آراء ومقالات

لغة الأم

سلسلة مذكرات الاسير السابق غازي مزهر، رقم ١٠

مقتطفات من مذكراتي في السجن

عندما كنت اُدرّس القرآن في سجن شيراز في القسم رقم ١ تعرفت على شابين في مقتبل العمر، أحدهما  محمد وهو شاب أسمر اللون بملامح عربية احوازية والآخر سجاد ابيض البشرة مع قليل من الإحمرار بملامح فارسية. بعد الإنتهاء من الصف اقترب الشابان مني و حاولا التعرف علي، فألقيا التحية والسلام وبدأ التعارف بيننا وانا توجهت بالكلام إلى محمد  وخاطبته هل انت عربي احوازي، حيث رد عليّ باللغة الفارسية، إن والديه عربيان من عشيرة البوفرحان في المحمرة وقد هاجرا إلى شيراز بسبب الحرب الإيرانية – العراقية عام  ١٩٨٠م وهو وُلِد في شيراز ولا يستطيع التكلم باللغة العربية. فقلت له هل كلا والديك عربیان ويتحدثان العربية؟ قال نعم إنهما يتكلمان فيما بينهما ومع أقاربهما في الأحواز باللغة العربية. ثم توجهت الى سجاد وخاطبته بالفارسية ولكنه رد عليّ باللهجة العربية البیضاء دون أن يخلط فيها كلمة فارسية واحدة وكذلك مخارج الحروف لديه كانت سليمة كما هي في تجويد القرآن، فتفاجئت من الأمر وسألته هل انت عربي؟ قال لا بل انا فارسي من مواليد شيراز. قلت له هل أحد والديك عربیا.ً أو کلاهما، قال لا، كلاهما فرس ومن مواليد شيراز أيضا. وهكذا زاد من استغرابي و ظننته انه يكذب، لهذا بإصرار طلبت منه أن يشرح لي قصته. فقال ان جده واخوته من مواليد العراق ولكنهم طردوا من هناك عام ١٩٧١م لأن ابوهم وامهم فارسيا الأصل من بلدات في أطراف شيراز.

يطلق على هولاء ” المعاودين ” وهم كثر، وان هذه الشريحة لم يكن بحوزتها الوثائق العثمانية للأحول المدنية والتي تثبت صحة إدعائهم على أنهم عراقيين منذ القدم، لذا أعيدوا إلى موطنهم الأصلي وهي مدينة شيراز وباقي المدن الإيرانية و بلغة أخرى طردوا من العراق . وبعد العودة الى شيراز وضع جدههم واخوته قانوناً للأسرة على أساسه تنظم علاقة الأسرة في مابينها وبين الغرباء فكان على أفراد العائلة التكلم باللغة العربية في البيت حصراً دون الخلط مع اللغة الفارسية وتوجه عقوبة لمن يتكلم او يستعمل مفردات فارسية، ولكن خارج المنزل وفي الشارع مع الغرباء يكون التواصل باللغة الفارسية. فعلى هذا وُلِد ونشأ والدي سجاد في شيراز في بداية السبعينات وهم من أصول فارسية في أسر تتكلم العربية بطلاقة واستمر الأمر إلى أن وصل الى احفادهم بما فيهم سجاد.

بعد أشهر تم الإفراج عن محمد وعندما جاء ليودعني اعطاني رقماً للتواصل معه، فطلبت منه أن يبلغ سلامي الى والديه وكان في نفسي عتاباً كثير لهما، ثم جائتني فكرة فكتبت على يده “سجنت من أجل الأحواز” وطلبت منه كي يريها لوالديه. وبعد مرور عدة ايام ومن باب الصدفة اتصلت به لتفقد أحواله وأخباره، وتفاجئت عندما وجدت أهله بإنتظار إتصالي منذ أيام، فعندما أعطى محمد النقال لوالده كلمني بعبارات فيها مديح لم استحقه حقاً لهذا لم اذكره هنا، وكان يتكلم من أعماق القلب وبإحساس وحرقة حيث أنه أدرك تماماً ما كتبته على يد ابنه ويعي ما قصدته، اذ انه كان من ثوار المحمرة وكان شاهداً على أحداث الأربعاء الأسود المؤلمة، وفي نهاية الحديث قال لي من اليوم فصاعداً اصبح لي بيتاً في شيراز وأخذ مني عهداً أن أخبره إن لزمني أي شيء، يوفره لي دون منةٍ وذلك من باب الواجب الوطني بحسب توصیفه؛ وانه سيتابع ملفي في المحاكم وأعلن عن إستعداده بتكليف محام على نفقته الخاصة او رهن وثيقة بيته لإطلاق سراحي بكفالة من السجن، کان یكلمني وكأنه وجد ابناً له فقده منذ سنين وكذلك كان لسان حال أم محمد عندما حدثتها فكانت عباراتها مفعمة بحنان الأمومة، وقد استمر تواصلي مع هذه الاسرة الكريمة لأيام طوال حيث لا يسع المجال هنا بالحديث عن ذلك، لكني لم انسى عتابي لهم حول عدم تمكن محمد من التكلم باللغة العربية وضياع هويته وقد شرحت لهم حالة سجاد كمثال مغاير لما فعلوه. وقد أثر النظام التعليمي والبيئة الفارسية في شيراز على ابنهم ولم ينتبها إلى خطأهما الا بعد فوات الأوان وقالا إن الكبار من أبنائهم و بناتهم يتحدثون باللغة العربية ولكن الأصغر سناً منهم مثل محمد الذين نشأوا في شيراز لم يتعلموا العربية.

«وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» صدق الله العظيم؛   ٢١٤/ الشعراء

هكذا عندما يأمر الله سبحانه تعالی سيدنا محمد بالبدأ بالدعوة لينطلق من أقاربه رغم أن رسالة الاسلام رسالة سماوية جاءت لكل البشرية لكنه بدأ من زوجته خديجة ام المؤمنين والشباب الذين کانوا في بيته کالإمام علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة ثم من عشيرة الأقربين وكما يسميها الأحوازیون بالـ”بيت”؛ فمن هنا تأتي أهمية دعوة الأقرباء والأهل لأي فكرة أو حركة تسعى لإثبات الوجود فالأسرة هي أساس المجتمع وهي اللبنة الأولى لبناء الدولة. فلا دولة بلا مجتمع واعٍ ولا مجتمع واع بلا أسرة واعية وأضيف عليها ليس هناك أسرة واعية إن لم يكن فيها فرد ناشط واع، فعلى هذه القاعدة أيها الناشط الأحوازي سيما في الداخل عليك بأن تبدأ من أهل بيتك الأقربين ومن ثم تنطلق للمجتمع واذا ما تمت هذه السلسة في أسر النشطاء وهم كثر فستتكون لدينا منظومة متكاملة من العوائل الواعية وبالتالي يكون لدينا مجتمع الواع.

أيها الناشط الأحوازي.. أهم مايجب أن ينشر ويرسخ في شخصية الفرد الأحوازي وفي الأسرة هي الهوية الإسلامية – العربية الى جانب الوطنية الأحوازية فإذاما بنيت الأسرة عليها صار لدينا ركيزة أساسية ننطلق منها نحو أهداف أخرى، اذ أن شعور الإنسان بالرضى عن الذات تغنيه عن الثقافات والهويات الدخيلة عليه وهذا ما يحتاجه الفرد والمجتمع الأحوازي ليستغني عما يُدس في نظام التعليم والتربية والذي يعتبر مشروع الإحتلال لهدم الهوية للشعوب والقوميات غير الفارسية. كما أن خطوة البدء من الأقربين تذلل الكثير من العقبات أمام عجلة التحرير لأن الشارع الأحوازي يعاني من ضعف التنظيم والإدارة ووسائل الإعلام لديه محدودة وغير متكافئة أمام ما يملكه العدو من ترسانة إعلامية، لذا على النشاط أن يبدأ من اللحظة بهذه الخطوة ولاينتظر الآخرين لأن الآخرين أيضا ينتظرونه!!

كتبت هذه السطور وانا اقترب من الذكرى الثالثة لخروجي من السجن في ٢٠١٦/١٠/٢٠

وفي هذه الفترة تعرفت على عدد كبير من المناضلين احوازيين  الكبار في الخارج لا استطيع نكران نضالهم، يخاطبون الشعب الأحوازي  ويقدمون له النصائح ولكن عندما سألت عن أسرهم وأبنائهم فكانت الإجابة مخيبة للآمال، فمنهم من انصهر في الثقافة الغربية ومنهم من انصهر بالثقافة الفارسية، حيث أن أبناءهم وفقاً لكل المقاييس لم يعودوا من الأحوازيين ولا حتى عرباً او مسلمين، منهم من تصاهر مع الفرس وهم في المهجر فاصبحوا يتكلمون الفارسية دون العربية ومنهم من يبعد أبنائه وأسرته عن القضية الأحوازية، وانشغلوا بحياتهم اليومية، فهؤلاء كأن النضال من أجل الوطن والقضية أصبح خطيئة ارتكبوها وهي تلاحقهم فيجنبون أبناءهم عنها، وفي نهاية المطاف يموتون ويأخذون معهم هذا الإرث تحت التراب بدل نقله لأجيال المستقبل، ليصبحوا من خبر كان . ما . وتاريخ القضية الأحوازية منذ بداية الإحتلال الى يومنا هذا حافل برموز من الثوار اللذين قضى أجلهم فلم نعد نرى لهم أثرا لا من الأبناء ولا من الأحفاد.

في الختام أقول لنضع آية «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» قاعدة نقيس على أساسها صدق المناضل والناشط الأحوازي في مايدعو اليه. وقد يطرأ نقدا عليها بأن المرء لا يمكنه التحكم بمعتقدات أسرته، فهناك كثير من الدعاة قد عصاهم أفراد من عوائلهم والأمثلة على ذلك كثيرة! صحيح، لكن ما نراه اليوم هو لا يقتصر الأمر على فرد أو أثنين من العائلة بل لدينا عوائل بأكملها من أسر المناضلين قد ذابت وانتهت لديها القضية الأحوازية وهذا عكس مايدعو اليه المناضل تماما.

الاسير المحرر المهندس غازي مزهر

 

المصدر : مركز دراسات دورانتاش

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى