آراء ومقالات

معاناة اللاجئ الأحوازي

ما من إنسان يضطر لمغادرة وطنه ومفارقة أهله وأحبابه ومرابع طفولته ، إلا
وتنازعته مشاعر وأحاسيس مختلفة تتوحد في الشوق والحنين  للأهل والأحباب ولتلك الأمكنة …وتفاصيل أخرى
ارتبطت بحياته، جميعها تتداخل في تناسق فريد في وعي الفرد لتتشكل الصورة الأقرب
للاستدعاء لذلك الذي ندعوه وطناً . وتتكثف الصورة أكثر وتلح بحضورها عندما يجبر
الفرد على هذا الفراق . ويتنقل معه الحنين أينما حل وارتحل ليصبح الوطن وعداً
والعودة هدفاً وإزالة الأسباب التي أجبرته على الفراق عهداً.

هذا هو حال اللاجئ الأحوازي الذي ضاقت به الحياة في وطنه بما رحبت ، ولجأ
مجبرا ليبحث عن ملجئ يجيره إلى حين . امتدت به ديار الشتات في كل الاتجاهات منها
انتقالية وأخرى للاستقرار فيها إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا .

وبصفتي لاجئاً في إحدى الدول العربية أي (في المرحلة الانتقالية )، مر على
لجوئي أكثر من عامين باحثا عن فرص الانتقال إلى بلد ثالث في إحدى الدول الغربية
التي تفتح مجال الهجرة للاجئين في العالم ، لذا وددت أن أكتب شيئاً ولو قليلاً عن
معاناة اللاجئ الأحوازي في رحلة اللجوء ، ربما شاركه في ذلك آخرون بصورة أو بأخرى
. لجوء من غير هداً ، شرقاً إلى مجاهيل جنوب شرق آسيا أو شمالا إلى تركيا وما
بعدها أو غربا وهو خيار الأغلبية نحو الدول العربية التي يعتقدها اللاجئ الأحوازي
أنها أقل وطأة ، بل ربما لن تنطبق عليه صفة اللاجئ لاعتبارات كثير كوحدة العرق
واللغة وتماثل البيئة … وغيرها . إلا أن كل ذلك لم يخرج من طور الأماني والعشم
..

فبعد أن يتجاوز مخاطر العبور إلى دولة العراق يعتقد الأحوازي أنه فلت من
قبضة الفرس ، وإنه نجى بحياته وإلى الأبد من مصير مجهول كان يطارده في وطنه ، إلا
أن الحقيقة المرة كانت غير ذلك ، فحال الأحوازي العربي الذي يستجير بالعراق بعد
الغزو (الأمريكي – الفارسي) شبيه بحال من استجار من الرمضاء بالنار ، فيبدأ في
داخل العراق جولات التخفي والتنكر … والخوف الذي يحرك العيون في محاجرها ، ويضخ
الدماء في العروق دون انتظام ، والتعرض للابتزاز ، ودفع الرشاوي . فرجال الأمن
الذين يجيدون الفارسية ( بالتأكيد ليسوا من الأحواز) يجوبون بحثا عن من يثير
شكوكهم ، السحنة واللغة العربيتين لا يشفعان ولا يستران .. سقط الكثير منهم في
أيدي الأمن العراقي الأمين لعهد الفرس  ،
وبعد فترة سجن وتعذيب يتم تسليمهم إلى الفرس وفاءً للعهد رغما من النداءات الدولية
التي تدعو الطرف العراقي بعدم تسليم الأحوازيين للدولة الفارسية التي لا تصان فيها
حقوق الإنسان ، وأذكر منهم  المناضل
المهندس محمد علي العموري الذي سلمته السلطات العراقية للدولة الفارسية عام 2011
وصدر بحقه الحكم بالإعدام منذ بضعة

أشهر . ولا زال عدد من الأحوازيين يقبعون في سجون الدولة العراقية ، هذا
فضلا عن العوائل الأحوازية المنسية في مخيم الوليد في الحدود السورية العراقية .

وتستمر معاناة الأحوازي أينما انتقل ورحل ، وإذا ما نجح في الافلات من
الأمن العراق وقع في مجال سيطرة جهاز أمن دولة أخرى ، وكان أسوأها جهاز الأمن
السوري الذي تخصص في اصطياد اللاجئين الأحوازيين وخاصة الناشطون منهم في المقاومة
الوطنية الأحوازية ، وتسليمهم للدولة الفارسية كصيد ثمين يثبت به ولاء النظام
السوري ويرفع رصيده في العمالة للفرس ، ليتأكد بذلك بأن قيادة حزب البعث وبشار
الأسد أكثر عداءً وغدرا للشعارات القومية التي كانوا يرفعونها ، ويزايدون بها على
الآخرين .

لم تراع الحكومة السورية  معاهدات
دولية بخصوص اللاجئين ، عندما اعتقلت عدد من الأحوازيين الذين تم قبولهم رسمياً من
الدولة السورية أولاً ومكتب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بدمشق ثانيا ، استجابةً
لطلب المخابرات الفارسية ، وتسليمهم لها ليواجهوا مصيرهم سجناً وتعذيبا وقتلاً
.  وإليكم بعض أسماء الذين سلمتهم الحكومة
السورية : المناضلة معصومة الكعبي (عائلة المناضل حبيب جبر) و أولادها الخمسة عام
2008 ، سعيد صاكي معلم تاريخ ،فالح  عبد
الله المنصوري يحمل الجنسية الهولندية قبض عليه أثناء  زيارته لسوريا عام 2006 ، سعيد حمادي ، جمال
عبيداوي،  حسين يابر نيسي ، وجاسم نهبان
نيسي متزوج  ولديه طفل …وآخرون.

 بعد هذا الغدر من نظام
“بشار” للأحوازيين ، انتقل من تبقى منهم إلى لبنان خفية ، ووجدوا الوضع
في لبنان أفضل نسبيا من سوريا والعراق لأن الحكم في لبنان أبعد ما يكون من العمالة
للدولة الفارسية ، إلا أن نشاط أتباعها ونفوذهم في الأمن العام اللبناني يقض
مضاجعهم ، ويجعلهم في حالة حظر دائم . إلا أن هذا الاطمئنان النسبي لم يحول دون
تمكن سفارة الدولة الفارسية بواسطة أتباعها في الحكومة ، إلى استصدار قرار يمنع
إعطاء فرص الهجرة للأحوازيين عبر لبنان . ولم يحد من المحاولات الفاشلة لأتباع
الدولة الفارسية الساعية إلى تسليم بعض الأحوازين إلى المخابرات الفارسية ، وأذكر
منهم محمد هادي إبن المناضل هادي بطيلي والذي يتواجد الآن مع عائلته في هولندا.

إمارة الأحواز، في عهد الدولة العثمانية كانت ملجأ لكل العرب ،لكن اليوم
أصبح الأحوازيون يطلبون ملجأ يستجيرون به عند العرب ولا يجدونه ، القيم السامية
التي عرف بها العرب في تاريخهم المجيد كالكرم ونجدة الملهوف ، وإجارة المستجير
عرفناها في شعر الأولين ومحفوظة بعناية في كتب التاريخ ، نلجأ إليها ونجترها كلما
استدعى الأمر ، وغلبا للتفاخر والتمايز بها على غيرنا من الشعوب . ولكن الحقيقة
المرة أن الحكومات العربية لا علاقة لها بهذه القيم ، بل إن من يتمثل هذه القيم
ويخلص لها هي حكومات لا علاقة لها بالتاريخ العربي والقيم التي ننسبها لأنفسنا دون
غيرنا. فوضع الأحوازيين في الدول العربية التي لجئوا إليها لا يقل سوءا عن وضع
الأحوازيين تحت الاحتلال .

 فهل يا ترى هل تبقى معاناة
الأحوازيين مستمرة على هذا الحال في الدول العربية ؟؟ أم يقبلونهم كلاجئين
يستجيرون بهم بدل أن يهاجروا إلى الغرب البعيد عنا مكاناً وقيما . ؟ أم تبقى
المصالح هي فوق كل شيء  و نبقى نحن وحدنا
نصرخ  وننادي …. ولا حياة لمن تنادي .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى