|
حوادث(ثورة) المحمرة
الجزء :(2)
بقلم :
الدكتور عمر ابوزلام
عندما زاد الإصرار بان أباشر العمل ,طلبت
منهم أن يكون أعضاء اللجنة الثورية ممثلين لسكان المنطقة,
و أن يشترك العرب و الأتراك و الأكراد معا لئلا تقع فتنة
في البلاد. و لكنهم أجابوا بالنفي و أصروا على موقفهم مما
أدى إلى أن يشكل العرب مراكز لأنفسهم, و هذا ما كنت أخشاه,
فلو أنهم اتبعوا مشورتي لما تفرقت كلمة المواطنين هنا ...
ثم أن أعضاء اللجنة اخذوا يعيثون في الأرض فسادا و لا
يتورعون عن سفك الدماء و إصدار الأحكام برعونة.
أسباب الخلاف
لقد عاصرت الأحداث في المنطقة منذ الشرارة
الأولى,فلمست أسباب الخلاف بين الإمام الخاقاني و جماعة
الفرس , فهي تعود إلى توجيهاته لأعضاء اللجان الثورية وفق
ما يراه بطبعه المخالف للطبع الثوري و الحقد المحلي الذي
ينصب بقالب القانون,فقد كان رده بالنسبة لمحاكمة أربع
أشخاص هم مكي الفيصلي و مهدي كارون احد تجار البلاد و شخص
أخر تاجر أيضا هندوسي اسمه (هريرام) و سيد شبر سيد عدنان و
أوضح لهم وجهة نظره بان إلقاء القبض على مكي الفيصلي و هو
زعيم قبيلة, لا يتم بسهولة وفق الأعراف العشائرية فتسفك
الدماء البريئة. و كذلك الشخصان الآخران فان إلقاء القبض
عليهما دون جريمة تستحق الإعدام والعقاب هي جريمة بحد
ذاتها , فالواجب محاكمة هؤلاء حتى تثبت دعائم الجمهورية
الإسلامية أما سيد شبر فله مكانة دينية, فلا يحاكم!.
و على الرغم من أن مكي الفيصلي كان من اشد
خصوم الخاقاني أيام الشاه و قد هجم مع زبانيته على داره, و
كذلك سيد شبر الذي كونته سلطة الشاه, عمل ضده أيضا , و قد
ظهرت دعايات الفرس بان له رابطة مع عناصر الشاه.
و الذي يبدو لي أن معارضة أية الله
الخاقاني لمحاكمة هؤلاء بالتشديد الذي ارتآه كان عين
الصواب, فمكي الفيصلي كان من أعوان الشاه و قد عينوه في
البرلمان. و انتماء سيد شبر للسافاك ثابت و واضح و هناك
مستمسكات تدينه . فما دخل العشائرية و المكانة الدينية ؟هل
وفى سيد شبر بهذا الجميل أم انه أصبح من المسؤولين و ألب
كل عربي في المنطقة ؟ إن ما كان أية الله الخاقاني يخشاه
من سفك للدماء قد وقع عندما أرادوا ألقاء القبض على
الفيصلي .
بيد أن الجانب الديني و الورع يطغيان على
الجانب السياسي بل و الاجتماعي في نفسية أية الله الخاقاني
الذي بدا زعيما دينيا و سياسيا على الساحة الإيرانية , و
كان يعوزه خبراء و مستشارين مخلصين ليصدوا عنه كيد
الكائدين .
لقد تلقى دعوة من عرب الأحواز و قبائلها
فاستجاب لها و خرج في موكب مهيب جدا , و ألقى أربع خطابات
من الإذاعة, و كذلك ذهابه إلى عبادان و خطابه في الاستاد
يوم الذي ألقاه في موكب فخم جسد فيه أمال العرب في اخذ
حقوقهم المشروعة التي أهدرت منذ حكم أسرة بهلوي, لكن ذلك
اثر في نفسية ألكرمي و عيسى الطرفي عميق الأثر, لضحالة
شخصيتهما و اعتبرا هاتين الزيارتين غزوا فشكل ألكرمي مركزا
اسماه (مركز العشائر العربية)مقابل المركز الثقافي العربي
و المنظمة السياسية العربية في المحمرة مع فارق بينهما و
هو أن المنظمة السياسية العربية في المحمرة تمثل جميع عرب
المنطقة و تحضى بتأييد الغالبية الساحقة من زعماء العشائر
و شيوخ القبائل و التي كانت ترى الإمام الخاقاني زعيما
روحيا سيتمتع العرب بحقوقهم في ظله خصوصا و قد تم النصر
للجمهورية الإسلامية بفضل جهاده و مجهوده في المنطقة و
ارتباطه الوثيق بالخميني وتأييد المنطقة له ونفوذه فيها ,
وكانوا يشعرون أن احد الأسباب التي أرغمت الشاه على الخروج
هو الوضع الاقتصادي المتدهور الذي كان لإضراب عمال النفط
بفتوى الخاقاني و حكمه بذالك الأثر الأكبر فيه.
فخوزستان (الأحواز) هي عنق الثورة و العصب
الرئيسي في الجمهورية و من هذا المنطلق تمنى عربها أن
يسعدوا في ظل الجمهورية الإسلامية , فأرسلوا وفدا من قبلهم
إلى رئيس الوزراء مهدي بازركان بلائحة تتضمن مطالبهم و
أهمها..
_تشكيل مدارس عربية لنشر الثقافة العربية
التي هي الأساس في فهم القانون الإسلامي.
_مشاركة العرب الإيرانيين إخوانهم الفرس في
الوظائف الحكومية والجيش ما حرموا منه طوال حكم الأسرة
البهلوية و تعيين نسبة من النفط لتعمير المنطقة... الخ
وعاد الوفد وكله أمل بما لاقى من ترحاب من
قبل رئيس الوزراء الذي حمل الوفد كتابا لأية الله الخاقاني
يعرب فيه عن الإخلاص ويتعرض لمشروعية المطاليب التي عرضها
الوفد العربي , ووعد بان تدرج هذه الحقوق في الدستور
الأساسي للجمهورية الإسلامية.
لقد أحدث هذا اللقاء ردود فعل في نفوس
الفرس من سكان المنطقة, فاخبروا رئاسة الوزراء أن بعض
أعضاء الوفد كانوا من اليساريين و الشيوعيين , فانطبع ذلك
في نفوس مساعدي رئيس الوزراء وقاموا أي الفرس بدعاية مركزة
في هذا المجال ..... و شكلوا لأنفسهم مركزا أطلقوا عليه
المنظمة الثقافية العسكرية جعلوا مقره بالقرب من (المنظمة
العربية) و (المركز الثقافي العربي) يتدربون فيه على حمل
الأسلحة الحديثة استعدادا لمواجهة العرب و ذلك بإيعاز من
الأميرال احمد مدني الذي زار أية الله الخاقاني و جابهه
بقوله أن تحطيم العرب عنده كشربة الماء , مما جعل الشيخ
الخاقاني يهاجمه بخطاباته و يتهمه بنواياه السيئة و
البعيدة عن الإسلام وان معاملته مع عرب المنطقة لا تخدم
سوى الاستعمار و أمريكا , واستطاع الإعلام أن يشوه المقصود
من تصريحات الخاقاني هذه , حيث نقل للخميني بان الشيخ يتهم
الثورة بأنها أمريكية و قد عاتبه عليها عند لقائهما في قم
كما سنتحدث عن ذلك.
زيارة بازركان لأية الله الخاقاني
إن بازركان في ما يبدو لي مع عدة قليلة من
الوزراء يكنون للخاقاني ودا و يقدرون مواقفه قبل الثورة
وبعدها, على العكس من بعض مساعديه وجماعة من الوزراء و
مجلس قيادة الثورة و أعضاء مكتب الإمام , فإنهم ينظرون
إليه من نقطتين متنافرتين تتنافى مع أهدافهم
1.
انه عربي وان له مكانة مرموقة في المنطقة
والبلاد العربية خصوصا الخليج , (وله من يرجع إليه
بالتقليد)الذي لا يناله إلا من كان مجتهدا في أحكام
الإسلام في المفهوم الشيعي الجعفري.
إن زيارة بازركان و الوفد المرافق له
للخاقاني كانت تاريخية , و كان قد قضى معه زهاء الأربع
ساعات , وائتم به في الصلاة , و تناول عنده الغداء , و صار
له استقبال حار جدا تجمعت فيه عشرات الألوف من العرب على
طول شارع أبي ذر ابتداء من السجن, و انتهاء بمقر القائمقام
أمتارا عديدة و الجدير بالذكر أن هذا الشارع مسوّر من
الجانب الشمالي بجدار طويل ليخفي الأكواخ التي يسكنها
العرب في المنطقة عن المارة, وقد بني هذا الجدار في زمن
الشاه المخلوع .
كان استقبال العرب لرئيس الوزراء على
الطريقة العربية القبلية كإطلاق النار ذكرى أعادت إلى
الأذهان استقبال أهالي بعلبك للإمام الصدر قبل أربعة أعوام
. و كان الاستقبال غير منظم فالأهازيج ,و الهوسات حسب
اصطلاحهم لا تنسجم و التكتيك الفارسي, بحيث أن الرئيس لم
يستطع أن يدلي بخطابه في مسجد الإمام الصادق , و هو المسجد
الذي يقيم فيه أية الله الخاقاني الصلاة و أذاعه من راديو
عبادان حيث خرج من منزل الشيخ إلى الإذاعة و هم لا يشعرون
, كانت الجماهير تعبر عن ولائها للجمهورية الإسلامية و
تقديرها لجهاد الإمام الخميني و موقف أية الله الخاقاني و
تتمنى على الحكومة المؤقتة أن ترعى حقوق عرب المنطقة .
التهديد بالخروج عن إيران و أسبابه
اشتد الخلاف بين العرب و العجم بعد زيارة
بازركان لأية الله الخاقاني , فكان الفرس ينالون من شخصيته
بالذات فقد صدر منشور موقع باسم "أهالي السوق" يهاجنه و
يندد به و قد أحدث هذا المنشور رد فعل عنيف في نفوس العرب
فتجمع من الأهواز(الأحواز) و أطرافها و عبادان و قراها و
خرمشهر(المحمرة) و نواحيها جمع غفير من العرب المسلحين
احتجاجا على ما جاء بالمنشور من إهانة لزعيمهم الديني , و
تجمعوا في مسجد الإمام الصادق , و خرج أليهم الخاقاني و
نصحهم بالرجوع إلى بلدانهم و أماكنهم و نهاهم عن إطلاق
الرصاص لما فيه من تبذير للمال و إرهاب للناس , فتفرق
الجمع و قفلوا راجعين إلى ديارهم.
و توجه شباب المحمرة إلى المنظمة السياسية
فحدثت بينهم و بين من كان من الفرس في (المركز الثقافي)
بعض المناوشات التي أدت إلى التراشق بالرصاص ثم هجم العرب
على المركز و أشعلوا فيه النيران , و اسروا من بقي من
الفرس و أرسلوهم إلى الخاقاني الذي فوجئ هو الأخر بهذا
الأمر ففك أسرهم سريعا و أخلى سبيلهم .
لم يكن من السهل وقوع هذه الحماقة من
الجانبين دون أن تترك اثرا في نفوس المسؤولين و أيضا
الخاقاني , فالعواطف إذا تحكمت رسمت خطة الدمار . ولا
تتحكم العواطف إلا إذا فقدت الحكمة و التدبير و يبدو
للمراقب أن عوامل قوية كانت تعمل من اجل تنشيط عملية
الخلاف إلى هذا الحد الذي جر الويلات على المنطقة.
وللحديث بقية...
|