بسم الله الرحمن الرحيم

 أحداث المحمرة

بقلم:الأستاذ الدكتور عمر ابوزلام

 

بعد أن أرادوا تشكيل (الكميتة) اللجنة الثورية في المحمرة... دخلتها لتقصي الحقائق و بقيت أتابع الأحداث حتى استيلاء الجيش على (مها باد) في منطقة الأكراد.

لقد راق لي أن اتصل بآية الله الخاقاني , عند ما تناقلت وكالات الأنباء انه يعارض تشكيل لجان ثورية, و قد صممت على اللقاء به لما لفت نظري منه هذه المعارضة التي كانت تعتبر وحيدة في بابها أمام ذلك التيار الثوري الذي- بطبيعته- يتعثر بحقائق راهنة ربما تجعله يوصم بالصبيانية و التعدي.

اقلني القطار"اكسبريس" إلى مدينة الأحواز, مركز محافظة(خوزستان) التي تشمل عر بستان و غيرها من المناطق الأخرى وهي مدينة جميلة يشقها نهر (كارون) السياب الذي تبدو في وسطه جزر صغيرة مغطاة بالعشب, و تترامي قصور الشيخ خز عل أمير عر بستان السابق الذي استولي عليه رضا خان غيلة, واحتجزه في بيت بالقرب من قصر في شمال طهران مع أهل بيته حتى استنزف ما لديه من ثروة, ثم أوعز إلى طبيبه الخاص بان يقضي عليه بواسطة "إبرة" حقنت له في ركبته, كما حدثني بذالك احد الشيوخ اللذين كانوا على صلة وثيقة بالبيت الجاسبي و "الجاسبي" لقب أسرة خز عل,الذي ينحدر من قبيلة كعب و قد تسلم الحكم بعد مقتل أخيه مزعل الذي ورثها من أبيه "جابر".

و في الأحواز يقطن الشيخ "محمد ألكرمي" الذي له دور فعال في تحطيم إرادة العرب و الذي يحظى بتأييد "الأميرال مدني" محافظ المنطقة (الحاكم العسكري لإقليم الأحواز المحتل) لمعارضته و الشيخ عيسى الطرفي في عبادان,لأية الله الخاقاني الذي تجسدت فيه معاني الدفاع عن حقوق أبناء المنطقة دفاعا أدى به إلى التحطيم . و ألكرمي هذا الذي يبدو للوافد عليه انه قروي تطفو عليه هالة كبر, وجفاف أخلاق لان له مقعدا في مجلس الخبراء في طهران. و الغريب في الأمر إن هذا الشيخ كان من مداحي الشاه المخلوع و لقد اطلعت على كتاب باسم "نتائج الفكر" أراني إياه بعض العرب في عبادان و فيه قصيدتان رائعتان في مدح الشاه و قد ألقيتا أمامه عند زيارته للأحواز و ليس غريبا هذا التناقض في مفهوم الثورة هنا.

فالشيخ عيسى الطرفي كان من بغاة الانفصال (التحرير) أيام الشاه, وكان من أصحاب محيي و جماعته, وكذا الشيخ سيد شبر بن سيد عدنان في المحمرة فكان من أعضاء السافاك كما حدثني كثير من العرب و العجم هناك إذ كان يتقاضى راتبا رسميا. و هذان الرجلان يعتبران من المقربين لنظام الحكم الإسلامي الثوري (!!), ولقد لاحظت عند دخولي المحمرة عبارة كتبت على البيت الأبيض الذي يسكنه سيد شبر من قبل الثوريين بالفارسية "كاخ سفيد" مال يزيد, ويعني "القصر الأبيض التابع ليزيد" و يقصدون بالقصر الأبيض مشابهته لقصر الشاه في طهران, و يزيد هو "يزيد بن معاوية" الذي قتل الحسين بن علي كرم الله وجهه.

و ليس في الأحواز و ضواحيها من رجال الدين العرب من يؤيد الشيخ ألكرمي في مسلكه و إنما هم يناصرون الشيخ الخاقاني, كما لمست ذلك عن قرب بل إنهم يتهمون الشيخ ألكرمي في مسلكه الشاذ نحو عروبته و يدعون انه قد انتحل تستر "شوشتر" الحالية. و إن أمه تركية الأصل, و لذا فهو لا يفتأ يتهجم على العرب بقوله أنهم لا يفهمون لا يعقلون, فمن هم ليطالبوا بحقوقهم؟ هذا ما يقولونه عنه. إن النقمة بادية من العرب على ألكرمي و كما شاهدت و تابعة المسيرات و هي تهتف, يسقط ألكرمي,يسقط الخائن ألكرمي يسقط.

ولكرمي هذا من بلاد الحويزة و أسرته معروفة هناك ببيت الحويزي, و أبوه الشيخ محمد طه الحويزي يتمتع بذكر حسن في بلاد الحويزة, وإذا حدثت احدهم عن ألكرمي قالوا "ألكرمي مو طالع على أبوه".

كان أهل الحويزة يكرهونه بيد أن السلطة و نفوذها جعلتهم يخضعون له إلا القليل منهم, أما رجال الدين هناك فهم على خلاف معه.

في المحمرة

دخلت المحمرة في أواخر ربيع الأول 1979 و ذهبت توا إلى مقر أية الله الخاقاني و اسمه الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني. وهو ينحدر من سلالة علمية أدبية عريقة, فوالده وأجداده زعماء دينيون والمحمرة أكثر من غيرها من بلاد عر بستان اخضرارا إذ يقع شط العرب إلى غربها و من الجنوب يحدها شط المحمرة و من الشرق شط كارون و نهر بهمشير. و قرى المحمرة جميعا عربية محضة لا يعرف أكثر أهلها اللغة الفارسية على الرغم من إن الشاه المخلوع قد عمد إلى إضفاء الصبغة الفارسية على المنطقة حيث أبدل اغلب أسماء القرى و المناطق إلى أسماء ليست بعربية, فالمحمرة(خر مشهر) أي المدينة البهيجة وعبادان(آبادان) أي العمران و الدورق(شاد كان)أي محل الأفراح و جزيرة الصلبوخ (مينو)أي الجنة و الخفاجية(سوسنكرد)أي محل السوسن والبسيتين(دشت ميشان)أي صحراء الخرفان...الخ

في بيت الخاقاني 

في شارع أبي ذر, يقع بيت الشيخ الخاقاني في مدينة المحمرة و هو الزعيم الروحي لهذه المنطقة الذي يريعك زحام الناس فيها و تدفقهم إلى المسجد و المدرسة. و يعتبر بيته المجلس الرسمي له وفيه مكتبة كتب عليها (دفتر أية الله آل شبيرالخاقاني) والمكتبة عبارة عن حجرة صغيرة فيها طاولتان و صورة كبيرة جدا للخميني و أخرى لياسر عرفات و تقويم يحمل صورة الشيخ الخاقاني.

بالنسبة للقائمين بأعمال سماحة الشيخ لم أتقبل وجودهم للقيام بهذه الأعمال فهم ناشئين تعوزهم الخبرة و التنظيم مع إن دلائل الإخلاص تبدو على أكثرهم, فهل يكفي الإخلاص وحده مالم يقترن بالحنكة و الحكمة؟

طلب لي الإذن بالدخول على سماحة الشيخ الخاقاني في مكتبه داخل البيت,فلقيت شيخا وقورا,وسليم المحيا,جذاب الطلعة,يجلس على الأرض فيه تواضع برفعة.

سألت الإمام الخاقاني – المعروف أنكم عارضتم تشكيل لجنة ثورية في  خر مشهر(المحمرة).

أجاب –يا وليدي –تصغير ولدي(للتمليح طبعا) لما أرادوا تشكيل الكميتة (أي اللجنة) وجدت أن القائمين عليها لا تتوفر فيهم شروط الحكم والقضاء بين الناس, فنحن نشترط في الحاكم الشرعي والقاضي أن يكون مجتهدا, جامعا للشروط, له القدرة على استيعاب القضية و الإلمام بأطرافها و أن تكون له خبرة بالأمور وذو تقوى و ورع و أن يكون فيصلا في حسم الأمور. عندما زاد الإصرار بان أباشر العمل.

وللحديث بقية...

 

 

 

حقوق النشر محفوظة لـ