آراء ومقالات

هات يدك

تحول بين المدن وبين القارات ليبحث عن دواء فلم يجد سوى نفس التشخيص ونفس الداء اين ما حل، فالتقى باناس من كافة الاجناس والاعراق منهكون متعبون يتالمون من جبروت هذا  المرض الفتاك، في كل المستشفيات والمصحات الجواب واحد والتشخيص واحد والداء واحد.

 افريقيا وفي اسيا وحتى في اوربا تشرد الناس هناك بحثا عن الدواء وخلال رحلة هذا الشيخ التقى شابا في مقتبل العمر في المصحة كان الشيخ منهكا كاد ان يتعثر فأمسكه الشاب ورافقه حتى الكرسي واجلسه وتجاذبا اطراف الحديث..

فسأل الشاب الشيخ:"لا باس عليك ياعم لكن من أي البلاد انت؟!

رد الشيخ:"انا من الخليج العربي؟"

فقال الشاب:"مرحبا بك يا عم.. أتشكو مما اشكوه؟"

أجاب الشيخ:" نعم يابني فإن كنت حديث العهد بهذا المرض فانا خبرته وخبرني صارعته وصارعني  حتى في الماء والهواء والغذاء.. آه يا بني، لقد إستوطنني وخرب جسدي دون ان أشعر به.. كنت –يابني- شامخا، قويا، كنت امتطي فرسي وأحمل سيفي وأجوب الصحراء طولا وعرضا! كان لي ملك وجاه كنت كالصخرة  تاريخها موغل في العراقة والأصالة التي تقف في وجه الامواج فتتفتت امامها.. كنت من وجهاء القبائل، قبيلتي متجذرة في العروبة والتاريخ  والأصالة.. أنا سليل الأبطال والأمجاد.. يابني، أنا إبن الأحواز بلد الملاحم والبطولات منذ  ثمانية عقود واكثر، ولكن يابني حينما تسلل المرض إلى جسدي لم أنتبه له ولم افتطن إلا بعد ان استفحل فيّ.. كانت هناك أعراض خفية يصعب كشفها الا بعد وقت طويل  فعليك يابني أن تتفطن انت كذلك لأعراضه وتعالجه مبكرا كي لا يستفحل بك..

فرد الشاب بحزن:"نعم يا عماه هذا ما افعله لذلك انا هن وصدفة طيبة أن تعرفت عليك وعلى هذه الأرض التي إقتطعت من وطننا دون أن نعلم!"

فإسترسل الشيخ في الحديث قائلا:" نعم يا بني عليك ان تنتبه فبعد ان شق هذا المرض الخبيث جسدي طولا وعرضا واستفحل فيّ، لم يساعدني أحد، حتى أخوتي وأبناء عمومتي تركوا المرض ينهشني شيئا فشيئا دون أن يحركوا ساكنا.. كأنهم لايعرفونني.. كأن الدم الذي يجري فيّ لايجري في شرايينهم..لذلك تيقض يا بني، قبل ان يستفحل فيك والوقاية خير من العلاج وان كنت اظن ان زمن الوقاية قد تأخر.. أرايت يا بني تلك الزيتونة هناك في ذلك الحقل، أنظر من النافذة عمرها الاف السنين موغلة في التاريخ ومتجذرة في الأرض صحيح أنها صمدت ولكن لابد من الإعتناء بها وحمايتها ووقايتها لحماية ثمارها المباركة.. وبتكافل الجهود والتكاتف ستحيى.. فإن اصيبت زيتونة من كل هذا الحقل فعلى الجميع التكاتف لحماية باقي الحقل ومعالجته قبل ان يستفحل المرض.. أفهمتني يا بني؟"

رد الشاب مرة أخرى:"نعم يا عماه.. أدرك ما تقوله جيدا وأعيه.. أنت الأصل وأنت الحكمة..أنت الصبر وأنت الصمود.. أنت جذورنا الراسخة منذ الآف السنين ثابتة على الحق لا تتزعزع.. أنت حضارة لا يمكن طمسها مهما تكالبت عليها العواصف.. لا تخشى يا عم، فهذه الزيتونة شجرة مباركة ولن تموت.. وبالغرادة والتكاتف سنحميها وسيتراجع المرض ويندحر باذن الله.."

قال الشيخ:"لله دركم أيها الشباب،  فعزيمتكم لا تلين وإرادتكم لاتقهر.. هنيئا لنا بكم، أنتم من سيحمل المشعل! أنتم من سيخنق هذا السرطان ويقضي عليه بيد رجل اعدك.. لكن عدني يا بني أن تحمي أرضك وزيتونتك وكل شبر فيها جذر من جذورك.. مهما كلفك ذلك من ثمن."

فرد الشاب بكل عزيمة إصرار:"أعدك يا عماه.. أعدك!"

فتصافح الشيخ والشاب وعيونهما تتلألأ حماسا حتى نسيا مرضهما ونسيا أنهما في  مصحة.. فكل منهما شعر بأنه قد وجد الدواء عند الأخر حتى نسيا الطبيب كان بإنتظارهما..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى