قـبـرٌ بلا عنوان … !

لقد تساحبت کل الغيوم السوداء و تجمعـّت مع بعضها البعض حتی حجبت السماء .
و الناس ، رجالا ً و نساء بدئوا في الهرولة نحو منازلهم . إلاّ الأطفال إستمروا في لعبهم و صراخهم و عويلهم في الشوارع .
و فجأة تصاعد صياح الأطفال ، حين ما إلتحق بهم بعض الصبيان و هم يتراکضون و يتصارخون بأعلی صوتهم : قـتـلوها … قـتــلـــوها … !
و کثرت الضجة حتی ملأت الأجواء . و تداخلت الأسئلة و الأجوبة …
ــ من هي ّ ألتي قـُـتلت … ؟
ــ حسنة ، زوجت قاسم …
ــ من ألذي قتلها … ؟
ــ اخوها و إبن عمها … مزّقوها بلسکاکين … أنا رأيت الدم باُمَّ عينيّ… إمتلئ الشارع بدمها ، و هي تصرخ … " خويه إدخيلکم … والله کذب … والله ماعملت شيئ إيمـّس بکرامتکم … إرحموني … " و لکن نزلوا عليها بلسکاکين . بلا هوادة و لا رحمة … و هم يصيحون و يصرخون عليها " خل نمسح إلعار … لازم تموتي .. موتي .. موتي …
و کان من ضمن الجمهور ، طالبا يدرس في الجامعة ، فرع الفلسفة ، و هو صديق الأخ الأکبر للضحية القتيلة . فحين ما سمع بذالک الخبر ، اصاب رأسه الدوار . فخرجت منه دون انتباه کلمات لم يستطع أن يکتمها في فهمه " قـَتـَله … مجرمين … متخـلفين … !!
دخل الطالب الی غرفته و رمی کل الکتب التي کانت في يده ، علی الأرض غاضبا ً … " قــَتـَـله … مجرمين … متخلفين … "
في نفس الوقت ، دخل عليه صديقه ، و هو يرتجف و لکن بمظهر الإنسان المنتصر قائلا ً " قتلناها … زلنا العار … ! "
ــ قتلتموها … ؟ زلتوا العار … ؟ يا مجرمين … يا قتله … بأي عصرا ٍ تعيشون أنتم … ؟
ــ الناس … کلام الناس … إبتساماتهم … ضحکهم … معايرتهم و سخريتهم لنا … کان لابد لنا أن نزيح العار … الأعمام ارادوا هکذا و انا وافقتهم علی ان يزاح العار …
ــ هل سألتموها … ؟ هل اعطيتموها فرصة کي تدافع عن نفسها … ؟ لماذا … ؟ هل تعيشون لکلام الناس و ثرثرتهم … ؟ يا .. يا مجرمين … ؟
و بکی الطالب بصوت عال و حزين . و بکی معه صديقه ايضا ً …
و خرج الصديق من غرفة الطالب ، و هو يمسح بدموعه . لکي لا يراه الناس يبکي … !
ــــ ــــ ــــ
مضت ايام علی الحدث . و الطالب ما زال يفکر بما جری . کان مخالفا للتدخين ، فصار يد ّخن ! کان لا یحّب الخمر ، و في إحدی الليالي سکر و هرع الی الشارع و هو يصيح :
قتلة … مجرمين … متخلفّين …
کان يحب الکتاب و الدراسة ، کرهها و کره الجامعة و المدرسين .
… بعد مضي بضعة ايام ، دخلت عليه اُخت القتيلة و حين ما رأته في تلک الحال شفقت عليه و بکت علی مصابها و شعرت بحجم الحنان الذي في قلب صديق اخوها …
قام لکي يُرحّب بها ، فمنعته :
ــ خويه … لا .. لا .. ضل قاعد .. انا جئت لک من طرف اخواتي و اُمي … جنازة اُختي ما زالت في المستشفی .. ولا واحد يتجرء و يسعی لتدفينها … و نحن کنساء نخاف ان نتدخل .. نريد منک ان تتصرف … اخونا يحترمک .. و يسمع لکلامک … حاول ان تقنعه ، حتی تدفن اختنا … عيني خويه.. اقديلک فدوة … و خرجت باکية مهضومة . و همومها معها !
ـــــ ـــــ ــــ
بعد ذهاب المرأة المسکينة ثم بعد بضع ساعات خرج الطالب من المنزل و بإکراه الی المقهی لرؤية صديقه … ، فجلس الی جانبه قائلا ً :
ــ انا ارسلت لک اخي ، لنلتقي هنا و لي منک طلب و هو … أن تذهب معي الی المستشفی لکي توّقع علی ورقة السماح ، لتدفين اختک التي قتلتموها جهرا …
إصفر وجه الصديق و صار يرتجف ، و کأن ضميره بدء في الحسبان . و هو يتمتم في الکلام :
ـــ أنا لا ذنب لي . الناس وکلام الناس … و الأعمام قرروا و خططوا و اختاروا اخي الأصغر و إبن عمّي لمسح العار … و هم الآن في السجن … و حين ما نحصل علی رضی اُمّي و اخواتي و زوجها ، سيطلق سراحهم … !
إمتلأ الطالب غضبا و لکن حاول ان يسيطر علی نفسه ، إلا ان الکلمات الاخيرة التي خرجت من فهمه :
ــ و القوانين لصالحکم .. ؟ ! … بأيي عصر نعيش نحن … ؟
ـــــ ـــــ ـــــ
تحت الغيوم ، ألتي التحقت ببعضها و غطّت الشمس و زرقة السماء ، و کأنها تريد ان تعلن حزنها لما يحدث فوق الکرة الأرضية ، و في مقبرة متروکة خارج المدينة . وُضع الجسد المهشم بسکاکين القدر في حفرة صغيرة .
" الوجه بإتجاه القبلة و الارجل نحو قبلة الکفار … " هذا ما ارادته اختها … !
… وبعد إذ ، واروا عليها التراب . و بدئوا يقرئون علی قبرها سورة الفاتحة .
المُغسّلة و اُختها و الطالب ، و لا احداٍ غيرهم … !
الطالب اخذ لوحة مرميـّة علی الأرض ليکتب عليها اسم القتيلة . و الاخت رجته ان لا يکتب الإسم ! … و هو في حيرته من طلب الاخت ، کتب علی اللوحة ( قبرٌ بلا عنون )
و من ثـمّ وتـدّها علی القبر .
بدءت الغيوم ترتعد و تبرق و کأنها تريد ان تشقّ الارض و تنقلب علی رؤوس من يسکن عليها و من ثم بکت دموعها امطاراً غزيرة ، حزنا او قضبا !
و تذّکر الطالب قصة مأساة عيسی المسيح .. و نزول الامطار بعد مماته او کما يقال عروجه …
ـــــ ـــــ ـــــ
توضيح ــ نشرت الحکاية لأوّل مرة في مجلة عيلام العدد الثاني
کانون الأول يناير 2007

