|
حوادث(ثورة) المحمرة
الجزء :(3)
بقلم : الدكتورعمرابوزلام
أصر الفرس على إخلاء المنظمة العربية و
المركز الثقافي العربي , واستجابة لهم أصدر القائمقام
"علوي" ثلاث بيانات في يوم واحد أذيعت بالراديو تلزم العرب
بالخروج من المكانين و تسليمهما إلى الحكومة خصوصا و أنهما
قريبتان من مديرية الشرطة و أنهما ملك للدولة . و أصر
العرب على البقاء بدعوى أن العمارتين من أملاك الشيخ خزعل
أمير عربستان و قد اغتصبتا و مبنى مديرية الشرطة أيضا في
زمن أسرة البهلوي . تصاعدت المهاترات, وبلغت أشدها مما حدى
بالشيخ الخاقاني أن يعلن للسلطة تهديدا بالخروج من البلاد
إذا لم تضع حدا لهذا الوضع المتردي , و قد قوبل تهديده
بالاهتمام من قبل المسئولين فطارت برقية من أية الله
طالقاني و أخرى من بازركان و ثالثة من خميني و رابعة من
أية الله شريعتمداري يطلبون منه المكث و استمرار الجهاد
قائلين له "ولا تكن كصاحب الحوت"
زيارة خميني
صمم أية الله الخاقاني على زيارة الخميني
في مدينة "قم" للتباحث في شؤون إيران عموما و المنطقة
خصوصا على راس وفد يضم جميع زعماء القبائل العربية و رؤساء
العشائر في منطقة عربستان ليمثلوا طوائفهم , و تحرك القطار
بالمئات من العرب في 24/6/79 عدى من سبقهم بالسيارات إلى
"قم" حيث شكلوا للشيخ استقبالا حافلا,غير أن أجهزة الإعلام
لم تشترك في نشر الأحداث و لم تشر إليها .
و مضت ثلاثة أيام و لم يأت الخميني لزيارة
الشيخ حسب المتعارف و استغرب الوفد العربي ذلك , فأوهموهم
بان العرف الفارسي يفترض أن يبدأ الشيخ بمقابلة الخميني
ليقدم له التعزية بوفاة ولده السيد مصطفى و أن المصاب
الفاقد يزار قبل أن يزور, و الذي ينقض هذه القاعدة أن
أجهزة الإعلام قد نشرت زيارة الخميني للشيخ محمد الشيرازي
الذي أقام في قم أخيرا بعد أن أقصي من مقره في الكويت اثر
تحركات اتهم بها, و مع ذلك فقد صمم الشيخ و الوفد المرافق
له على أن يبدأ بالزيارة لتقديم التعزية و التفاوض, و تم
اللقاء بين الزعيمين سرا , وأراد الخلخالي أن يتدخل و
يشترك فقال له أية الله الخاقاني أن كنت تؤمن بالله و
اليوم الأخر فاني لا أبيح لك البقاء معنا فخرج . و قام
الخميني في اليوم الثاني بزيارة الشيخ أعلن أثرها لوكالات
الأنباء و الصحف أن التفاوض مع الخميني كان على تسع نقاط
تم الاتفاق على ثمان منها كان من ضمنها ضمان حقوق العرب, و
أن قلة وجود الرجال يجبرنا على إبقاء المدني محافظا لمنطقة
خوزستان (الأحواز).
تجدد الإضطرابات
في اليوم الثاني لوصول أية الله الخاقاني
إلى قم وصلت إليه الأنباء يتجدد الإضطرابات في المنطقة, و
أن العرب قد تحصنوا في المنطقة احتجاجا على طلب الحكومة و
أعضاء "المركز العسكري" بإخلاء العمارتين التابعتين
للمنظمة السياسية العربية و المركز الثقافي العربي , و أن
الفرس متحصنين أيضا احتجاجا على بقاء العرب في المنظمة.
أرسل الشيخ أخاه عيسى الخاقاني و هو من
علماء المسلمين في دولة قطر في الثلاثينيات من عمره, و كان
قد وصل إلى قم يوم وصول أخيه إليها _أرسله إلى المحمرة
_بعد أن زوده بنداء ألقاء في مجلة أمام الوفد لأعضاء
المنظمة و المركز يأمرهم بالخروج منها و يحكم عليهم شرعا
باخلائهما لانهما ملك الآخرين و صرح أن الحكومة أيضا ليس
لها الحق في المكانين. و رأيت هنا أن أتوجه إلى المحمرة
لاتابع الأحداث عن قرب بعد مجيء الخليفة الجديد الذي علمت
انه كان غائبا عن البلاد بضع سنين, و هو يشغل منصبا دينيا
كبيرا في الخليج العربي و كان قد زار الخميني مع وفد يضم
أكثر من ثمانين شخصا قبل شهرين من زيارته الأخيرة التي
كانت برغبة من أخيه أية الله.
كان الأهالي يترقبون مجيء الشيخ عيسى بعدما
وزع منشور من مكتب أية الله الخاقاني, و كان أية الله
الخاقاني قد اعلم السلطة المحلية بذلك و عند وصوله بالقطار
كانت (الهوسات) العربية تتعالى من المستقبلين و هم يهتفون
بلهجتهم "عزنه و هيبتنه الخاقاني"
.
و في مجتمع حاشد في مسجد الإمام الصادق
ألقيت خطابات من قبل العرب المتحمسين , ثم اختتم الحفل
بخطاب الشيخ عيسى أبان فيه أن الجمهورية الإسلامية كفيلة
بضمان الحقوق المشروعة لكل أفراد الشعب و أوصى الجماهير
المحتشدة بان لا يعتمدوا على أعصابهم و إلا تأخذهم
الأحاسيس و العواطف و حذرهم من ألاعيب الاستعمار الذي يريد
إثارة الفتن و إشعال نار الطائفية....
و الحق أن خطابات هذا الشباب البليغ مدة
بقاءه في المحمرة كانت تحوم حول الاتحاد و تهدئة الوضع, و
رفع الشحناء بحيث كان لها الأثر في إخماد نار الفتنة إلى
حد ما و قد زاد المتحصنين العرب و المتحصنين الفرس و نادى
بالتكاتف و الشعور بالمسؤولية و يبدو من خلال خطاباته
المتواصلة النقد اللاذع للجهات الدينية في المنطقة فهو
يتهمهم بالغفلة عن التربية الصحيحة للنش و الأفراد بحيث
أنهم فقدوا المناعة تجاه هذا الجرثوم الفتاك.
اجتمع به في الليلة الثانية أعضاء الحكومة
بعد أن استمع إلى مطاليب العرب و خرج بنتيجة و هي إخلاء
المبنيين إلى مكان أخر تهيأه الحكومة و تتعهد بتكاليفه و
إيجاره لمدة سنة . و أعلن عن مجيء أية الله الخاقاني إلى
المحمرة يوم 4/7/79 و تأخر القطار ساعة في الجبال لوصول
أنباء عن لغم في السكك الحديدية, و ساعتين في الأحواز
للحشد البشري الغريب الذي جاء لاستقبال الشيخ في المحطة .
و قد ألقى الشيخ فيهم خطابا طمأنهم به
كخطابه الذي ألقاه في المسجد عند وصوله عصر الاثنين.
و في عصر الثلاثاء 5/7/79 اجتمع بالزعماء و
شيوخ القبائل العربية و ذكر لهم أن المصلحة تقتضي خروج
الشباب من العمارتين المعهودتين, فامتثلوا لأوامره و تم
الاتفاق على الإخلاء يوم الأربعاء (غدا 6/7/) و في الخميس
يتوجه الشيخ ليسلم المفاتيح.
و وصل (مدني) محافظ المنطقة إلى المحمرة
قادما من الأحواز و في مساء الأربعاء بعث أية الله
الخاقاني إليه أخاه عيسى و اثنان من رجال الدين و مدير
البلدية ليطلعوه على اتفاق الخروج, و لكنه جابههم بان
العرب يجب أن يخرجوا غدا لا بعد غد , و بعد حوار ساخن مع
الشيخ عيسى اقتنع ولكنه اعترف بأنه يواجه ضغطا من الفرس, و
قال له عيسى "أمل إلا يكون بصحيفة أعمالك قطرة دم من
إخوانك" وتم الاتفاق على أن تمنع المسيرات العربية و
الفارسية التي كان من المقرر أن تتم يوم الأربعاء و في يوم
الخميس يتم الخروج.
خرج الشيخ عيسى في الثانية من منتصف الليل
, الأربعاء , مبتهجا باتفاق السلام و هو لا يعلم أن
اجتماعا مضادا أخر قد تم مع بعض الزعماء العرب مثل عبد
العزيز الفاضلي و عبد الرحمن الكعبي, و داوود بن سليمان
الربيعي و مكي الفيصلي و حسين بحراني و رجال الدين سيد على
بن محمد على سيد عدنان, و عمه سيد شبر ابن سيد عدنان من
العرب و سيد محمد تقي الموسوي و شيخ عبدالله محمدي من
العجم, بينوا لهم أن الإخلاء بأمر الخاقاني يشكل نقطة ضعف
لهم و للحكومة , فإخراجهم الليلة حتمي و لابد من ضربهم
فامتنع مكي عن الإمضاء و كذلك سيد شبر.
و في الثالثة و النصف من صباح الأربعاء
5/7/79 تم الهجوم على المنظمة و المركز الثقافي و على
مناطق أخرى خصوصا بيت الفيصلي و أصبحت المنطقة نارا لاهبة,
و اشتركت الدبابات و الزوارق الحربية و انتشر الملثمون في
كل الأماكن , و من المؤسف أن نشاهد قسوة كهذه إذ كانوا
يقتلون كل من يجدون من العرب.
أردت الذهاب إلى بيت أية الله الخاقاني فلم
أوفق لخطورة الموقف و حاولت الاتصال هاتفيا فلم يكن هناك
هاتف. و حتى يوم الجمعة بلغت
الضحايا ما يقارب المائتان , أما الجرحى فقد اكتظت بهم
أربع مستشفيات. و الذي يثير العجب من تخطيط الشيخ
الخاقاني أن توافدت إليه وفود من رجال العرب من أقطار
المنطقة
قائلين "لا تصبر على ذل" فيقول "لا تضربوا أحدا و لا
تحملوا السلاح" و لا ادري هل كان الدفاع عن النفس أيضا لا
يجوز في اجتهاده؟
كان الخاقاني متعقلا جدا حيث قوبل من
الجهات العليا و كبار المسؤولين في الدولة بان عمل
(المدني) محمول على الصحة و اعتبر ذلك تحديا سافرا و
تثبيتا ضده خاصة و ضد عرب المنطقة عامة.
وللحديث بقية...
|