عذراً داريا
امام رهبة الموت والذعر من الحقيقة، صمت قلمي وفرغت قافيتي من حروف الوصف، بل
وعجزت عن الصراخ كمن تجمد جسده تحت وطأة كابوس عميق لا ينتهي! رباه ما هذا الجنون؟
كنت اتمنى ان يكون كابوسا مع كرهي للكوابيس، الا انه اشد على النفس وقعا من اي وصف
لاقسى الكوابيس. رباه احقا نحن بشر؟ وان كنا كذلك اهكذا يكون البشر؟
ما عدنا نعد الشهداء بالآحاد ولا بالعشرات، بل ما عدنا نعدهم اساسا، بل تعدينا
تعداد المجازر التي يروح ضحيتها المئات واصبح تجار الدم والحروب يحسبون الضحايا
بالجملة وكل شهر بشهره.
صحوت يوم امس على مجزرة في داريا تجاوزت في وحشيتها كل ما يخطر ببال بشر.
رائحة الدم واسراب الارواح البريئة تتطاير خضراء بأجنحة بريئة الى افق دونما
نهاية. فثمة منها من نعرفه بالصورة او بالاسم وكثير منها من لا نعرفه! وللحظات عدت
الى غفلتي ومنيت النفس ان اكون ما زلت غارقا في هذا الكابوس الخانق حتى لا أصدق ما
سمعت وما رأيت! وخلال دقائق من عبث الصراع بين الموت والصحوة، تأكد كل شيء وبدأت
اعداد واسماء الشهداء وفظاعة الحدث تتوارد تترى على المحطات والشبكات لتقذف الألم
والهلع والحزن حتى في القلوب والضمائر الميتة. وسألت نفسي: من اين يتدفق كل هذا
الحقد والجنون؟ ومن اين للفاعل كل هذا الصلف ليحتقر الانسانية بكل مقوماتها
ومعانيها؟
انني اشك ان يفعل اي حاقد وطائفي وقاتل كل هذا الاجرام.لقد مللت عبارات
الادانة والاستهجان وكفرت بالاستنجاد بنخوة العرب وخرافة العالم المتحضر.
فيا ايها الاحوازي والسوري والعربي انهض من سباتك وجهلك، فالحقيقة اننا يجب ان
نموت لنحيا من جديد! يجب ان يموت فينا كل النفاق والجهل والذل والخوف لنبدأ من
جديد، ونجعل منا امة تستحق الحياة!
يا شعبي العربي كفانا انتظار الرحمة من القتلة وكفانا استجداء الغيث ممن تحجرت
قلوبهم وجف الندى في وجوههم. ان كثيرا من المسؤولية تقع علينا نحن. ألسنا نحن من
قبل الذلة لعشرات العقود؟
إن وقف مسلسل المجازر هذا، يتطلب وقفة جماعية مع الذات وقطع كل صلة مع نظام
الأسد قولا وفعلا وفكرا، ونقول «للأعور أنت أعور بعينك» من خلال وضع النقاط على
الحروف، وعندها سيسقط مشروعهم البغيض بأقل تكلفة.
فلا مكان للتخاذل والخوف والنفاق بعد اليوم! حتى لا تذهب تضحيات الثوار
والأبرياء هدرا، فحيا على الكفاح وحيا على الجهاد.
وأنت يا داريا سامحيني فلن أعيرك مدامعي، فقد جف الدمع فيهما، ولكن حري بي
أهبك دمائي التي في الشرايين، وأقول لك صبرا فما دماء أبنائك التي نزفت إلا بزوغ
فجر الانتصار الذي يسبق شروق شمس الحرية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المصدر : جريدة القبس الكويتية


