الإمارات العربية في الأحواز

التمدد والتوسع الايراني باتجاه الغرب لم يؤد فقط الي ضم منطقة الاحواز الي الدولة الايرانية الحديثة بل أدي ايضا" الي سلسلة من المحاولات لطمس الهوية القومية لهذه المنطقة العربية التي تظهر الاحداث و الوثائق التاريخية أن امارات عربية عديدة نشأت وتأسست وحكمت في الاحواز طورا لبني أسد وطورا لآل كثير وطورا للسادة امراء دولة المشعشعين والتي كان مركزها الفلاحية في الدورق وبعدها المحمرة مركز امارة البو ناصر التي اسسها الشيخ ناصر بن محمد الكعبي. واليوم وبعد مضي (87)عاما" علي سقوط آخر امارة عربية في الاحواز في العام 1925م علي يد التحالف البريطاني الايراني آن ذاك فاننا نلمس تغيبا" لمعاناة العشائر العربية الاحوازية التي يتعرض ابناؤها للاقصاء والتهميش تحت نير الاحتلال الايراني منذ 87عاما" وعليه بات من الضروري التذكير ببعض الجوانب والمحطات التاريخية المهمة للامارات العربية في الاحواز.
إمارة المشعـشعـين العـربية
أسس هذه الامارة سيد محمد بن فلاح الموسوي في الاحواز عام 844 هـــ /1461م، واتخذ من مدينة الحويزة عاصمة لامارته. وامتد نفوذه الي اغلب مناطق الاحواز وجنوب العراق ومن ضمنها مدينة البصرة حتي وصلت حدود الدولة المشعشعية الي أسوار بغداد بعد ان تمكنت قوات امارة المشعشعين من طرد المغول من مدن واسط والنجف والحلة.
وقد استطاع المشعشعون ان يمكثوا في الحكم مدة طويلة ووقفوا أمام جميع محاولات الفرس والعثمانيين لاحقا" للهجوم علي بلادهم، وكانت لهم عملتهم الخاصة بامارة المشعشعين مما يدل علي قوة واستقلالية اقتصادهم في مختلف العصور. وقد اتخذ الحكام المشعشعون من أولاد وأحفاد سيد محمد بن فلاح الموسوي، عدة ألقاب أطلقت أولا علي بعض امرائهم ثم اصبحت بعد ذلك ألقابهم الخاصة حيث انسحبت هذه الالقاب علي اماراتهم فتارة سميت بامارة المشعشعين نسبة الي السيد محمد بن فلاح مؤسس هذه الامارة الذي كان يلقب بالمشعشع وتارة اخري سميت هذه الامارة ، بامارة الموالي نسبة الي السيد علي بن محمد بن فلاح الموسوي فيقال امارة الموالي أي السادة.. أو كما يقال امارة المشعشعين. وقد بقي المشعشعون أسياد انفسهم مستقلين يحكمون دولتهم في الاحواز وجنوب العراق حتي بدأ الوهن يدب في أوصالها لأسباب وعوامل عديدة داخلية وخارجية، منها صارعهم مع امارة عربية اخري ظهرت في الاحواز عام 1665م هي الامارة الكعبية والتي تمكن أحد أمرائها وهو الشيخ سلمان بن سلطان من توسيع نفوذ امارته علي حساب امارة المشعشعين حيث بدأت امارة المشعشعين بالزوال بعد حكم دام عدة قرون، وقامت علي أنقاضها امارة البو ناصر الكعبية.
إمارة البو ناصر
العـربية الكعـبية
مؤسس هذه الامارة العربية هو الشيخ علي بن ناصر بن محمد الكعبي، وهو من فخذ "البو ناصر" ـ أي بنو ناصر ـ الذي تولي الحكم في عام 1690م وكانت رئاسة القبائل العربية الكعبية المعروفة في جنوب الاحواز الي عائلة البو ناصر الذين اتخذوا مدينة (القبان) مقرا ومركزا لامارتهم. وفي عام 1722م انتصر الشيخ فرج الله بن عبدالله الكعبي علي جيش القاجاريين (الدولة الفارسية في تلك الفترة) الذي كان بقيادة محمد حسين خان. وكان أبرز من تولي الامارة هو الشيخ سلمان بن سلطان بن ناصر الكعبي، الذي نقل مركز امارته من مدينة القبان الي مدينة الفلاحية في منطقة الدورق واتخذها مقرا لامارته في عام 1747م. ويعتبر سلمان بن سلطان بن ناصر من اقوي الامراء العرب الذين حكموا هذه الامارة حيث رأت الامارة في عهده الاصلاح والتقدم والعمران، فحفر الانهر وشق الترع وأقام السدود ونظم الزراعة. كما أنشأ الشيخ سلمان الكعبي اسطولا بحريا جاب مياه شط العرب والخليج حيث أرهب اساطيل الانكليز والفرس والعثمانيين. كما أن الشيخ سلمان أرهب باشا بغداد في وقته كما اشتبك اسطوله مع الاسطول البريطاني التابع لشركة الهند الشرقية واستولي علي سفينتين منها ــ سالي واليخت ــ وسحبهما الي القبان. وبعد وفاة الشيخ سلمان تولي الامارة من بعده أولاده واحفاده وكان آخر من تولي هذه الامارة هو الشيخ عبدالله بن عيسي بن غيث.
إمارة المحمرة
العربية الكعـبية
بعد ان انتقل البو ناصر في عام 1747م من مدينة القبان الي الفلاحية في الدورق تخلفت في مدينة القبان وحولها، ثلاث أسر كعبية هم (النصار و الدريس و البوكاسب)، بقوا قاطنين علي ضفاف نهر كارون وشط العرب فانقسمت بني كعب الي قسمين قسم منهم في الفلاحية والآخر في جزيرة عبادان ومدينة المحمرة. وكان لهذا الانقسام أثره السلبي علي قوة بني كعب التي لعبت دورا ايجابيا في حكم الاحواز وفي منطقة الخليج العربي. وبعد أن سكنت اسرة البو كاسب بزعامة عميدها الشيخ مرداو ضفاف نهر كارون في مدينة المحمرة تعاظم نفوذها بسبب الموقع الاستراتيجي للمحمرة علي شط العرب والكارون الشريان الرئيسي لحياة الامارة الاقتصادية. الذي بدأ الغرب حينئذ يوجه أنظاره اليه لاستغلاله والنفاذ منه الي مشارف الاحواز وما جاورها طمعا في خيراتها وثرواتها الطبيعية. وعندما تولي الحاج يوسف هو الابن الاكبر لمرداو زعامة اسرة البو كاسب عام 1812م قام بتعمير مدينة المحمرة التي شهدت ازدهارا" واضحا" عزز من قوة وسطوة ونفوذ البو كاسب بشكل مكن الحاج جابر المرداو الذي تولي الامارة بعد أخيه يوسف من وضع حجر الاساس لامارة المحمرة العربية الكعبية وبذلك بدء عهدا جديدا في تاريخ الاحواز. وكان من أبرز ما حدث في المحمرة أيام الحاج جابر بن مرداو هو تعرض المحمرة للهجوم العثماني بقيادة علي رضا عام 1837 م الا انه كان هجوما خاطفا لم يغير شيئا من الكيان السياسي للامارة فتألق فيه نجم الحاج جابر بعد أن خرج العثمانيون منها. فالحاج جابر وأبناءه من بعده الشيخ مزعل والشيخ خزعل لم يخضعوا لا للسيادة الفارسية ولا للسيادة العثمانية كما لم يعترفوا بمعاهدة أرضروم الثانية لعام 1847م.
وفي العام 1857م اصدر ناصر الدين شاه القاجاري مرسوما يعترف بالاستقلال الذاتي لامارة الحاج جابر علي الاحواز، وعندما توفي الحاج جابر عام 1881 م انتقلت الامارة الي ابنه مزعل، الذي تمكن من انهاء حكم امارة البو ناصر الكعبية وامارة المشعشعين وكان ذلك في عام 1882م الامر الذي مكنه من توسيع امارته والسيطرة علي قبائلها مستعملا اللين تارة والشدة حينا آخر.وفي عام 1890م افتتحت القنصلية البريطانية في المحمرة وبذلك دخلت الاحواز عهدا جديدا في تاريخ العلاقات الدولية. دامت امارة الشيخ مزعل ستة عشر عاما نافسه في أواخرها أخوه الأصغر الشيخ خزعل وقد تمكن بعض الحاشية من اغتياله في عام 1897م عندما كان ينزل الي قصره في الفيلية من قارب صغير بجانب القصر كما قتل معه سبعة عشر رجلا آخر من حاشيته. تولي امارة المحمرة بعد مصرع الشيخ مزعل أخو الشيخ خزعل.. ويعد الشيخ خزعل.. من الشخصيات العربية البارزة في تاريخ العرب الحديث.. وقد لعب دورا رئيسيا في احداث الخليج العربي والاحواز في الربع الاول من القرن العشرين وقد ساهم مساهمة فعالة في أحداثه واحتل مكانة مرموقة بين امراء الجزيرة العربية وهو لا يقل عن شخصية الشيخ سلمان بن سلطان الكعبي (1737ــ1767) الشخصية البارزة التي حكمت الامارة ابان القرن الثامن عشر. وقد ازدادت أهمية امارة المحمرة العربية الكعبية بعد اكتشاف النفط فيها عام 1908م وترشيح الشيخ خزعل لعرش العراق ودخوله في معاهدات مع بريطانيا وأصبحت له مكانه مرموقة في العلاقات الدولية في المنطقة. وفي عام 1921م أصبح رضا خان قائدا عاما للقوات المسلحة بعد ان أطاح بوزارة السيد ضياء الدين الطباطبائي ثم رئيسا للوزراء وفي عام 1925م تنصب ملكا علي ايران، والذي وجدت بريطانيا فيه ضالتها لبسط سيطرتها علي منطقة الخليج العربي، فتآمرت مع الشاه رضا خان بهلوي ومهدت له القضاء علي الحكم العربي في الأحواز حيث سهلت له القضاء علي الشيخ خزعل بعد اختطافه مع ابنه عبد الحميد بتواطؤ بريطاني حيث اعدموا في طهران بتاريخ 20ــ4ــ1925م.
الخاتمة
علي الرغم من محاولات طمس الهوية القومية للأحواز الا أن هويتها العربية باقية وستبقي بفضل عشائرها العربية و هي عشائر لها مواقفها ومآثرها التاريخية التي لا حصر لها والتي تمثلت بالكرم والبسالة والكبرياء وكانت لها اماراتها الشامخة فيما مضي ومن أهم هذه العشائر العربية في الاحواز عشائر بني كعب والتي تعتبر من كبريات العشائر لما لها من تاريخ عريق وانحدار أصيل وشهرة واسعة في تجسيدها للقيم العربية والتقاليد العريقة الموروثة في اكرام الضيف والاباء والمروة وقوة البأس. كذلك قبيلة تميم وعشائرها مثل عشيرة المصالحة و السلايط و البو طعمة والبو بصيري و الغزلي والغزيوي و آل مصبح، وبيت كنعان، وغيرهم حيث لا يتسع هذا المقال لذكرهم بالتفصيل غير أن معظم تلك العشائر لها امتدادات عائلية متينة مع عشائرها في العراق لاسيما في مناطق البصرة وذي قار وميسان.

