الاتحاد الخليجي والمستقبل

تعددت الكتابات وكثر النقاش وتباينت المواقف بين المؤيد والمتحفظ حول موضوع الاتحاد الخليجي وفكرة انتقال التعاون الخليجي إلى وحدة شاملة بين دوله، على النحو الذي عرضه العاهل السعودي خلال قمة مجلس التعاون الثانية والثلاثين المنعقدة في الرياض يوم التاسع عشر من ديسمبر 2011. والحقيقة أن طرح المملكة لفكرة الاتحاد لم يأت من فراغ، بل جاء لأسباب موضوعية وانطلاقاً من رغبة حقيقية في رؤية دول الخليج العربي موحدة وقوية في كافة المجالات، لاسيما وأن المنطقة تمر بتحديات ومخاطر كبيرة تستوجب من الدول الخليجية تحركاً سريعاً.
ومن المؤكد أن كل قارئ للكتابات المشار إليها سوف يلاحظ سلسلة من الأطروحات الفكرية حول هذا الأمر الجوهري، حيث إن مجلس التعاون الذي ولد عام 1981 في ظروف سياسية بالغة الحدة كانت تحيط بالمنطقة، فقد كثيراً من مكونات القوة التي تحتاجها دوله حالياً لمواجهة المتغيرات المتسارعة، وما يحيط الإقليم من أخطار تتعلق بطبيعة القوة والتهديدات الإقليمية. فالمجلس لم يعد قادراً على وقف هذه الآلية، وعلى تحقيق كثير من أهدافه… لذلك أصبح الاتجاه الخليجي نحو الوحدة أمراً ضرورياً وبالغ الأهمية، خاصة فيما يتعلق بأولوية تطوير العلاقات بين دوله كي تصبح علاقات تكاملية أكثر تقدماً على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري والتنموي والثقافي والتقني، بما يسهم في وحدة دوله ورفاهية شعوبه.
إن التحول إلى وضعية الاتحاد، حسب وزير الخارجية السعودي، من شأنه أن يمنح مسيرة العمل الخليجي ثقلاً أكبر ومكانة تتناسب مع ما لديها من مقومات القوة الناعمة والإمكانات المادية والجيواستراتيجية المهمة، وسيؤدي إلى إنشاء كتلة اقتصادية قوية وتكامل دفاعي يشكلان الضمان الرئيسي لأمن الخليج العربي ودوله.
ومع ذلك فثمة دعوة وجيهة ترى أن فكرة الاتحاد تحتاج إلى دراسة شاملة ومشاركة شعبية واسعة، لكن هذه الدعوة لا يجب أن تمنع من الإسراع في خلق نوع من الانسجام والاندماج. ولا شك أن خبرات السنوات السابقة للمجلس ستكون دافعاً قوياً لنجاح هذه الخطوة المهمة، حيث كان التعاون الخليجي ولا يزال يمثل تجربة فريدة ومهمة في طريق الاتحاد. أما الاتحاد فسيكون تجديداً لروح التعاون ونقلة كبيرة تتغير عبرها الكثير من معالم الحياة في المجتمع الخليجي، وخطوة جبارة على سلم النهضة والتقدم.
وبالاتحاد سوف يصبح لدول مجلس التعاون نظام ديناميكي تواجه به التحديات والمتطلبات المستقبلية، وثقل سياسي واقتصادي وعسكري ووزن كبير في الساحة الدولية. وإذا ما توحدت دول الخليج واستمرت في الاندماج والتكامل، فستحدث حالة من النمو الكبير والواسع، وستصبح بلدان الاتحاد الخليجي كتلة إقليمية مترابطة فيما بينها.
إننا في الخليج بحاجة إلى منظومة خليجية لديها القدرة على معالجة مسألة التكامل فيما بيننا، كدول وشعوب ومؤسسات، ولن يكون ذلك إلا بتحقيق حالة من التماسك والتكامل والتفاعل فيما بيننا، لذلك يتعين السعي لتحقيق مثل هذا الاتحاد، ولا غنى عن أي جهة في سبيل تحققه، من رجال اقتصاد وموظفين ومثقفين وأكاديميين، إذ على كل مواطن خليجي أن يعرف أن الوفاق والتلاحم والتقارب والتعاون والتكامل… هي العصب الأساسي لتقوية المنظومة الخليجية وتماسك نسيجها العام.


