حوادث(ثورة) المحمرة
الجزء :(4)

بقلم : الدكتورعمرابوزلام 

اتجه الخاقاني بعد أن يئس من الإعلام الداخلي إلى الجهات السياسية و الأحزاب و الهيئات العلمية و طلب منها إرسال وفود لتقصي الحقائق . و اعتصم العرب في مسجد الإمام الصادق بالالوف و استمر اعتصامهم مدة أسبوعين, و بدت المسيرات رافعة أعلامها , نساء و رجالا من المنطقة كلها, و توافد الشيوخ و زعماء القبائل و قدمت الوفود السياسية من طهران , منها جمعية حقوق الإنسان و سائر الأحزاب , و تكهرب الجو و أحيط و تصرفه سياسيا و إعلاميا, و هرب كثير من الأعاجم من المحمرة و غصت السجون بالعرب و أعلن المعتصمون إدانة المدني و زمرته و طالبوا بمحاكمته و بالإفراج عن السجناء و ما إلى ذلك.

و رجعت الوفود السياسية بإدانة المدني على الجريمة النكراء التي ارتكبها في حق المواطنين العرب و ذهب المدني إلى طهران و قم و عاد معلنا التوبة.

 

اتفاقية الخاقاني و مدني 

كان الرعب مهيمنا على الأميرال مدني عندما دخل على أية الله الخاقاني مع جملة من العلماء بعد أن رأي الشيخ بإلحاح من السيد "اليأس" احد علماء الدين المقربين ليه, و اختتم المجلس على اتفاقية موقعة من الجانبين نشرتها أجهزة الإعلام في اليوم التالي . و هي تنص على إدانة المسببين لهذه الحرب و محاكمة القاتلين و إدانتهم و تسليم دية المقتتلون لذويهم, و تعهد أرامل الشهداء و يتاماهم حتى يبلغوا سن الرشد القانوني و الشرعي . و العمل الجدي على تعمير البلاد ...الخ . و تكررت زيارته للشيخ و كان يقول له " أن من محاسن ديننا انه يقبل التوبة"  . و اتصل هاتفيا بعلوي القائمقام " أريد أن أتعشى عند أية الله لأكون رهن الملح لديه" و عقد الشيخ عيسى الخاقاني اخو أية الله الخاقاني مؤتمرا صحفيا شرح فيه سعيه الجاد لإصلاح ذات البين و أجاب على بعض الإشاعات الغير صحيحة و المغرضة, و ما ينشر في الصحف من أكاذيب و تضليل وافق مع حرس الثورة و القائمقام على القيام بخدمات للشعب المنكوب و تم اجتماع مع موظفي الدولة و المسؤولين في مبنى القائمقامية في المحمرة, من اجل إيجاد الطب الوقائي لأهل القرى و تسهيل المواصلات, و بناء مدارس جديدة و مد أنابيب المياه و إيصال الكهرباء و الهاتف لهم و توزيع المواد الغذائية الأولية أليهم و تكوين جماعة من العرب في مراكز الحدود لمساعدة الدرك و إعداد آخرين في حرس الثورة و تسجيل ألف عامل منهم في مشاريع عمرانية أهمها إيجاد جسر جديد في وسط البلد , و تأسيس مركز ثقافي عربي إسلامي يقوم بنشر الثقافة العامة و الإسلامية و تدريس اللغات, العربية و الفارسية و الإنجليزية و صدر مرسوم من القائمقام علوي بأمر الأميرال مدني بمساندة هذا المركز الجديد ماديا و معنويا و ستبدأ الحكومة "باسم المركز" بطبع جميع مؤلفات أية الله الخاقاني المطبوعة منها و غير المطبوعة و نشرها بالمجان و توزيعها على كبريات المكاتب في الداخل و الخارج.

و على اثر ذلك سافر الشيخ عيسى الخاقاني إلى طهران و قم ليطلع المسؤولين و الإمام على أخر التطورات و ما ينبغي اتخاذه و أجراؤه في المنطقة لتعود إلى السلام من جديد. و اجتمع برئيس الوزراء و وزير الداخلية و وزير الخارجية و بالمدعي العام لقيادة الثورة و برئيس مجلس قيادة الثورة و الخميني في مدينة قم, و نشرت الصحف هذه المحادثات و كان أهم ما فيها معاملة عرب المنطقة باللطيف لا بالعنف و إعادة الإذاعة العربية في عبادان و الاحواز كالسابق و مشاركة العرب في مجلس الخبراء و رفع الرقابة عن أخبار المنطقة و إرسال خطباء عرب إلى الجامعة الإسلامية في قم في شهر رمضان المبارك للدعوة الإسلامية.

 

اعتداء الخلخالي

عاد الشيخ عيسى الخاقاني و بقيت الأنظار تترقبه و لم ينجز أي شئ مما وعد. و إذا بوكالات الأنباء في الداخل و الخارج تنشر تصريحا غريبا من الخلخالي يهدد فيه أية الله الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني بالقتل كمظهر من مظاهر الإنسان الثوري, أحدث هذا التصريح ردود فعل عنيفة و استمرت المسيرات بعشرات الالوف من العرب في المناطق العربية تطلب إدانة الخلخالي و إيقافه عند حده... و توافدت وكالات الأنباء و الصحفيون من أوروبا و أمريكا إلى المحمرة لمقابلة الزعيم الديني الكبير في المنطقة و جاء مندوب مجلة فردوس و اشوسيتد برس التي نشرت مقالة الخلخالي . و تفجر الوضع, و علت صرخات المطالبين بإنجاز الاتفاقية و كثرت الاتصالات و استعملت الحكومة نهج تجريد العرب من السلاح و اتهمت العراق بالتدخل و التسليح و اتهمت الفلسطينيين بإيجاد القلاقل و صرح مدني بان جورج حبش دخل المنطقة من الفلاحية (الدورق)وان عناصر بعثية و شيوعية تعمل بنشاط و أنهم يريدون الانفصال و أعلن أية الله الخاقاني أن مدني لم يف بالعهد و لم ينفذ بنود الاتفاقية و أن هذا التصرف ليس إسلاميا و هو يجر المنطقة إلى ويلات.

 

المدني و زعماء القبائل

بعد أن رجع المدني من قم و طهران بمئة و عشرون مليون تومانا من اجل الإصلاح و العمران و توجه إلى الدورق حيث عشائر كعب, رفع أهلها الأحذية أمام وجهه, و عند رجوعه إلى الاحواز نضم عرضا عسكريا دعى إليه جميع رؤساء و شيوخ العشائر و كثف نشاطه بالارتباط بهم و استولى على أسلحتهم بالشراء تارة و بالهبة تارة أخرى , و قد بايعه كثير منهم متناسيا انه قد بايع أية الله الخاقاني زعيما دينيا و قائدا, و كان إذا جاء إلى المحمرة يزور علماءها الصغار كسيد علي بن سيد محمد علي و عمره في العشرينيات و المعروفين بعضويتهم في السافاك كسيد شبر عدناني , و لا يتصل بالإمام الخاقاني , و أصدر أوامره بتمشيط المنطقة و في أربعين الشهداء خرجت المظاهرات بعشرات الالوف تدين مدني و تصرفاته العنيفة الفاشية مع المواطنين العرب, و تجمعوا في المسجد و قرؤوا منشورا بمطاليبهم أهم ما جاء به إلغاء اتفاقية الخاقاني و المدني لأنها لم تطبق .

و في اليوم الثاني 15 شعبان 79 كانت المسيرة أضخم و اخطر و سالت الشيخ عيسى الخاقاني و كان يطوف حول المسيرة "بلغني أن عناصر اندست بين المتظاهرين تريد هدم السجن و تفجير بعض الدوائر فخرجت للمحافظة على الأمن و لئلا يقع شئ من ذلك.

 

تفجير الوضع

 

كانت الانفجاريات تدوي في عبادان و الاحواز و المحمرة و نواحيها بعد قمع الحرس مظاهرة سلمية خرجت يوم 16 شعبان 79 بمناسبة أربعين يوما على شهداء عبادان فانفجرت أنابيب النفط و الغاز في الاحواز و قتل احد أفراد حرس الثورة إثناء هجومهم على بعض البيوت ليلا و قد شيع تشييعا رسميا وسط مظاهرات معادية للعرب و في اليوم الثالث من الحادث خرجت مسيرة في المحمرة من قبل الفرس و أمامهم رجال الدين "سيد شبر " و سيد عبدالله محمدي, و سيد موسوي و أعضاء الحكومة , و دخلوا المسجد الجامع , فانفجرت هناك قنبلة قتلت سبعة أشخاص و جرح آخرون... فتوجه الحرس توا و بدون مقدمة إلى دار أية الله الخاقاني و حاصروه و قتلوا حرسه و هجموا على غرفته و أطلقوا الرصاص عليه فتفاداه رجلان مات احدهما و جرح الأخر و فتشوا الدار و اخذوا جميع من فيها من دراهم وحلي, و تركوا النساء في غرفة مع الشيخ حتى الليل ثم اخذوا حرم الشيخ و أطفاله إلى سجن (فتح) بقصد إرهابهم و قتلوا أمامهم ثلاثة أشخاص من العرب ثم أرجعوهم . و في الصباح اخذ أية الله الخاقاني إلى جهة غير معلومة مع أهل بيته و أعلنت الصحف أنهم وجدوا أسلحة في بيته . و هذه الأسلحة تعود إلى حرسه الذين كانوا يتناوبون كل ليلة للمحافظة على حياته . و تمت إعدامات كثيرة تلك الليلة و استمرت حتى ألان حتى لم يبق من أنصار الخاقاني و المخلصين له إلا و تم سجنه أو إعدامه و كان المدني قد ترك الشيخ الخاقاني و أسرته في منطقة الاحواز ثم شخص به إلى قم مخفورا حتى هذا اليوم, حيث لا يدخل عليه احد حتى المراجع و رجال الدين و قد احتل بيته و مدرسته, و أما غصت السجون و المدارس للعرب جعلوا الدار و ملحقاتها سجنا للعرب البؤساء .

و مر العيد حزينا في المنطقة خصوصا في المحمرة......

عيد قد كسي بالسواد, و قوبل بالحداد...

النفوس كسيرة, حزينة, في كل بيت ناع و نادب, كانت وليمة المدني لشيوخ العشائر في الاحواز لها أثرها في نفوسهم, قطعت منهم شرايين الإحساس.

 

بيان أية الله الخاقاني

 

كررت الإذاعة الحكومية في طهران و الاحواز بيانا لأية الله آل شبير الخاقاني ليعلن فيه مساندته للخميني و يأمر الناس إلا يضيعوا متاعبه,وانه إنما جاء إلى قم من اجل التدريس في جامعاتها , فقها و أصولا و فلسفة, و انه ليس مخفورا و لا مراقبا كما تدعي بعض الصحف و الإذاعات.

كان غريبا من نوعه, أثار أكثر من علامة استفهام......

تركت المحمرة الحزينة و توجهت إلى مدينة قم عسى أن يكون قد رفع الحصار عن الشيخ و لكني فوجئت بالواقع, أن الشيخ و عائلته في بيت في محلة اسمها (ورشهر) في قم لايمكن الدخول إليه وبقيت عدة أيام أتابع الوضع المتردي في كردستان الذي فتح  ثغرة أخرى أمام الحكومة و القائد الأعلى للقوات المسلحة.

الخميني الذي راح ولده احمد يهدد الخاقاني باعتقال نساءه و بيته و بقية عياله أن هو لم يهاجم بعض الدول المجاورة . و يصر على انه في حرية و هدوء بال.

و عسى أن يأتي وقت يتوجه فيه الخميني إلى ما يصدر من (مكتبه) من أعمال!!!

 

تنويه:علما أن هذه الصفحات كتبت والإمام الخاقاني حي يرزق وبقي الخاقاني تحت الإقامة الجبرية حتى عام 1985 حيث توفي في مدينة قم غريبا وحيدا. وقد منع تشيع جثمانه كما يشيع مراجع الدين ودفن في قم.

 

 

حقوق النشر محفوظة لـ