التحليل الاسبوعى

قراءة متأنية في الاحتجاجات العمالية في الأحواز

بعد أن تيقن نظام الملالي في الدولة الفارسية، بأن لا محالة من تنفيذ العقوبات الاقتصادية الأميركية عليه، أضطر أن يتفاخر بتجاربه السابقة مع الحصار، للتخفيف من وطأة الموقف، ولم ينس أن يعيد تمثيل الدور القديم بتفاصيله المثيرة للسخرية، و بشعاراته التي صدَّرها لأتباعه في اليمن و سوريا والعراق ولبنان… من قبيل (الموت لأمريكا الموت لإسرائيل…)…وغيرها من الشعارات التصريفية التي لا تعني سوى التخدير وذر الرماد في العيون. لا نعتقد أن هذا النظام لا يعي أن وسائله القديمة لن تجدي نفعاً في هذا الوقت الذي تغير فيه وجه عالمنا من حيث التحالفات والاستراتيجيات، بل والمفاهيم…
النظام يعي كل ذلك، ويعي أن وسائله بالية تثير السخط والسخرية، ولكن يبدو أنه يسعى بهذه الجهود والشعارات المكررة، إلى توجيه رسائله إلى الداخل، علها تخفف من حدة موقفه، لأنه (أي الداخل) في هذه المرحلة أكثر تهيئاً و إستعداداً، للانفجار في وجهه. فالأوضاع الاقتصادية من قبل الشروع في تطبيق العقوبات كانت في تردٍ مستمر، التقشف قديم لأن تسديد فاتورة مغامرات النظام الخارجية وحروبه التدميرية ودعم مليشياته الإرهابية، أهم عنده بكثير من تحسين الظروف المعيشية في الداخل، الفساد بكل أصنافه وخاصةً الفساد المالى، ضارب في أركان الدولة الفارسية كمقيمٍ دائم، يحظى برعاية السلطات الدينية والقضائية…

هذا النظام الذي يرأس حكومته رجل مصنف بأنه من (التيار الإصلاحي) أي بمعنى أنه أقل تشدداً وعنفاً من التيار المحافظ، (وإن كنا لا نرى فرقاً بين “أحمد والحجي أحمد”!!) ليس لديه رؤية سياسية اقتصادية تمكنه من تفادي الآثار السلبية للعقوبات على رجل الشارع، إلا في الإستعداد للتصدي لردود فعله المحتملة، بالقوة والقوة المفرطة فقط. أي السير على خطى شركائه في السلطة الذين برعوا في استخدام القوة لقمع الحراك الداخلي المطالب بالإصلاح وتحسين الوضع المعيشي.

أبرز الأحداث التي شكلت تحدٍ للمحتل الفارسي طيلة عام ٢٠١٨ هو الحراك الشعبي في الأحواز العربية المحتلة. هذا الحراك الذي لم يتوقف إلا ليجدد من زخمه وانتشاره، شكل أرضية خصبة لاحتضان أقوى الاحتجاجات العمالية في تاريخ الأحواز. وتأتي أهميتها أنها تتزامن مع مضاعفة حزم العقوبات الأمريكية على نظام الملالي الذي بغى وتجبر.. لاشك أنه سيكون لهذا التزامن تأثيراً قوياً على قدرة الدولة الفارسية في وقف الانهيارات الاقتصادية التي تتوالى بتسارعٍ ملفت، لتشكل تهديداً صريحاً لمستقبل هذه الدولة.
فالأحواز بأهميتها الاقتصادية، لها مسار خاص، تنآ بقدر ما عن ردود الفعل إزاء العقوبات، وإن كان لها الدور الحاسم في تفعيل هذه العقوبات..فالعمال الذين يشكلون عصب الحياة المدنية في الدولة الفارسية، لهم القدرة في فرض أجندتهم، التي تتجاوز الإصلاحات الإدارية، إلى تحقيق المطالب السياسية الوطنية إذا ما استغلت استغلالاً حسناً. لأنه من السذاجة فهم أزمة العمال في الأحواز بحصرها، في العلاقة المباشرة بين العمال وأرباب العمل، و التوازن بين الإنتاج والحقوق، فالأمر أبعد وأعمق من ذلك، فلا يمكن فصل العامل السياسي عن الأزمة. فالعلاقة غير السوية بين الدولة الفارسية المحتلة للأحواز والمواطن الأحوازي لها الحضور الأقوى في تشكل هذه الأزمة وتفاعلها ومسارها…

الدولة الفارسية المحتلة للأحواز، لم تنظر إلى الأحوازي منذ تاريخ احتلالها في عام ١٩٢٥، إلا كحديقة خلفية تنهب ثرواتها النفطية والزراعية، وتحرم أهلها منها لتحيلهم إلى أفقر شعب فوق أغنى أرض. فبحكم الثروة النفطية التي حبا الله بها أرض الأحواز ، فإن الصناعات القائمة على الإنتاج النفطي تتركز في الأحواز، إلا أن نسبة العاملين من الأحوازيين في هذا الحق، لا يكاد يذكر، بل نسبة العاطلين الأحوازيين تفوق ٥٠% . فبينما هذا هو حال الأحوازيين في وطنهم، نجد أن الدولة تنفيذاً لسياستها الاستيطانية، تشجع المواطن الفارسي على السكن في المدن الأحوازية، مقابل وظيفة مغرية وسكن مريح… نسبة الأحوازيين العاملين في المصانع والمؤسسات الخدمية، أقل من نسبة الفرس بكثير، ومع قلة نسبتهم فإنهم لا يحصلون على حقوقهم كاملة، فهم مهددون بالطرد دائماً. الإحتجاجات كشفت أن العمال المتظاهرين لم يحصلوا على رواتبهم لشهورٍ عدة، وأن أصحاب المعاشات الذين أفنوا أعمارهم في العمل، توقف صرف المعاش لهم.
إذاً أزمة العمال الأحوازيين ليست مرتبطة بالوضع الإقتصادي أو بالحصار فحسب، بل هي نتيجة سياسة متعمدة يمارسها المحتل لإركاع الشعب الأحوازي منذ عقود، هي وبنظرة شاملة: هي قضية شعب وقضية وطن… حسمها الشعب الأحوازي في أهدافه المعلنة التي عمَّدها بدماء شهدائه…إنها ثورة حتى النصر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *