الربيع العربي اسقط قناع الدولة الفارسية

النظرة الفارسية الطامعة بإعادة الامبراطورية الكسروية لم يمنعها انتصار ثورة الشعوب (الثورة الايرانية) في عام1979 م بل وظفت هذا الانتصار في النهج القومي العنصري وركزت جل اهتمامها على الوطن العربي بطابع طائفي هذه المرة. المشروع التوسعي الفارسي تجتمع حوله ويتفق عليه كل قادة الفرس من اصحاب تيجان أو معممين، ورغم اختلاف الاساليب في التطبيق بالنسبة للمراحل لكن تبقى الاهداف واحدة.
ان مرحلة ولاية الفقيه التي تميزت باسلوبها وطبيعة نهجها المخادع، نظّر لمشروعها "محمد جواد لاريجاني" شقيق علي لاريجاني احد ابرز المقربين للمرشد على خامنئي في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، ولعبت ايران الخمينية دورا مهما في الوطن العربي لإنجاح هذا المشروع، ومن اجل ان يحقق هذا المشروع اهدافه بالشكل المطلوب زُينت نظريته بالبعد العقائدي حيث سميت بنظرية أم القرى نظرا لاستخدام كلمة ام القرى في القرآن الكريم والمقصود بها مكة ألمكرمة، لذا وطبقا لهذه النظرية تسعى الدولة الفارسية ان تجعل مدينة قم الفارسية أم القرى وتحاول ايضا أن تكون دولة إسلامية – قومية (كسروية) حيث تشمل الوطن العربي والاسلامي وتحقق حلمهم الإمبراطوري.
وكان اول حليف لأطماع الفرس في الوطن العربي هو النظام السوري وتمت تلك العلاقة بواسطة موسى الصدر زعيم ومؤسس حركة امل الشيعية في عام 1973 م اي قبل ستة اعوام من انتصار الثورة الايرانية باعتبار إن العلويين هم جزأ من الطائفة الشيعية، وحينما نجحت الثورة في الدولة الفارسية، ترأس الحكومة المؤقتة آنذاك ابراهيم يزدي و بدعم من موسى الصدر توطدت العلاقة بين النظامين السوري والفارسي واصبحت هذه العلاقة علاقة ستراتيجية بين البلدين، لكن بالرغم من قرابة النظام الفارسي بالنظام السوري كانت عدة عوامل تعيق توسع مشروع الدولة الفارسية في الوطن العربي، منها:
1- النظام العراقي السابق: العراق كان البوابة الشرقية والركيزة المهمة للأمن القومي العربي حيث تمكن وبكل اقتدار ان يقف امام المشروع الفارسي في منطقة الخليج العربي، لذا كانت ايران تسعى وباستمرار لتضعيف العراق حتى سنحت لها الفرصة عام 2003م في التحالف مع الشيطان الاكبر لإسقاط النظام الوطني العراقي واحتلال البلاد بشكل كامل.
2- مصر: عظمة مصر الحضارية تؤهلها أن تكون رائدة في المجال السياسي والثقافي والعسكري لذا دور مصر المجتمعي في بناء الدولة القومية بعد فترة الاستعمار كان ولايزال مساندا ومدافعا عن الامة العربية ويعتبر الدفاع عن الأمة هو الدفاع من الأمن القومي المصري وهذا الأمر ايضا كان عاملا مؤثرا في عرقلة المشروع التوسعي الفارسي في الوطن العربي، لذا استخدمت ايران لتمرير مشروعها كل الطرق للنفوذ في مصر نظاما وشعبا رغم قطع العلاقات مع النظام السابق، مستخدمة الندوات والمحاضرات التي عقدت داخل العاصمة طهران وفي دول غربية استنادا للتقارب الثقافي والحضاري المشترك بين الشعبين المصري والايراني لغاية في نفس يعقوب.
3- المملكة العربية السعودية: الثقل الاقتصادي والاسلامي ووجود مكة المكرمة(ام القرى) تأهل المملكة العربية السعودية في التأثير على الامة الاسلامية والعربية و ان تسحب البساط من تحت المشروع التوسعي الفارسي وتبدد الحلم الصفوي في جعل مدينة "قم" الفارسية ام القرى لبلاد المسلمين.
فبعد عام 2003 م تحقق للدولة الفارسية في العراق ما كانت تطمح له واصبح العراق البوابة لنفوذ الدولة الفارسية نحو دول الخليج العربي لذلك اصبحت تفكر الدولة الفارسية في ما بعد العراق وهو استهداف الدولتين المهمتين في الوطن العربي وهما مصر والمملكة العربية السعودية ،فجاء الربيع العربي مبشرا بثورة تلو الاخرى حتى وصلت الثورة الى مصر العروبة. فالثورات التي سبقت الثورة المصرية لم تحتل مساحة مهمة في الاعلام والخطاب السياسي الرسمي للدولة الفارسية بقدر ما حصل للثورة المصرية. قد يكون سقوط النظام المصري بتلك السرعة كان مفاجئا و مربكا في الحسابات السياسية للكثير من الدول التي تخشى عظمة مصر التاريخية وموقعها الاستراتيجي وثقلها السياسي في المنطقة وايضا كان يطرح سؤالا محيرا من الصعب الاجابة عليه وهو، من يحكم مصر مستقبلا ؟
سرعان ما حركت ايران الفارسية دعايتها الاعلامية وعقد ولي امر المسلمين!! كما يزعمون علي خامنئي اجتماعا مع جميع الدبلوماسيين الايرانيين والقى عليهم خطابا بأن الثورات في الوطن العربي من بركات الجمهورية الاسلامية وعلينا أن نكون جاهزين لانتصار وتفوق الاسلاميين.
كان ذلك الخطاب في الرأي العام العربي هو بمثابة تأييد ودعم معنوي للثورات العربية في طابعه الإستهلاكي العام ولكن للمتابع الاستراتيجي ومن يعرف نوايا ايران الصفوية في تصدير ثورتها هو تراجع و فشل للأسباب التالية:
1- فوز الاسلاميين ووصولهم للحكم سوف يسقط الورقة التي نظّر لها "محمد جواد لاريجاني" وعملت عليها ايران طوال 32 عاما، بجعلهم مدينة قم هي ام القرى بدل مدينة مكة المكرمة لسبب وجيه وهو إن التيارات الإسلامية التي وصلت او قد تصل الى سدة الحكم في الدول العربية مثل مصر وتونس و… هي تمثل التيار الإسلامي السني ولا يربطه بالمذهب الصفوي أي رابطة.
2- اذا اضعنا منهج المقارنة وهو اهم المناهج لتفسير الظواهر السياسية ومن خلال المختلفات نبحث عن المشتركات، اذن ما هي الظواهر المختلفة التي كانت تميز النظامين المصري والإيراني قبل الثورة المصرية؟ سنجد ان الدولة الفارسية و بناءا على الشعارات المزيفة التي كانت تنادي بها في معاداة إسرائيل و ازالت اسرائيل من الوجود، في المقابل كان النظام المصري السابق فتح سفارة لإسرائيل في القاهرة و كان عمر سليمان الوسيط في الملفات العالقة بين اسرائيل و فلسطين هذا جانب و الجانب الاخر ايران الصفوية تصف نفسها في المعسكر الممانعة و المقاومة كما يدعون و كانت مصر تتزعم معسكر الاعتدال، إذن اليوم وبعد الثورة المصرية الصورة قد اختلفت و كل الظواهر السابقة اصبحت شي من الماضي والنظام الايراني والثورة المصرية قد اشتركوا بموقفهم من اسرائيل، مع شاسع من الاختلاف لصالح الثورة المصرية. لذا بناءا على هذا التحليل التفوق الايراني في معاداته لإسرائيل قد سقط بعد الثورة المصري و القيمة المعنوية فقدها النظام الايراني في الرأي العام التي كانت ايران الصفوية تراهن عليه وبهذا اصبحت الدولة الفارسية لا يمكنها المزايدة بالقضية الفلسطينية على الشعب المصري ونظامه المنتخب من خلال صناديق الإقتراع.
والمهم في الأمر ان الثورات العربية لم تقف في مصر بل انتقلت إلى سورية الحليف الاستراتيجي للنظام الفارسي و ظهر مستوى التناقض في الخطاب حين ما تحول الخطاب الاعلامي و السياسي بدل المدافع عن الثورات العربية إلى المضاد للثورة في سورية و الوقوف بجانب نظام الاسد، ان وقوف الدولة الفارسية الى جانب نظام الاسد المجرم ضد ثورة الشعب السوري الأبي اسقط كل مراهنات الدولة الفارسية، وكلما زادت من الدعم، لنظام بشار كلما زادت بعدا من الشارع العربي.
وفي النهاية فشلت كل محاولاتها وخاصة تجاه الاسلاميين في مصر، والدليل على ذلك الخبر الكاذب الذي نشر على موقع محسن رضائي رئيس مجلس تشخيص مصلحت النظام والذي كان مفاده: "وساطة تركية بين اخوان المسلمين المصريين والدولة الاسرائيلية" حيث يعتبر هذا الاتهام مؤشرا واضحا على فشل هذه الولة في احتواء الاسلاميين في مصر، والدليل الاخر هو فشلها في اقناع الحركة الوطنية حماس في تبني موقف رسمي بانتقاد الثورة السورية حينما جاء الرد معاكسا لتمنياتها من القيادي في الحركة اسماعيل هنية في خطابه الذي صرح من خلاله امام الالاف من المصلين يوم الجمعة في الجامع الازهر حين قال: "أحيي كل شعوب الربيع العربي وأحيي شعب سوريا البطل الذي يسعى نحو الحرية والديمقراطية والاصلاح وهتف المصلون قائلين: "لا ايران ولا حزب الله ثورة سوريا عربية.
اذن بناءا على كل ما شرحنا في هذا المقال المتواضع الدولة الفارسية فقدت كل ما تم بناءه طوال 32 عاما من عمر ثورتها في الرأي العام العربي بعد ما دعمت التمرد الشيعي في البحرين و نظام الاسد، كما انها اصبحت مكشوفة للجميع على انها دولة قومية شوفينية وطائفية بامتياز. ولكن هنا امامنا سؤال جوهري ويحتاج أن نجيب عليه في العمق وهو: هل الدولة الفارسية تستطيع تعالج فشلها بعد الثورات العربية من خلال مخطط شيطاني اخر ام لا؟ وهذا ما سنبحث عنه في مقال اخر بعون الله.

