رأينا من الضروري أو من الأحسن تغييرها أو تعديلها، ولأن الملاحظات كانت قليلة، فأن قراءة ذلك المقال القيّم قد تطلبت حوالي ساعة واحدة لا أكثر.

 

وفور الانتهاء من قراءة آخر مقال "لمحمّد"، بيّنت له إعجابي الشديد بما كتبه وبأهم النقاط التي توقف عندها "محمّد" لتفسيرها وشرحها وعرضها على القارئ العربي،فواصلنا الحديث والحوار بعد ذلك حول بعض القضايا المتعلقة بقضيتنا العادلة،كما عرضت عليه عنواناً لمقال تحليلي أنوي البدء في كتابته،فاستحسن "محمّد" الفكرة،وبيّن لي بأنه سيزوّدني ببعض التعريفات والوثائق ذات الصلة بالموضوع للإحاطة به قدر الإمكان وتدعيمه بما يحتاج إليه موضوع المقال من أدلة وبراهين ضروريّة.

 

لا يبدو التعب على صوت "محمّد" إطلاقاً،كما انه لم يشكوا لي من أية متاعب صحيّة أو ما شابه ذلك بأي حال من الأحوال،ولكنه لم يخفي تذمّره من المتطفلين على قـضيّـتـنا الوطنيّة العادلة. وفي هذه الأثناء نظرت إلى الساعة وكانت الساعة 04:23 دقيقة فجراً بالتحديد،فقلت له حسناً يا "محمّد"، لقد أصبح الوقت متأخراً الآن، وسلمت يداك على ما كتبته،وانك تحتاج إلى الراحة الآن،فلابد من أن تكون متعباً بعد أن قضيت وقتاً طويلاً في الكتابة والتدقيق والتركيز.

 

وقبل إغلاق الغرفة،حمّلت "محمّد" أمانة بان يقبّل لي وجه العزيز "وائل" (إبنه)،وان يبّلغ أحرّ سلامي وكل احترامي إلى الأسرة الكريمة في حال جرى بينهم أي اتصال،ووعدني بأنه سيقبّـل لي وجه "وائل"،وسيبلـّغ سلامي إلى أسرته الكريمة. كما حمّلني هو الآخر أمانة بأن ابلغ أحرّ سلامه إلى أشقائي الذين ذكرهم بالاسم وهم "احمد" و"جاسم"،وكذلك كافة أفراد الأسرة،وما بلغت الساعة الرابعة والنصف فجر يوم الخميس، حتى القينا على بعضنا البعض التحيّة من جديد،ولم أكن اعلم بأنها اللحظات الأخيرة التي تفصلني وصوت أخي وصديقي ورفيق دربي ونصيري وسندي الداعم "محمّد".

 

دور "محمّد" الريادي في المدرسة:

 

جمعتني و"محمّد" المدرسة الإعدادية إلى جانب عدد من إخوتنا،ومنذ ذلك الوقت ولأننا كنا في بداية مرحلة الوعي والنضوج،كانت التوجّهات الوطنيّة تبدو واضحة على العديد من الزملاء،وأبرزهم "محمّد" الذي كان مندفعاً أكثر من غيره في الحديث وفي النشاط الوطني. إلى أن جاء ذلك الاتهام البغيض الذي نشرته جريدة "كيهان" الرسميّة الإيرانيّة عام 1986،حيث وصفت به عرب الأحواز بأنهم لا يعدّون السكان الأصليين للأرض،وإنهم من أصل غجري ومجرّد مهاجرين قادمين من شتى المناطق.

 

وكانت ردّة الفعل العربيّة الأحوازيّة عنيفة رغم عنجهيّة الدولة الإيرانيّة وشراستها إبان الحرب الإيرانيّة – العراقيّة (1980-1988)، إلا أنها قد عجزت عن وضع حد أمام المدّ الجماهيري الأحوازي،إذ بلغت الانتفاضة ذروتها في تلك الأيام، وأعربت الجماهير الأحوازيّة عن سخطها الشديد إزاء هذا الاتهام الباطل،فازدادت رقعة الانتفاضة لتعمّ مختلف المدن والمناطق الأحوازيّة.

 

ونحن طلاب تلك المدرسة،ساهمنا بدورنا في تلك الانتفاضة مثلما ساهمت فيها مختلف شرائح المجتمع الأحوازي،إذ كنا نغادر المدرسة رغم غلق أبوابها،إلا أن حائطها المنخفض نسبياً كان يسمح لنا بالتسلق ومن ثمّ القفز بغرض الانضمام إلى جموع المنتفضين العرب. وكان "محمّد" في ذلك الوقت،يقود مجموعة من طلاب المدرسة ليشارك في تلك الانتفاضة. وكان صوته الجهور وقامته البهيّة يساعدانه على أن يكون مميزاً من بين الآخرين.

 

وفي صباح أحد الأيام تلك،وبمجرّد دخولنا المدرسة،فوجئ المعلمين وطاقم الإدارة والطلاب بعدّة شعارات وطنيّة أحوازيّة منها شعار "هنا عربستان" كانت مخطوطة على جدران المدرسة،وفي ذات الوقت فان "اللجنة الثقافيّة الأحوازيّة" قد ملأت المدرسة ذاتها بالمنشورات الداعية إلى ضرورة إسترجاع الحق الأحوازي، الأمر الذي أثار ضجّة كبيرة في تلك المدرسة،فأصبح حديث جميع الطلاب داخل المدرسة وخارجها.

 

لم أكن اعرف بأن "محمّد" كان يقف خلف تلك الشعارات المدوّنة على جدران المدرسة،كما أن "محمّد" لم يكن يعرف باني أقف خلف توزيع تلك المنشورات التي عمّت المدرسة،ورغم العلاقة المتينة التي كانت تربطنا،إلا أن السريّة والدقة في العمل كانت تدخل ضمن المحرّمات،حيث لا ينبغي إهمالها بأي حال من الأحوال. هكذا كانت التعليمات التي كنّا نتلقاها من قبل أصحاب التجربة.

 

وبرفقة عدد من إخوتنا، شكـّـلنا مجموعة متكاتفة ومتآلفة من طلاب المدرسة ذاتها لإيجاد بدائل للمصطلحات الفارسيّة الدخيلة على لغتنا،فاستبدلناها بمصطلحات عربيّة أصيلة،وسعينا فعلاً لترويجها في الصفوف الطلابيّة في المدرسة،وحتى خارجها. وبعد أن انهينا دراستنا الإعدادية،انتقلنا إلى الثانوية مباشرة،ولأن اختياري واختيار "محمّد" وقعا على فرع العلوم،فان المدرسة والصف والطاولة قد جمعتنا وعدد من إخوتنا مرّة أخرى لمواصلة السير قدماً في دراستنا.

 

"محمّد" يرتدي ثوب والده الشهيد:

 

كان "محمّد" يافعاً ممّا يساعده ذلك على أن يكون بارزاً بين أصحابه،فحتى في مسابقات كرة القدم للكبار بين المناطق،كان "محمّد" بقامته الطويلة يلوّح بمسبحته ويهتف شعار "يا حوم اتبع لو جرّينا" ويردّد الآخرون نفس الشعار من بعده،كما تميّز "محمّد" بمشيته التي غالباً ما يرافقها الترنـّح والشموخ والثقة بالنفس.

 

في صباح أحد الأيام المدرسيّة،لاحظت على "محمّد" بأنه يرتدي سروالاً يبدو كبيراً عليه، وبحكم الإخوّة والعلاقة الحميمة التي تربطنا، قلت له بأن سروالك يبدو كبيراً بعض الشيء يا "محمّد"، فقال لي: "إنه سروال أبي الشهيد، حيث احتفظت والدتي بكل ثيابه تـنـتـظـر بلوغـنا سنّ الـرشد لارتدائها". ومنذ ذلك الوقت أدركت فعلاً بان "محمّد" قد بلغ سن الرشد مبكراً، فارتدى "محمّد" ثوب الوطن. إن ارتداء "محمّد" لثوب والده الشهيد، كان يغيّر كثيراً في سلوكه في الحديث وفي التصرّف وحتى في مشيته التي تبدو أكثر ترنحاً وثباتاً على الأرض.

 

"محمّد" والوحدة الوطنيّة الأحوازيّة:

 

حين التقت القيم والأهداف، وحين تآلفت القلوب فيما بين مجموعة من طلاب تلك المدرسة الإعدادية ومن ثمّ الثانوية، جَعَـلـَنا هذا التجمّع الطلابي بان نكون متباهين بوحدتنا، فخورين بعروبتنا، معتزّين بحُب أولئك الناس البسطاء لنا حين كانوا يخاطبوننا بـ: "أولاد المدارس"، مُدركين بأن هؤلاء البسطاء يعلقون الكثير من الآمال علينا، علـّنا نتمكـّن من تحقيق ما لم يحققوه في حياتهم.

 

إن جميع هذه القيم المشحونة بالعواطف، وفي مقدّمتها الشعور بالتباهي بالوحدة، قادت "محمّد" لأن يجعلها من أولى أولوياته في العمل الوطني، فكان "محمّد" على الدوام حريصاً على العمل الجماعي ولم شمل الوطنيين المخلصين تحت مظلة وطنية واحدة. لذا فانه وبمجرّد مغادرة ارض الوطن مضطراً، عمل بمنتهى الجد على تحقيق هدفاً أحوازياً سامياً، ألا وهو "الوحدة الوطنيّة". ونعتب على غدر الزمان الذي خطف "محمّد" قبل بلوغ هذه الأمنيّة السامية، فتبقى أمنية "محمّد" أمانة في أعناق جميع الوطنين الأحوازيين إلى أن يكتب لنا الله تعالى تحقيقها.

 

"محمّد" الوفي يتركنا في منتصف الطريق

 

في الوقت الذي تبدو فيه قضيتنا الأحوازيّة العادلة بأمسّ الحاجة إلى الوطنين المخلصين الشرفاء، فإننا نفقد أحد أبرز وأشجع القادة الوطنين في زمن الهوان. إذ نعتب على ما يخبأه لنا القدر، وعلى غدر الزمان الذي افرز مفارقة كبيرة تـُسقط كل التناقضات أمامها، وهي الاحتلال الإيراني للأحواز الحرّة الأبيّة.

 

بدأنا و"محمّد" مشوارنا الصعب نحو تحقيق هدفاً أحوازياً مرموقاً، ألا وهو "الوحدة الوطنيّة". وكان "لمحمّد" الدور الأبرز في لمّ الشمل الأحوازي ضمن وعاء وطني أشمل وأعمّ، فكانت له صولاته وجولاته المعروفة والمشهودة في هذا الصدد، ولم يخلوا اجتماعاً أحوازياً واحداً حول "الوحدة الوطنيّة"، إلا وكان صوت "محمّد" جهوراً في الأوساط الوطنيّة الأحوازيّة، مؤكداً على ضرورة عدم المساس بالثوابت الوطنيّة الأحوازيّة. إلّا أن غدر الزمان قد خطف "محمّد" من بيننا قبل بلوغ هدفنا السامي.

 

في الماضي القريب، بيّنت "لمحمّد" بأني في صدد القيام بدراسة أكاديميّة أنوي القيام بها، فعرضت عليه عنوان دراستي المستقبليّة وهو: "الأحــواز والحق في تقرير المصير"، فأبدى "محمّد" إعجابه الشديد بالموضوع، مبّيناً لي باني قد اخترت موضوعاً شيّقاً وصعباً في ذات الوقت، ولكن "محمّد" قد أكد لي بأنه يمتلك العديد من المراجع والوثائق الهامة ذات الصلة بموضوع البحث، إلا أنه قد استعجل الرحيل ليتركني وحيداً في خوض البحث الشاق الذي ينتظرني.

 

وها أننا اليوم نقف عند الذكرى الأولى للفقدان المادي لأعز وأوفى الإخوة والأصدقاء والرفاق، لنلقى التعازي ولنتلقاها من جديد،رغم أنها لم تتوقف منذ فقدانه، وإذا كانت قلوبنا التي يعتصرها الحزن والألم لم تعد تتسع لكي نفتحها بيوتاً لتقبل التعازي،فكيف هو الحال إذاً بالنسبة لقلب "وائل" الصغير الذي لم يتجاوز السادسة من عمره بعد؟؟

 

وأخيراً، وليس بيننا آخر،لا أقول لك يا "أبا وائل" بأننا نجدّد معك العهد،كون تجديد العهد يتطلب بالأساس انتهاءه أو إلغاءه،إنما أقول بأننا باقون معك على العهد دوماً إن شاء الله، وسنسير على الدرب الذي رسمه لنا والدك الشهيد ومن سبقوه، ومن لحقوه من شهداءنا الأبرار الذين عبّدوا طريق النصر بدمائهم الطاهرة. وستبقى أيها الشريف ابن الشريف حاضراً في أذهاننا وفي قلوبنا دوماً، وسيكبر العزيز على قلوبنا "وائل"، وسيرتدي هو الآخر ثوب الوطن،ثوب "محمّد" العطر.

 

17-3-2008