آراء ومقالات

من يقود القافلة

إلى أين تتجه الأمور في منطقتنا العربية في أعقاب ثورات الربيع العربي  في أكثر من قطر ؟ إلى أي مدى هي منيعة هذه الثورات من اختراقات خارجية لدس مشاريع تقطع الطريق على أهدافها ؟ من هي القوى السياسية المحلية المؤهلة لقيادة المرحلة القادمة في هذه المنطقة التي قطعت صلتها بالاستقرار والتنمية منذ عقود… سوى تلك التنمية التي أشاعت الفساد ، وذلك الاستقرار المذل المفروض بالقمع والترهيب والسجون وسفك الدماء…؟ . منطقة قيل عنها – زوراً- لا يسري فيها ، منطق الحياة العصرية : (منطق إشاعة الحقوق الديمقراطية ، والعدالة الاجتماعية ، والحياة النيابية ، والتنمية الاقتصادية) ، لأن ذلك ( حسب مصممي الحياة العصرية) مخالف لطبيعة إنسانها، ومناقض لثقافة أهلها ، فضلا عن أن في ذلك خطر يهدد السلم العالمي …أي بمعنى أدق خطر يهدد مصالحهم في هذه المنطقة الحيوية .

زرعوا فيها بؤرا أفقدتها الاستقرار ، خلقوا فيها عملاء يحكمون بأمرهم ، بثوا فيها وكلاء يبشرون لفكرهم ، أشاعوا قيمهم فينا لتكون مرجعا لتزكية إنسانيتنا في هذه الحياة … دانت لهم الأمور لأكثر من قرن ، من استعمار مباشر إلى النهب عبر الوكلاء ، أشاعوا الفساد وحموا المفسدين لضمان تبعيتهم …لن أحيل أسباب الفشل العربي كله إلى مشجب الاستعمار الغربي ونظرية المؤامرة الخارجية وإن كان لهما في ذلك نصيب لا يغفل . فأما إذا ما أردنا البحث في العامل الذاتي للفشل العربي فحدّث ولا حرج إلا أن المقام لن يسعفنا في الاسترسال لعرض أسبابه ونتائجه ، إذ أن علم الناس به بالمعايشة يغنينا عناء سرده في مقال . فأكثر من نصف قرن من السيادة الوطنية الزائفة اختزلت في التسميات والأعلام والشعارات الجوفاء…، سلطة الزعيم الأوحد وحزبه الحاكم تحتل مركز اهتمام الدولة ولا مكان ولا قيمة فيها للمواطن والوطن…حتى أن المواطن المغلوب على أمره لم يع معنىً للسيادة الوطنية إلا في الممارسات الديكتاتورية التي سلبت إنسانيته وأحالته إلى كائن بدائي لا يعي حقه في الحياة إلا ضمن إرادة الحاكم بأمره.

ولكن كان لزاما على حركة التاريخ أن تصل بالأمور إلى نقطة الانفجار الذي لا يُبقي ولا يذر…. إنه انفجار عظيم… أخرج المارد من قمقمه ، وقتل الخوف في نفسه ، لينفض الخنوع عن كاهله …حينها تطايرت رؤوس من فوق عروشها ، وعروش تترنح للسقوط من وقع الزلزلة ، وأخرى شرعت في الترميم والترقيع واللصق باسم الإصلاح ، بعد أن تعلمت الحكمة من الرؤوس الطائرة …

المارد يرفض العودة قبل أن يكمل الصورة  ويضع اللمسات الأخيرة لخارطة الطريق التي تلحقه بالركب .

إنها ثورة الشعوب التي أعادت الأمور إلى نصابها ، فلا مجال للتشكيك في أصلها وأسباب نشأتها ، فأكثر من جهة خارجية وداخلية ضُربت مصالحها تسعى إلى تحريف هذه الثورات عن مسارها ، جهات تسعى لاستثمارها ، وأخرى تخطط لسرقتها ، وكلهم  يتربصون لضربها ، لخنقها .. وإعادة المارد إلى قمقمه وإعادة الأوضاع إلى المربع ما قبل الأول..خوفا من أهداف الثورة إذا ما تحققت .

أولى بشائر ثورات الربيع العربي هلت او(حلت) في بعض الأقطار التي أسقطت أنظمتها البالية أو تلك التي جددت أنظمتها القائمة نفسها ببعض عمليات التجميل بإصلاحات جزئية . وذلك بإجراء أول انتخابات تشريعية حرة في تاريخ هذه الدول . ليقول الشعب كلمته ، ويختار من يناسبه لقيادة المرحلة القادمة . ظهر التنافس الديمقراطي حامي الوطيس بين اتجاهات مختلفة وأفكار متنافرة يخوضها أبناء الوطن الواحد عبر أحزاب سياسية : منها من كانت في أحضان الأنظمة الساقطة وتقاسمت الفشل معها . ومنها من ارتضت لنفسها التحرك على هامش اللعبة ، ومنها تلك التي  طوردت وشوهت ، وقضت عناصرها عقود الحكم الدكتاتوري الطويلة في أقبية السجون أو المنافي… الآن أصبحت ساحة التنافس تتسع للكل وتتيح لهم فرصا متساوية ، والفيصل بينهم دائما صناديق الاقتراع . وسيظل الشعب الذي حقق هذه المكاسب هو الحامي والضامن لها .

لمن ستستقر الأمور إذن وفق لعبة صناديق الديمقراطية هذه ، التي من أجلها سقط المئات من الضحايا لضمان نزاهة التنافس بين المتنافسين ، وبناء دولة العدالة ؟، لاسيما وأن مشهد الانتخابات تغيب عنه البلطجية والشبيحة والبلاطجة….كلاب الأنظمة المسعورة .

التقييمات الأولية تشير بأن غالبية الأحزاب الليبرالية والعلمانية باختلاف تصنيف مواقعها من أقصى اليسار إلى الوسط ، نالها حظ من حالفته أو هادنته في السابق . لذلك يلاحظ أن الأصوات والأنظار تتجه نحو الأحزاب الإسلامية كخيار مختلف ومؤهل لقيادة مرحلة ما بعد الثورة  ، ولا يبدو ذلك ردة فعل على عداء الأنظمة الساقطة للأحزاب ذات التوجه الإسلامي ومطاردتها ، والتحذير من طرحها ، بقدر ما هو حصاد تجنيه هذه الأحزاب من حركتها في أوساط الجماهير الساخطة طيلة عقود الديكتاتورية ، ومشاركتها الميدانية في إسقاط هذه الأنظمة ، هذا بجانب الاستعداد الروحي والثقافي لهذه الجماهير في تقبل شعارات هذه الأحزاب.

في المقابل تسعى الأحزاب الأخرى المنافسة ومن خلفها جحافل من الأقلام المتمرسة على صياغة الرأي العام ، إلى تبني مواقف الأنظمة الساقطة في التحذير من مصير البلاد والعباد ومصير حلم الحياة في ظل الديمقراطية، إذا ما أعطيت الأحزاب الإسلامية فرصة قيادة الحياة السياسية بعد الثورة ، يشنون حملة قوية لإقصاء من يخالفهم الرأي في الوقت الذي يرفعون فيه شعارات تدعو إلى العدالة والمساواة والديمقراطية… يدعون إلى مبادئ ويناقضونها قبل أن تتحقق …

والأحزاب الإسلامية تراهن على قدرتها في قيادة المسيرة دون أن تعطي صورة واضحة عن شكل الدولة القادمة في ظل قيادتها ، دون أن ترد بإجابات شافية على تساؤلات مطروحة حول دور الآخر المناقض لها فكراً وعقيدة في ظل قيادتها ، وعن ضمانات تداول السلطة ، وعن مدى اتفاقها أي (الأحزاب الإسلامية) مع الآخرين حول المبادئ العامة لدستور الدولة دون أن يكون لواقع الحال دور في تحديد ملامحه النهائية ، وعن مدى مرونتها في التعامل مع حرفية النص الديني في إدارة دولة أكدوا أنها مدنية …إلى ما هنالك من تساؤلات تحيط بالأحزاب الإسلامية والتي تشكل تحديا تضع المشروع الإسلامي على محك يحدد مصيره مستقبلاً .

وإلى ذلك يقع المشروع الإسلامي بين الرهان الغربي بفشل المشروع في المحك العملي ، وبين الاتجاهات الرافضة داخليا لاختطاف الأحزاب الإسلامية لامتياز الثقة الشعبية والذي يعني في ما يعنيه اعتبارهم أي (الأحزاب الإسلامية) خياراً بديل لمرحلة ما بعد الثورة ، وتصنيف الأحزاب المنافسة لها ضمن تصنيفات المرحلة السابقة التي أسدل الستار عليها بكل ما تحمله من فشل أدى إلى تخلف الأمة العربية قرون عن ركب الحضارة الإنسانية . وبين هذا وذك يصدمك اللون الرمادي الذي يتوشحه المشروع الإسلامي للإرباك الذي يغلب على الخطاب الإسلامي بين الإخلاص للنص النظري أو التنازل عنه كليا أو جزئيا (إما لتحاشي الفشل الذي يمكن أن يلصق بالمشروع مستقبلا أو لتطمين بعض القوة الدولية على مستقبل صلتها بالمنطقة…)، علما أن التهافت لإثبات البراءة مسبقا مما يقال عنها وعن مشروعها -إذا ما اعتبرنا ما يقال تهما- له عواقب أفضح من الوقوع في خطأ يمكن إصلاحه. لأن التهافت لا يليق بقوى اعتبرت أهلً للثقة ونداً لعدو متربص للتجربة.

وبما أن الأمر برمته يتعلق بمصير المنطقة ومستقبل شعوبها ، فإنه وجب التحذير من الوقوع في فخ امتثال تجربة مشروع فاشل سمي زورا(بالثورة الإسلامية الإيرانية) فمآلات هذه الثورة بعد أكثر من ثلاثين عاما يؤكد فشلها ، فإيران لا تعكس بعد ثلاث عقود من انقلاب خميني الوجه المشرق للإسلام ، بقدر ما تعكس صورة مشوهة عنه . ودواعي التحذير هذا يأتي من تحركات الدولة الفارسية لتصدير فشلها إلى المنطقة العربية باختراق واقع الفوضى الذي أعقب الثورات في أكثر من دولة عربية . فهي لا يرضيها أن ترى نجاح مشروع إسلامي في موقع آخر، لأن ذلك سوف يؤثر سلبا على مكانتها وهي التي تمني نفسها لتصبح قوة إقليمية دون منازع . والشاهد على موقفها هذا هو تضارب موقفها من الثورات العربية ، بل ودورها السلبي في محاولاتها لتحريف مسار الثورة الشعبية في كل من بحرين وسوريا . فهي في الوقت الذي تتشدق فيه بدعم المقاومة الوطنية في فلسطين لكسب الشارع العربي والإسلامي عاطفيا ، فإنها في نفس الوقت تسعى إلى إشعال الفتنة المذهبية بين أبناء البلد الواحد في البحرين ، وتتدخل عمليا في مساندة طاغية سوريا ونظامه الاستبدادي ضد الشعب السوري ، وتعد الحوثيين في اليمن لجولة أخرى لإفشال ما أنجزته الثورة الشعبية في هذا البلد ، و كذلك دورها في تهديد أمن دول الخليج المستقرة لأهداف مذهبية . فهي تحمل مشروعا قوميا عنصريا فشلت في فرضه على المنطقة منذ مجيء المقبور الخميني. وهذا المشروع –إذا ما نجحت الثورة العربية في تحقيق أهدافها – محكوم عليه بالانحصار والفشل الذريع ، لذلك تسعى للاصطياد في المياه العكرة بالاستفادة من الفوضى الأمنية التي عادة ما تواكب الثورات الشعبية ،لبث سمومها . وعليه وجب الحذر من تحركات نظام طهران وتسويقه لمشاريع فاشلة  تحت مسميات إسلامية .

هذا ونتفاءل خيرا بمستقبل المنطقة العربية في ظل الخيارات الشعبية ، ولن تكون أسوأ مما كانت عليه طيلة العقود السابقة . بل نستطيع أن نبشر بعهد عربي جديد يعيد للعرب قيمتهم وقيمهم وتاريخهم التليد في الحضارة الإنسانية.   

   

حبيب اسيود

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى