التحليل الاسبوعى

زيارة روحاني للعراق .. إستعراض مفضوح ووعود كاذبة

القراءة السريعة غير العميقة للأحداث، بالتأكيد سوف تعطي تصورات سطحية لفهم أي فعل سياسي، وتوقع نتائج مغلوطة في الواقع العملي.
هذا بالضبط ما يظهر في الآراء التي تتناول جدوى الإجراءات الأمريكية لمحاصرة الدولة الفارسية إقتصادياً، والتي توجت بتشكيل حلف دولي في مؤتمر وارسوا، لمواجهة الإرهاب الإيراني حول العالم.

يأخذ أصحاب هذه الآراء، على ضعف نتائج إجراءات الحصار الأمريكي – الدولي، على النظام الإيراني، وبطء تأثيراتها الفعلية على الواقع السياسي الاقتصادي في إيران. ربما أخذت الحيرة التي تبدو في هذه الآراء مبررها، من الفعل السياسي الإيراني الذي يضطر إلى أدائه لإرسال رسائل سياسية للداخل والخارج للتخفيف من وطأة الحصار عليه، بإظهار ما ليس فيه، وإخفاء ما لحق به من أضرار سياسية واقتصادية من الحصار. وأبرز هذا الأداء السياسي لإيران، تمثل في زيارة روحاني مؤخراً إلى العراق. وربما أتت الحيرة أقوى إذا ما نظرنا إلى حجم الملفات التي أُعْلِنَ عن مناقشتها خلال هذه الزيارة، فضلاً عن حجم الاتفاقيات التي وقعت بين الطرفين.

هناك من يرى أن زيارة روحاني إلى العراق لا يبدو لها من أهمية، سوى كونها زيارة استعراضية لرئيس دولة يواجه حصار اقتصادي وسياسي دولي .. زيارة تأتي لتبديد صورة إيران التي أصبحت حقيقة بعد أن حوصرت وأصبحت منبوذة دولياً، وخسرت أهم مكاسبها في سوريا، وبعد أن إحتدَّ الخلاف بينها وحليفتها روسيا، وبعد التأثيرات الكارثية للحصار الدولي على الأوضاع الاقتصادية في الداخل…إنها زيارة الفرصة الوحيدة ليعلن من خلالها: أنه لازال عنده أوراقٌ قوية يمكن اللعب بها، وأن إيران التي يرأسها وهي محاصرة، لازالت لديها القدرة على التأثير الإقليمي الذي يمكِّنها من حل مشاكلها الإقتصادية بحلول تعويضية في العراق أو غيره. إلا أن ما يرفع من قيمة هذه الزيارة هو أن النظام العراقي في المقابل مستعد أن يكون المنصة التي تنقل هذا الإستعراض للعالم، بل ومستعد أي (النظام العراقي) إلى تقديم أكثر من ذلك، حتى وإن استدعى الأمر تدمير وتحطيم اقتصاد العراق من أجل إنقاذ إيران من مأزقها.

هناك من يقرأ هذه الزيارة من زاوية أخرى، وهي التي تُرجح الاعتقاد القائل: أن إيران قد وصلت إلى مراحل متقدمة مع الولايات المتحدة الأميركية، وبدأت في إبداء مظاهر حسن النية والاستعداد للتعاون بتنفيذ ما تراه مقدمة لإرضاء إدارة ترامب، وذلك باتخاذ إجراءات من قبيل: تقليص دور الميليشيات الطائفية الموالية لها في العراق، وتقليل هيمنة النفوذ الإيراني على القرار السياسي والاقتصادي والأمني في العراق، إضافة إلى نقل ملف (الدولة العراقية) من الحرس الثوري إلى الخارجية الإيرانية، أي أن يكون جزءً من سياسة الحكومة، وليس ملفاً أمنياً تشرف عليه جهات أمنية عسكرية بقيادة الجنرال قاسم سليماني.

راعت حكومة روحاني أن تحيط الزيارة بزخم إعلامي دعائي كبير، لإبراز أهميتها كقوة إقليمية مؤثرة لا يمكن إلقائها أو تجاوزها. فوسعت من نطاق الزيارة لتشمل بالإضافة إلى لقاءات روحاني الرسمية بالقيادات السياسية، أدرجت أيضاً في برنامجها لقاءات أخرى بالقيادات الدينية والعشائرية، وقيادات التشكيلات الموالية لها في العراق… والجانب الأهم الذي روعي إبرازه من النتائج المعلنة للزيارة، كان الإهتمام الملفت لتسليط الضوء على حجم المشاريع الاقتصادية التي تم الإتفاق عليها بين الجانبين، والتأكيد على رغبة إيران على رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 10 مليار إلى 20 مليار دولار و مشاريع أخرى وتفاصيل كثيرة تثير التساؤلات حول دواعيها أكثر من تقبلها كإنجازات سترى النور مستقبلاً.

سبق هذه الزيارة حدث هام اعتبرناه في مقال سابق، بأنه مؤشر هام لتحولات قادمة في الأداء السياسي للدولة الفارسية في ظل الحصار، وهذا الحدث الهام هو إستقالة محمد جواد ظريف من منصبه كوزير للخارجية، والتي لم تكن إلا مناورة مدروسة لإحداث انقلاب في الهيكل السياسي التقليدي للدولة الفارسية، إلى شكل جديد يتناسب مع واقع الحصار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وإن كان التفسير الأنسب لهذا الإنقلاب هو حسم سياسي للصراع المحتدم بين أقطاب الحمائم والصقور في داخل النظام الإيراني.

إلا أن متطلبات الخروج من مأزق الحصار الدولي، أكبر من أن يتحمله الجناح الذي تصدَّر الواجهة (جناح روحاني) بمفرده. لذلك نرى أنه لا مفر من انحدار النظام الإيراني نحو الهاوية، لأن فواتير أخطائه على مدى أربعين عاماً، وأهداف الحصار المفروض عليه دولياً، ومتطلبات إحداث التحولات السياسية في المنطقة، لا تقبل المساومة بأنصاف الحلول. لا سيما وأن هدف أمريكا الآن ليس إيقاف التمدد الإيراني في المنطقة التي تعتبرها أمريكا حيوية لأمنها القومي، فهذا يمكن التوصل إليه عبر التفاوض بين الطرفين، ولكن هدفها بعد الحصار والخطوات التي اتخذتها لحشد الموقف الدولي ضد النظام الإيراني، هو اجتثاثه والقضاء على أسباب بقائه. لذلك فإن هذه الزيارة بما أحدثته من ضجيج ليست إلا عملية رفع السقف لمواجهة الضغوط الداخلية، بالإضافة إلى كونها رسالة تطمينية لحلفائها بأنها قوية وأنها لم تفقد تأثيرها كقوة إقليمية، بل هي في المقام الأول رسالة لخصومها بأن نفوذها الإقليمي أقوى من أن يتأثر بالحصار.

الهدف الاستعراضي من الزيارة قد تحقق، والتفاصيل التي تضمنتها الزيارة من وعود و مراسم توقيع الاتفاقيات الاقتصادية الضخمة، ليس لها في أغلبها أي معنى غير الدعاية للزيارة. لأن إيران لا يوجد لديها ما تقدمه للاقتصاد العراقي، وإذا وجد في الإتفاقيات ما هو قابل للتنفيذ، فسوف تكون تلك التي تخدم الجانب الإيراني في ظل الحصار، وليس للعراق فيها أي مصلحة، إنما على العكس، سوف تكرس إيران الإضرار بالإقتصاد العراقي

وتمادياً في الوعود الكاذبة يقول الجانب الإيراني، بأنهم سوف يعملون على رفع مستوى التبادل التجاري من 10 مليارات إلى 20 مليار دولار مع العراق. والحقيقة الواقعية التي لا يمكن تكذيبها، هي: لا وجود لأي تبادل تجاري بين البلدين، بل العراق يعتبر سوق استهلاكي للبضائع الإيرانية الفاسدة وغير الصحية… وأكثر من ذلك أن إيران تقطع عن العراق مياه الأنهار وتسبب في جفاف أراضيه وبساتينه، وفي المقابل تصدر للعراق المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية. وهذا ما تسميه بالتبادل التجاري

نتيجة للتحولات السياسية الظاهرة في إدارة الدور الإيراني في العراق، من المتوقع أن يشهد العراق في الفترة القريبة القادمة، انحسارا في دور الميليشيات والمسلحين الإيرانيين، والتخفيف من السيطرة الأمنية الإيرانية في العراق. واستبدال هذا الدور بدور سياسي واقتصادي، لا شك أنه سيضر باقتصاد العراق، ولكنه قطعاً سيكون أفضل من جيوش إيران الإجرامية. وسوف يكون تِبعاً لهذه التحولات أن الإسم المتداول إلى حين، هو جواد ظريف بدلاً من الجنرال سليماني.

 

حركة النضال العربي لتحرير الأحواز

16-03-2018

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *