شعر و أدب

رحلة وداع في وطني

عبرنا جبل مشداخ نحو معبر " الشيب " الحدودي، و"أبو ملاك" و"أبو فهد" ما زالا مختلفيَن في تسميته أو كَونهِ جبلاً أو تلّاً أو مُرتفعاً .. لكن، ما إتفقنا عليه جميعاً في تلك اللحظات هو جمالُ الطبيعة والأجواء التي لائمت الرّوح والفطرة أكثرُ من أيّ منظرٍ أخر رأيناه من قبل، حتّى وصل بأحدنا "أبو رفيق" المبالغة في طرح نظرياتٍ بـ" علم الفسلجة " ومُستخدماً كعادته تعابيرَ لا يفقهها إلّا الله والرّاسخون في العلم والقول : “بأنّ الجينات البشرية تعمل ببرمجات مختلفة ،وإنّ تفاعُلنا مع الأجواء يأتي من هذا المنطلق وبما أنّ جيناتنا عربية وهذه البيئة عربية، فـ ….. “

يستمرُّ في الحديث ومُحاولة إثبات رأيه بذكر أمثلةً مختلفة لم تلقى الكثير من الإصغاء والإهتمام من الأخرين مِمّا إضطرّ للصمت ومُشاركةَ الأخرين التأمّل بالطبيعة وجمالها ..

إعترَضَنا قطيعٌ من الأغنام قطعَ الطريق علينا لما يُقارب الخمسةُ دقائق، إضطَرَرنا خلالها للإنتظار داخل السيارة حتى يتمّ عبور القطيع للجهة المقابلة .. أعجبتني سيدةٌ ملثّمة كانت برفقة الراعي وهي تنظّمُ حركةَ الماشية كشرطي مرور بتدبيرٍ وهدوءٍ أحدثا صمتاً رهيباً داخل السيارة في تلك اللحظات، حيث كنّا نراقب حذافير خطواتها حتّى بعد أن إنطلقنا لتكملة المسير، و"أبو فهد" يتأسّف كثيراً للفوضة الترابية التي أحدثتها المواشي ولم تُتِح له الفرصة لرؤيتها بشكلٍ جيد ،فقد أعجبته قامَتها الطويلة!!! ..

للقُرى في تلك البقعة من وطني طابعٌ خاص، بالرغم من بساطتها وفقرها في أغلب الأوقات، لكنّها تُلهِمُك الكثير وتُذكّرك بالكثير .. خطرَ في بالي آنذاك كلماتٌ لأحدَ الشعراء العرب حين زارَ الأحواز يوماً وهو يقول : " في العاشر من نيسان نسيتُ على أبواب الأحواز عيون…. "

في جزءٍ من الشارع الرئيسي المؤدّي للمعبر الحدودي مع الجار الشقيق العراق والذي أصبحنا قريبين منه الأن، هناك لم تكن الطريق مُعبّدة كما يجب، ما جعلَ "أبو فهد" يقودُ السيارة ببطئٍ وحذرٍ أكثر، فإنتهزَ صبيّاً من إحدى تلك القرى المحاذية للشارع ذلك الموقف، وبدأ يركض بإتجاهنا وخلفه إثنان أو ثلاثة أخرون، "كان أحدهم يحملُ طائرةً ورقية"، لم يستطيعوا اللّحاق بنا أو التحدّث إلينا من بعيد، لكنهم بقوا عالقين في مُخيّلتي إلى الأن وكلّما تذكرتهم سئلتُ نفسي ما إذا كانوا وقتها يلعبونَ فقط أو ربّما أرادوا تذكيرنا بشيءٍ هام قد نسيناهُ منذُ زمان ..

بوصولنا إلى المعبر، قام "أبو ملاك" بالأمور الإدارية من ختمٍ وتواقيع لجواز عبور ضيفنا القادم من العراق الذي ودَّعنا بعيونٍ لم تكفّ عن البكاء طيلة الرحلة، لحّبه لنا وإعتزازانا به .. أخذَنا بعضَ الصور للذكرى وإنتظرناه للإطمئنان عليه حتى وطأت قدميه الحدود الجغرافية لبلده .. "حدودٌ رسمها البشر لأرضٍ صنعها الله" .. ذهبَ إلى موطنه من هناك وعُدنا نحن من حيث أتينا وقد بدأ الظلام يسود مُعلناً قُدومَ ليلٍ جديد ..

في طريق العودة، غابت تلك الصور الحيّة عن ناظرنا وإنعدمتْ الرؤيا تماماً إلّا ما تُظهره مصابيح السيارة وإنشغل الشباب بهواتفهم إلّا سائق السيارة "أبو فهد" ..

يفتح "أبو ملاك" صفحته في الفيس بوك وهو يشتكي من سرعة النت الضعيفة ومُتحيرّاً بشأن سوألٍ وجّهته له إدارة الموقع بهذا الشكل : ــ من أيّ مدينةٍ أنت؟ فقد وُلدَ كما يدّعي بمدينة ونشأ وترعرعَ في ثانية وهو الأن يعيشُ بمدينةٍ أخرى ولا يحسُّ بإنتماءٍ لأيّ واحدةٍ ممّا ذكر، فبماذا يجيب على هذا السؤال الصعب حسب رأيه؟!!!ََ .. إقترحَ عليه "أبو رفيق" بإجابة وكذلك فعلَ "أبوفهد"، وبدوري بحثتُ عن إجابةٍ لهذا السؤال لكنّ النُعاس قد نالَ منّي على ما أظن …… !

 وسام الصرخي

تنويه تم اختيار الاسم الصحيح لوطننا "الأحواز"

المصدر موقع بروال

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى