ثورات و رجال

هامات شامخة – الحلقة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

 لما سلكنا الدرب كنا نعلم        ان المشانق للعقيدة سلم

 بقلم: فاروق عبدالله

يا وطن : أقسم بكل الأديان السماوية أن قلبي وروحي لا تزال فيك ولم ترحل عنك يوما

و الذي رحل عنك هو جسدي وسأبقى حاضرا ومدويا شمعة من شمعات النضال في الأحواز و سامحني لأني لم أعرف كيف أشم رائحتك (الشهيد)

قد ننحني لريح عند هبوبها                  لكننا لريح لا ننقادُ

مطر العقيدة سوف يجرف افكها            كل الأصابع تحتهن زنادُ

لا تسقني كأس الحياة بذلة                  بل اسقني بالعز كأس الحنضلِ

كأس الحياة  بذلة كجهنم                    و جهنم بالعز أطيب منزلي

أعذرني أيها الوطن، أقدم لك يا وطني الحبيب والغالي على قلبي اعتذاري وتقّبل مني حزني على كل ما يحدث على ترابك من ظلم وقتل وتدمير وتهجير… ،  أعتذر لشبابنا و لشيوخنا ونساءنا الذين يُظلمون ويُقهرون كل يوم ،أنا في صدد أن أروي لكم كلمات من أحد شهداء الأحواز الذي كنت معه في سجن كارون وهو الشهيد البطل عبد الرضا  رزكاني. الشهيد عبد الرضا  له ميزات أستطيع ان أقول مثالية إن صح التعبير وهي الشجاعة والنخوة  والهدوء و كرامة النفس  و… هذه الصفات يتميز بها كل عربي أصيل و كل مناضل ولد على تراب الأحواز الطاهر ، ولد وعاش ظروف هذه الأرض يُسرها وعُسرها وسهر الليالي و تغذى من تمرها و طليع جمار نخيلها ، أنا اليوم بدأت في كتابة بعض ما شاهدته خلال الفترة التي عشتها مع أبطالنا، أبطال الأحواز,  رغم أنه واجه صعوبات كثيرة  مثل الأمراض الجسدية التي خلفها الحاقد المجوسي من خلال التعذيب الجسدي والنفسي  خلال فترة ما يقارب عشرة أشهر في زنزانات المخابرات الإيرانية و رغم أنه مورست عليه أنواع  مختلفة من التعذيب، لست بصدد  ذكرها حاليا، لكنه كان يتمتع بمعنويات عالية و بروح نضالية لا مثيل لها .

في يوم من الأيام جاءوا بعدد من أبطال مقاومتنا الأحوازية وهم الشهداء الأبطال  ماجد البوغبيش و خلف خضرائي و الشهيد محمد كعبي وقاسم سلامات وعلي رضا عساكره و عبد الرضا سنواتي المعروف ب راضي الزركاني ، في ذلك الوقت تفاجأ جميع السجناء من مشاهدة هؤلاء الأبطال الذين بدت عليهم آثار التعذيب و المعاملة السيئة  التي عانوها في الفترة الماضية في زنزانات المخابرات  الإيرانية . وتفاجأ السجناء أيضا من مشاهدة هؤلاء الأبطال الذين كانوا قد شاهدوهم في تلك الأقراص المدمجة و كانوا يتمنون أن يشاهدوا و أن يتعرفوا على هؤلاء الأبطال الذين أبدعوا في نضالنا مع العدو الفارسي. و أصاب الحزن  والألم قلوب جميع الحاضرين والدموع أغرقت العيون بما  فيهم السجان المحتل رغم أنه  لا يملك الرحمة…..

 وبعدها احتضنتهم صدورنا واعتزت بهم أفئدتنا المقهورة من هذا العدو الجبان الذي كنا نعضُ له الشفاه والأصابع من شدة القهر.

عند التحاقهم بنا في ذلك السجن الذي أصبح جامعة تخرج الأبطال الذين تعتز بهم الأجيال.الأبطال الذين فيهم من  يكبر أمام المشنقة و من يهتف باسم الأحواز ومن ينشد الأناشيد الثورية ومن يُقبل…  . من هنا تظهر الميزات المثالية والمعنويات العالية  لهذا البطل المقدام فعند دخوله هذا المكان قال للحاضرين لا تتألموا ولا تحزنوا  علينا وعلى نحافة أجسامنا !!! نحن كنا أمواتا في القبور وحاليا استحيينا ولكن أنا لست حيا , بل لساني الناطق  من الأحياء وكمّل قوله سمعنا أن الأجسام تتحلل وتؤكل من قبل الحشرات وغيرها في القبور ولكن اليوم أصبحت أجسامنا طعاما لهؤلاء الحشرات وكان يقصد الفرس المجرمين و إذا كان هذا الجسم في القبور طعاما للدود(الحشرات وغيرها) فالأفضل أن يكون قربانا للوطن الحبيب . بهذا الكلام أضحك جميع الحاضرين حيث البعض سالت من أعينهم الدموع حزنا و فرحا في نفس الوقت !!! ( كان البطل جسمه يرتعش من شدة التعذيب) . وبعد ذلك الحين جاء رفيقه المقدام الشهيد ماجد لكي يحمله  إلى  زنزانته لأنه لم يستطع المشي و مرة أخرى قال للحاضرين أنا عندما كنت في  القبرإحدى الحشرات لدغتني في رجلي ولهذا السبب لم استطع المشي على الأقدام هذه نُكته الأولى منذ دخوله إلينا ، النكت التي ملأت السجن بالفرح ورجعّت البسمة مرة أخرى على الحاضرين .

شهيدنا البطل كان يتمتع برباطة الجأش وصلابة الموقف هذا ما شاهدناه منه وما أدلى به أحد رفاقه  وهو الشهيد المناضل خلف في قاعة السجن أمام السجناء وبحضور أبطال آخرين  كالشهيد ريسان وعبد الرضا الناصري وجعفر الساري و محمد الساري  وأبطال غيرهم  من الرفاق والمناضلين (هؤلاء الأبطال الشهداء كانوا يذكرون لنا بعض الأعمال التي كانوا  قد اعترفوا بها للمخابرات وانتبهنا أنهم في بعض الأحيان كانوا يتهربون من قول  أشياء حسب اعتقادي لم تكن قد اعترفوا بها للمخابرات وبقت سرية معهم أو مع رفاقهم )  وذكر موقف بطولي للشهيد البطل راضي زركاني الذي يدل على شجاعته وهدوءه  و رباطة جأشه . الموقف الذي يستحق الوقوف أمامه  وأخذ التحية  العسكرية له رغم  أنني  لستُ عسكريا ، في إحدى العمليات عندما يذهبون إلى مدينة معشور(المهمة البطولية التي قام بها هو وثلاثة من رفاقه على مكتب شريكة البترو كيماويات في مدينة معشور التي تقع  بالقرب من الدوار الرئيسي لمدينة معشور و كان فيها عدد من الموظفين  والمراجعين  أكثر من 100 شخص  ) في هذه العملية رغم أنهم كانوا لا يعرفون مصيرهم!!! الاستشهاد  في سبيل وطنهم الحبيب أم الاعتقال أم النجاح  ، وقبل دخولهم بلحظات كان يسوق الدراجة ويبتسم  ويعلك العلكة ويصنع البالونات في فمه الطاهر. هذا الحديث أثار دهشة السجناء الحاضرين جميعا بما فيهم أصحاب القضايا الكبرى المتواجدين في قاعة السجن وهذا بالطبع ينبع عن شجاعة و هدوء الأعصاب ولهيب الأيمان بقضيته العادلة .

القضية التي يقدم لها التضحيات تلو التضحيات و ذلك في سبيل الحرية . و من أجلها قدم  المناضلون الأرواح  والأموال كل ما دعاهم الواجب , و الأبطال يستمعون لنداء  وطنهم , ونحيب أمهاتهم,  ينظرون لنزيف  شعبهم , لدموعه ,  لآهاته , لحسراته , فينهضون ويصرخون  بأعلى  صوتهم لبيك يا وطن فيلاقون الموت متسابقين ويتحدون المجوس وهم شامخين , و لم  يتوقف التحدي أمام المحتل بل إنهم يهتفون ويقبلون المشانق ……        .

 نستطيع أن نقول هذه القضية لن تموت ولن تجف بل إنها قضية ٌ عادلة ٌ وستنتصر يوما و إن طال زمان احتلالها ….

الشهيد البطل في الفترة التي أمضاها في سجن كارون معنا  نقل ثلاث مرات و ودع  الجميع وذهب ليلاقي ما كان يطمح إلية وهي الشهادة في سبيل وطنه الغالي و يدخل التاريخ من أوسع أبوابه ويلتقي رفاقه  علي مطوري  وعبد الله سلماني ومالك بني تميم و… ومن سبقهم من شهداء الأحواز، في المرتين الأولى و الثانية  بعد مرور يوم أو يومين يرجع علينا حزين ويقول : أنا لا استحق الشهادة في سبيل وطني الغالي الحبيب ؟ و أخشى عما سيقولون عني السجناء و أبناء شعبي ؟ ويقسم لنا ويقول طلبت من سجاني في المرة الأولى  والثانية   أن يجعلني معهم بعد ما شاهدت المواقف العظيمة من رفاقي المناضلين أمير الكعبي وماجد البوغبيش  وعلي رضا عساكرة  في المرحلة الأولى و خلف خنافرة  و ومحمد زغيبي (الكعبي )  و ريسان الساري  وقاسم سلامات في  المرحلة الثانية وذلك  أمام  منصة الإعدام وهو يهتف ويقول  ( يا موت اقبل عزت روحي) وأن لا أرجع وأنا حيا دون اللحاق بهم  …

هذا كل ما  سمعته  من هذا الشهيد البطل الذي ضحى بحياته وهي أعلى درجة التضحية في سبيل الحرية و  فقد أعز رفاقه  وترك  كل شيء ،أسرته و زوجته و…

عمري يتراوح بين الثالثة عشرة وتركت المدرسة لأذهبت  للعمل……….جزء الأول

يتبع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *