بسم الله الرحمن الرحيم
كيف نكتب تاريخ الحركة الوطنية للشعب العربي الأحوازي(2-4)
بقلم : علي جمال الخالدي

الحركة الوطنية الأحوازية كانت و ما زالت مستمرة في نضالها الوطني وتعود بداية انطلاقتها للحقبة التاريخية الحديثة والمعاصرة كحركة دفاعية عن أمنها و استقلالها يوم كانت تتمتع بسيادة وطنية و نظامها الخاص بها منذ أواخر القرن التاسع عشر حيث أمرائها وشعبها خاضوا معارك و نزاعات عديدة و صدوا هجمات مختلفة من القبائل الفارسية المدعومة من النظام القاجاري  في طهران و أخرى من القبائل العربية المدعومة من العثمانيين في بغداد بالنيابة عن سلطانهم في اسطنبول وتنفض هذه النزاعات و المعارك عن طريق التوصل إلى معاهدات و اتفاقيات تضمن لكل طرف حقه برعاية إنكليزية و التي كانت مسيطرة على المنطقة بشكل شامل و منذ قرون (وباعتبار إقليم الأحواز يقع في موقع جغرافي حساس و ستراتيجي في المنطقة و يمتلك ثروة نفطية و غازية هائلة في باطن تربته و أخرى مائية و زراعية و حيوانية  متنوعة على سطحها  لذلك تكالبت عليها قوى الشر من الاستعمار الدولي القادم عبر القارات والبحاروالإقليمي القادم من خلف الجبال و صعود نجم أميرها الشيخ خزعل على المسرح الدولي بعلاقات متميزة مع أكثر الدول منافسة لبريطانيا بل إضافة إلى أنه كان يتمتع بثقافات عصرية وتقليدية مميزة و يتقن ثلاث لغات متداولة بين شعوب المنطقة أي العربية و الفارسية بل إضافة إلى لغة العصر آنذاك و مازالت، الإنجليزية و نشاطاته الحثيثة في فض النزاعات الإقليمية و دعمه لحركات التحرر و مقارعة الاستعمار ومعارضته الصريحة لمشاريعها مثل معاهدة سايس- بيكو  ووعد بلفور وكان الأمير العربي يطمح بتأسيس دولة عربية عصرية كبرى  يمكن أن تكون ندا للإنجليز وتضع حدا لهيمنتهم و منافستهم في المنطقة  على المدى  البعيد-خاصة و إن الأمير ابن المنطقة و حاكمها عرفيا و شرعيا و سليل أسرة لها دور تاريخي موروث و فاعل في التكوين الاجتماعي و الديمغرافي و الاقتصادي و السياسي العام .

(و كانت مخاوف بريطانيا من نشاطات هذا الأمير قد ازدادت بسبب إسناده لثورة العشرين في العراق و دعوته العرب للوحدة و مواجهة ظروف السيطرة الأجنبية ) و ذلك زاد من التوجس و الخشية البريطانية مما دفعها للتخطيط و الاتفاق مع رضا خان في إيران و حليفها بالتصدي للتمدد السوفيتي القوة الجديدة الناشئة و الطامحة للنفوذ  في المياه الدافئة جنوبا أن يكمل زحفه باجتياح الإمارة العربية في المحمرة و التي كانت بمثابة النواة الأولى لدولة عربية كبرى و تكون بريطانيا بتنفيذ هذا المخطط قد ضربت عصفورين بحجر واحد ؛الأول التخلص من خطر داهم من المنطقة متمثل بقوة الشيخ خز عل و إمارته و الثاني بناء سور واقي يفصل بينها و بين القوة السوفيتية الضخمة آنذاك و بموجب هذا المخطط تقدمت الجيوش الغازية باتجاه الأحواز و احتلت مدينتي دزفول و تستر عام 1924 م وفي نفس الوقت عملت بريطانيا على منع الشيخ التصدي للقوات الغازية و الاكتفاء بتقديم شكوى إلى عصبة الأمم و التي كانت لا تملك أي صلاحية أو إمكانية إلى صد عدوان من هذا النوع و بالتالي واصل رضا خان باجتياح المدن الواحدة تلو الأخرى حتى اقتحم مدينة المحمرة المعقل الرئيسي للأمارة آنذاك بالتآمر و الدعم الإنجليزي البين و بالتحريض و التواطؤ من الحوزة في النجف الأشرف و بصمت من الجوار الإقليمي و لاعتبارات معروفة إما  خوفا على مصالحهم الذاتية أو تلبية لرغبة السيدة العظمى بريطانيا أو بإيحاء منها بتعاظم قوة خزعل و عدم السيطرة عليه مستقبلا و في نهاية المطاف سقطت الأمارة سياسيا و قوّضت سيادتها الوطنية و أسر أميرها الشيخ خزعل في نيسان عام 1925م و قتل خنقا في عام 1936م و بدأت مأساة الشعب العربي الأحوازي مع الاحتلال و الظلم و الاضطهاد بكل أنواعه و تعسفه لكن الشعب لم يمتثل لهذا الاحتلال و لم يسلم به قطعيا حيث أن أكثر حرس البلاط الأميري للشيخ خزعل و المسلحين لرجال القبائل العربية لم يسلموا أسلحتهم أو أخفوها في وقتها و بقي الشعب صامدا متماسكا محافظا على نظامه العشائري العربي و أبى الاندماج مع المحتلين و العوامل التي كانت ومازالت تساعده و تسنده في الصمود ضد الاحتلال عديدة أهمها تاريخ الصراع و الخصومة المستمرة مع الفرس و المقومات الأخرى من لغة و ثقافة و البيئة الجغرافية الخاصة للعرب و النظام الاجتماعي و العادات و التقاليد العربية الموروثة من القدم وقفت حائلا بوجه المحتلين و صعب عليهم أن يتخطوها بالإضافة إلي إجراءاتهم و مقرراتهم و ما فيها من ظلم و تعسف بحق الإنسان العربي و إنكار وجوده على أرضه تاريخيا و جغرافيا و تغييرها  للأسماء أو تحريفها أو إهمالها للمعالم الأثرية و نسبها للفرس أو فرض اللغة الفارسية على الشعب العربي الأحوازي قبل تفريسها إياه مما جعل هذا الإنسان المغلوب على أمره اخرسا اطرشا إزاء هذه اللغة و أسير واقع لا يمت له بصلة في ماضيه و صعب عليه السير قدما نحو المستقبل و هو مقتنع سلفا سوف يكون مظلما و لذلك شرع العرب بالثورات العشائرية و التي كانت أسبابها المباشرة رفض تسليم السلاح المحتفظ به و كان أيامها يسمى (الذخر) أو رفض الزي الفارسي القديم منه و الحديث و عدم تسليم الضرائب إلى المحتل و غير ذلك و لأسباب غير مباشرة عدم الإذعان  للاحتلال أو الإقرار به شرعا أو الامتثال لإجراءاته المخالفة للشرائع السماوية و الوضعية .

و في المنعطف التاريخي العام بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و تأسيس هيئة الأمم المتحدة و المنظمات التابعة لها و المنظمات الإقليمية  و خاصة الجامعة العربية و باعتبار هذه الجامعة الوعاء الرسمي الذي يضم جميع العرب دولا و أقاليم و معنية و مسؤولة عن حقوقهم و شوؤنهم تجاه الشرعية الدولية الجديدة أخذ كبار شيوخ العرب الأحوازيين بمكاتبة هذه الجامعة بعد تأسيسها و شرح أحوالهم و المعانات و الظلم الذي لحق بهم بعد الاحتلال في مذكرتهم الأولى بتاريخ 7.2.1946 م (نحن إذ نرفع لجامعة الدول العربية الموقرة صرختنا هذه إنما نرفعها بحكم اتصالنا بها اتصال الجنس و اللغة و التقاليد و بالتالي الاتصال التاريخي الأخوي فعليه نسترحم من الجامعة العربية الممثلة لدول العرب المستقلة التي يتوقف عليها أمل العرب المنشود في كل بقعة أن تستعمل نفوذها لدى المراجع المسؤولة لمؤازرتنا للحصول على وضع تحقيق آمالنا القومية و حقوقنا الشرعية ) و هذه المذكرة و المذكرات الأخرى التي تلتها نشرت في معظم الجرائد و المجلات العربية الرئيسية و أثارت نقمة من الشعوب العربية و طلائعها الثائرة ضد النظام الإيراني آنذاك مما أجبر هذا النظام و كعادته إلي إرسال هيئات للإقليم للتحقيق و اعتقال بعض المشايخ و سجنهم ممن شاركوا بتوقيع هذه المذكرات و إجبار بعضهم إلى أن يتنازلوا عن مثل هذا العمل أو يتصلوا بجهات أجنبية كما يدعون و لملمة الموضوع و التكتم عليه داخل الأحواز و خارجها و أيضا هذا لم يثن طلائع الشعب العربي الأحوازي بمواصلة رفضهم للاحتلال و البحث عن طرق تخلصهم منه و بدءوا بتحرك وطني سياسي شامل بتشكيل أحزاب و تجمعات وطنية منها مثلا حزب السعادة و حزب بلاد عيلام العربية و اتحاد عشائر الأحواز و المحمرة و غيرهما بالإضافة إلي أحزاب و حركات وطنية أخرى و التي جاءت انعكاسا للحركة الوطنية العربية الشاملة و الإقليمية في الوطن العربي مثل جبهة تحرير عربستان و الجبهة القومية العربية لتحرير عربستان في الخمسينات و الستينات من القرن الماضي و نتيجة لقسوة النظام و الفتك بقيادات هذه التنظيمات بعد كشفها و قتل و إعدام و سجن قياداتها و فر من استطاع إلي خارج الإقليم و خاصة القطر العراقي الشقيق و دولة الكويت و بعد تجمع لشتات هذه الأفراد في العراق بعد ما أتيحت لهم ظروف الدعم و المساعدة من القيادة العراقية الجديدة في بداية السبعينات من القرن الماضي و تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير الأحواز و تمكينها من قيادة النضال الوطني الأحوازي طيلة عقد السبعينات و حتى قيام ثورة الشعوب بما يسمى إيران اليوم و قيام قيادة هذه الجبهة بالانضمام إلى التجمع الوطني و الديني العام بقيادة المرحوم الشيخ محمد طاهر شبير الخاقاني و مطالبته بالقيادة الدينية و الحكومة الانتقالية في قم و طهران بمستحقات الشعب العربي الأحوازي بعد قيامه بالإطاحة بالنظام الملكي البائد لكن تلك القيادات لم تصغ و لم تستجب لهذه المطالب مما جعل الوفد العربي الأحوازي يرجع بخفي حنين و القيادات الإيرانية لم تكتف بذلك و هاجمت مدينة المحمرة باعتبارها المقر الرئيسي للتجمع الوطني العربي الأحوازي و سقط نتيجة هذا الهجوم البربري العديد من أبناء هذه الحركة بين شهيد و جريح و أسير و حتى شيخنا الكبير الشيخ شبير اعتقل و سيق مخفورا إلى قم و عرف هذا الهجوم في تاريخ الحركة الوطنية الأحوازية  بيوم الأربعاء الأسود و عادت الحركة الوطنية ثانية بالمقاومة و تحدي الاحتلال انطلاقا من تشكيلاتها التي أسست و نظمت بقيادة الجبهة العربية لتحرير الأحواز و أتمنى على الإخوة العاملين في هذه الجبهة و المشاركين في نضالها بالمقاومة و التحرير شرح ما جرى من أحداث بأنفسهم خدمة للمصلحة الوطنية و الصدق و الأمانة بقول الحقيقة مهما تحمل بطياتها من مرارة و تعزيزا لمصداقية الرسالة التاريخية من الباحثين و الدارسين و الله الموفق للجميع. 

للحديث بقية....

 

 

حقوق النشر محفوظة لـ