شعر و أدب

#أحوازنا -مدرسة الثوار…

( إهداء الى الأسير زهير هليچي)

يوم الأربعاء،28 شباط، سجن شيبان المركزي، الأحواز

صباحٌ عادي او هذا ما ظنه، وهو ينظر إلى ذلك الشباك في المنطقة العلوية من زنزانته، تلك التي يلتهمها العنبر الخامس في جوفه، و باتت تدخل اليها الآن أولى التماعات الفجر، امتدت خيوط الشمس الذهبية الى أعماقها، مخلفة وراءها صورة ذات ابعاد ثلاثية عن القضبان على ظهر ملاءته، التي كانت تغطي جسمه المتعب من شرود السنين.

لا حاجة للتفكير طويلاً ليعرف اين هو و يتذكر أن حياته انقلبت رأساً على عقب قبل أكثر من عقد، حين كان فتى يافع لم يبلغ من العمر عشرين عاما.

أطبق جفنيه وغرق في سبات عميق، أخذه التوهج المتلألأ في عينيه إلى ذلك الحي الشعبي، و كأن كل شيء يحدث الآن، شارعٌ ملئ بالصخب في ثناياء النهار و ظلام الليل، فارغ من ضوضاء السيارات، بعيد عن ضجيج المدينة، بيوت ذات بناء قديم ومتمردة على قوانين الهندسة، صرخاتٌ تدوي في أرجاء الحي، اقدامٌ صغيرة حافية تتعانق مع ذرات التراب وتشابك بالأيدي قبل بدء المباراة على من يستلم قيادة الفريق، تصاعد الغبار من حولهم ولم تمضي ثواني حتى ظهر قائد الفريق منتصب القامة يمشي، إنه عالم الطفولة ذات الألوان الزاهية

ارتسمت ابتسامة ناعمة على وجه رفيق دربه، وقال : كم أتمنى أن حُلم التحرير يصبح حقيقة وهذه العيون البريئة والقلوب المرهفة يسطع نجمها في سماءنا بحرية وترفرف أياديهم بعلم بلادنا ليفوح رحيقه العطر في فجاج الوطن.

أجابه بهدوء: سوف يحدث ما دمُنا لم نقع في فخ اليأس… ألا تعرف يا رفيقي أن من يفقد الأمل بحرية وطنه يشبه ذلك الذي لا يُؤْمِن برحمة ربه… نحن لم نمُت ومازلنا احياء وجاء اليوم الذي يجب أن نرفع راية الثوار ونحرر هذا الوطن.

إنها الثامنة صباحاً، ولم يتبقى سوى ساعة واحدة على بدء مواعيد الزيارة، ألا تستيقظ؟… صدى صوت رفيقه في فضاء الزنزانة، اخترق شرود ذهنه ورجع بنبضاته التي تعلو وتهبط مع دقات الساعة إلى الواقع.

 

فتح عينيه وأمسك بطرف دشداشته، مازال أثر المكواة يعلن عن نفسه بقوة على مساحتها البيضاء، صمت لبرهة وهمس في أعماقه، هذا ما البسه اليوم وأنا التقي بتلك المرآيا من خلف الزجاج، هبوب الشوق تعصف بقوة في فؤادي لرؤية الأحواز وتجليها في عيون امي، هي رفيقتي الوحيدة طوال هذه الأعوام… لم تتوانى عن زيارتي يوماً ما، لم يمنعها لا برداً ولا صيفاً ولا مطراً و كان جسمها الكهيل يثور على شبح المرض حين يغافلها في الليالي السابقة لموعد الزيارة ويأتي بها جراً الى أبواب هذا السجن

تأنق وأصبح كطائر الفينيق، تتوق جنحانه لمعانقة سحب السماء وشعاع الشمس…" زهير هليچي، لديك زيارة" هذا ما نطق به السجان في الدقيقة التاسعة والخمسون قبل الساعة التاسعة… " في الحال، انا قادم" رد زهير..

ومع اول خطوة تفتَّقت عن العنبر الخامس، صرخ السجان: لن اسمح لك بالذهاب بهذا الزِّي( يقصد الدشداشة العربية)… تصاعدت شهقاته المختنقة و هو يرى طيف معلمه الشهيد محمد علي ورفيقه الشهيد جعفر، وصوت الأسير حمزة، المنبعث من سجن رجائي شهر و رد بصوتٍ متحرر من التيه والسُهد: قُل ما تشاء، فعيونك المليئة بالخبث والحقد لن تراني اليوم إلاّ بهذا الزِّي وإن ظننت تخور عزيمتي حين تمنع الزيارة عني، فأنت لست اكثر من متوهم يغوص في بحر كوابيسه.

في الجهة الثانية كانت تلك الحبيبة الحنونة، تنتظر فلذة كبدها لتسرد عليه اجمل القصص عن الأحواز، السمراء التي جفت دموعها( نهر الدجيل) وهي تحن الى بطولاته و تضحياته ونضاله لتحريرها من الإحتلال الفارسي

مضت الساعات وتوافد السجناء بين الذهاب والإياب وزهير لم يتراجع عن قناعاته.

رنت الأجراس وأعلنت عن نهاية الزيارة، غسقت عيون تلك المسنة وجسمها الهزيل جرجر روحها إلى خارج صالة الزيارات، وضاءت بين الحشود وتلاشى ظلها.

ومازال زهير يلبس الدشداشة وهو يشاهد تفكك القيود عن معصميه وتشقق الحبال الملتفة حول رقبته، وتعالي ارداته الحديدية حين اصبح شموخه العنوان لتلك الحصة الصباحية في مدرسة الثوار.

  سلمى سواري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *