آراء ومقالات

الاتفاق النووي الإيراني ومكامن الفشل


 

 

كان ومازال الملف
النووي الإيراني من أهم الملفات الدولية الأكثر جدلاً وتعقيداً، أو هكذا طرُح في
وسائل الإعلام الدولية والإقليمية، وبقي هذا الملف يراوح مكانه في المفاوضات بين
إيران والمجتمع الدولي، خلال العقد الأخير؛ رفضت إيران الامتثال لرغبة المجتمع
الدولي في وقف برنامجها النووي المثير للجدل أو إخضاعه للتفتيش والرقابة الدولية؛
وقد تحمل اقتصاد إيران المتدهور، خسائر فادحة تقدّر بمئات مليارات الدولارات نتيجة
العقوبات الاقتصادية التي فرضها المجتمع الدولي، بما فيها الولايات المتحدة
الأمريكية والاتحاد الأوروبي؛ وعاشت إيران عزلة سياسية ودبلوماسية، إقليمية
ودولية، لم تشهدها من قبل.

 

لكن بعد مرور عشر سنوات
من المراوغة والمحاولة للالتفاف على العقوبات والعزلة، فشلت إيران في الوصول
لمبتغاها وهو الحصول على السلاح النووي أو كسر العقوبات وتفاديها؛ وبالتالي خضعت
إيران لقبول اتفاق وُصِف بالمذلِّ حتى في الأوساط السياسية داخل النظام الإيراني
وعلى رأسهم التيار المتشدد والحرس الثوري الإيراني المقرّبان من المرشد الأعلى
خامنئي؛ ووقّعت إيران في شهر نوفمبر من العام الماضي على اتفاق عرف بـ “خطة
العمل المشتركة” مع دول (5+1)؛ وقبلت نقاط كانت تعتبرها خطوطاً حمراء لا يمكن
الحديث عنها، فقد ربطتها بكرامتها وأمنها القومي، مثل حقّها في تخصيب اليورانيوم
والتفتيش المفاجئ خاصة للمنشآت التي قالت عنها عسكرية وليس لها علاقة بالنووي مثل
مفاعل بارشين وغيرها.

 

رغم اعتراف العديد من
المسؤولين الإيرانيين خاصة البرلمانيين منهم، بأن إيران لم تحصل على ما كانت تريده
من الاتفاقية النووية، التي وقعت في شهر نوفمبر من العام الماضي، لكن مازال فريق
الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث عن إنجازات وانتصار إيران في المفاوضات النووية
مع مجموعة (5+1)؛ ويصر على أن حق إيران في التخصيب قد ضُمِن لها في الاتفاقية،
وسترفع العقوبات عنها بشكل تدريجي؛ لكن ما جاء في الاتفاقية هو حقّ الحصول على
يورانيوم مخصب وليس الحق في التخصيب لإيران؛ وهناك فرق بين حق التخصيب وبين حق
الحصول على يورانيوم مخصب، وليس هناك سقف زمني محدد لرفع العقوبات عنها؛ وقد نشرت
وزارة الخارجية الإيرانية نصاً عن الاتفاقية النووية يختلف عن النص الأصلي ويتطابق
مع الرؤية الإيرانية لأجل الاستهلاك الداخلي وخداع الرأي العام في إيران.

 

ولتسليط الضوء على
تفاصيل الاتفاقية النووية التي وقعتها إيران مع الدول (5+1) وهي: (الولايات
المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، الصين، روسيا، ألمانيا) في شهر نوفمبر من
العام الماضي، نلقي نظرة على ما جاء فيها، لنبيّن الحقائق كما هي وليس كما تدعي
إيران.

 

الإتفاقية تتشكّل من مقدمة،
وثلاث مراحل، والنتيجة النهائية، وتسمى “خطة العمل المشتركة”.
Joint Plan of action.

بدأت المرحلة الأولى (The
first Step)
في يناير الماضي لهذا العام وتستمر لفترة ستة أشهر، ويمكن تمديدها
(
(Renewable. ولم يُذكَر تاريخ بداية ونهاية المرحلة الثانية، أما المرحلة
الثالثة من الاتفاقية ستبدأ في نهاية شهر نوفمبر من عام 2014 ولم تحدد نهاية هذه
الفترة، ويمكن أن تستمر لفترة 20 عاماً؛ وتزكّيالمنظمة الدولية للطاقة الذرية
أفعال إيران وجميع خطواتها وطريقة تطبيق الاتفاقية النووية على أرض الواقع.

 

بموجب هذه الاتفاقية،
فإنّ إيران ملتزمة بتطبيق النقاط التالية:

–      
تقديم جميع المعلومات المتعلقة بالمشاريع النووية للمنظمة الدولية للطاقة الذرية.

–      
إعطاء جميع المعلومات حول مشاريعها المستقبلية المتعلقة بالمنشآت النووية، وحول
مصدر المواد المستخدمة في مفاعلها النووية.

–      
ملتزمة بإعطاء المعلومات حول مفاعل آراك.

–      
ملتزمة أيضاً بإعطاء معلومات عن مصانع إنتاج أجهزة الطرد المركزي.

 

التزامات إيران ليس فقط
أمام دول (5+1) بل أمام الاتحاد الأوروبي، بمعنى على إيران إرضاء جميع دول الاتحاد
الأوروبي بما يخص التزاماتها وتعهداتها في اتفاقية جنيف، إضافة إلى الولايات
المتحدة الأمريكية والصين وروسيا؛ وفي حال حصل خلاف بين إيران و(5+1)، فإنّ الحكم سيكون
للمحاكم الدولية؛ وفي هذا الحال يكون الحكم لصالح الدول الغربية.

 

المرحلة/ الخطوة
الثانية 
(The Second Step)

لم يذكر تاريخ البدء
وانتهاء هذه المرحلة؛ على إيران في هذه المرحلة أن تنفّذ قرارات مجلس الأمن
المرتبطة بالمفاعل النووي، وهي تنصّ على تعليق جميع أنشطتها النووية؛ وألزمت إيران
نفسها في هذه الاتفاقية أن يكون عملها مرضٍ لمجلس الأمن 
Satisfactory)) في
جميع خطواتها على أساس قاعدة أو منطق “كل شيء أو لا شيء” 
Nothing is agreed
until everything is agreed.

 

هذه الجملة مكتوبة بشكل
صريح في مقدمة ونهاية الاتفاقية؛ الاتفاق على كل شيء أو لن يتم الاتفاق على أي
شيء؛ بمعنى أن هذه الاتفاقية شاملة وغير مجزأة ويجب أن يتم تطبيقها خطوة بخطوة.

 

شورى لحل الخلافات: A Joint Commission of
Monitor

مهمة هذه الشورى هي:

1-  الإشراف على
تنفيذ الخطوات، للفترة القريبة المقبلة. 
(near – term)

2-  النظر في
المشاكل المحتملة أو المستجدات الطارئة. (
Address issues that
may arise
).

ولا ترفع العقوبات إلا
بنهاية مرضية للطرفين(
Satisfactory conclusion.)
والمنظمة الدولية للطاقة الذرية تتحمل مسؤولية التصديق على الإجراءات المتعلقة
بالبرنامج النووي الإيراني.(
Address issues that may arise with the LAEA
responsible for verification of nuclear-related measures.
).
بمعنى على المنظمة أن تراقب جميع خطوات إيران ولا يحق لإيران أن تراقب أو تشرف على
خطوات الدول (5+1) بما يتعلق تطبيق الاتفاقية النووية بين الطرفين؛ وفي حال عدم
التزام إيران بتعهداتها، أو عدم تصديق خطوات طهران من قبل المنظمة الدولية للطاقة
الذرية سيُنقل ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن كما حصل في السابق.

 

المرحلة/ الخطوة
النهاية 
(Elements of the final Step)

في هذه المرحلة الطويلة (Long
term)
على إيران أن تزيل قلق وشكوك المجتمع الدولي بشكل كامل وشامل حول
مفاعلاتها النووية مثل مفاعل آراك. (
Fully resolve concerns.وتُعلَّق
العقوبات بنسبة 5% فقط حتى نهاية المرحلة الثالثة والتي لم تُحدَّد نهايتها.

 

وقد حُدِّدت في البند
الرابع من الاتفاقية شروط التوافق النهائي بين إيران ومجموعة (5+1) بالشكل التالي:

1-  الاتفاق على
احتياجات إيران العملية أو المحدودية الواقعية من اليورانيوم المخصب 
Consistent) (with
practical – needs 
. أي التخصيب على أساس احتياجات إيران العملية وبشكل محدود حسب
اتفاق الطرفين.

2-  التوافق على
المقدار ( 
Level).

3-  التوافق على
الظرفية (
Capacity ).

4-  الاتفاق على
حجم ومخزونات اليورانيوم المخصب
(Stocks of enriched uranium) .

5-  الإطار ومجال
التخصيب 
(Scope).

6-  مكان تخصيب
اليورانيوم.

7-  عمليات إزالة
القلق عن طريق الشفافية بالعمل.

8-  التوقيع على NPTوهي اتفاقية التفتيش
المفاجئ وتنفيذها (وقَّعت إيران عليها عام 2003 لكن لم تنفِّذها حتى الآن). وهذا
الأمر يعني أن جميع مفاعلات إيران تكون تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛
وأن الوكالة تتمكن ودون مماطلة من إيران، أن تحصل على المعلومات عن أماكن تخصيب
اليورانيوم، والأشخاص والمؤسسات المرتبطة بالنووي، وجميع البرامج المرتبطة بتطوير
الوقود النووي لفترة 10 سنوات؛ ويمكنها الدخول إلى جميع الأماكن السرية ونصب أجهزة
المراقبة المرتبطة بالقمر الصناعي وبالأجهزة فوق الصوتية؛ إضافة إلى حرية وحصانة المفتشين
الكاملة في التحرك والتفتيش وزيارة الأماكن والأشخاص دون موعد مسبق.

 

مرحلة الخطوة اللاحقة
للاتفاقية 
Following successful implementation of the final step

بعد التنفيذ الناجح
للمرحلة النهائية والحل الشامل لملف إيران النووي يتم التعامل مع طهران كأي بلد آخر
لا يملك السلاح النووي وعضو في البروتوكول الإضافي (
(NPT

Following successful
implementation of the final step of the comprehensive solution for its full
duration, the Iranian nuclear program will be treated in the same manner as
that of any non-nuclear weapon state party to the NPT.

 

بعد كل هذه التفاصيل
التي كُشِفت من خلال النص الأصلي للاتفاقية، والتصريحات العديدة للمسؤولين
الأمريكيين والأوروبيين، والتي تتناقض بشكل كبير مع النصوص والادعاءات الإيرانية،
خرجت أصوات كثيرة في الشارع السياسي الإيراني، خاصة بين الحرس الثوري الإيراني
(الباسداران) والتيار المتشدد، مُحتجَّة ورافضة للاتفاقية.

 

ربما من أهم التصريحات
الرافضة، تصريح محمد جواد لاريجاني رئيس السلطة القضائية ورئيس مجلس حقوق الإنسان
في إيران، الذي صرّح لوكالة فارس للأنباء في منتصف شهر يناير: “لا نقبل الاتفاقية
ولن نطبقها على أرض الواقع1“.

 

ويمكن تلخيص مكامن فشل
هذه الاتفاقية بالنقاط التالية:

1-             
مجيئ رئيس إيراني متشدد في الانتخابات الرئاسية المقبلة، يمكن أن ينسف كل ما تمّ
الاتفاق عليه من قبل حكومة روحاني، خاصة أن الحرس الثوري الإيراني سيقف إلى جانب
من يتخذ هذا الموقف.

2-             
الخداع الإيراني المستمر عبر المحاولات التضليلية تجاه المجتمع الدولي بشكل عام
والمنظمة الدولية للطاقة الذرية بشكل خاص.

3-             
التعنّت الإيراني واستمراره في بناء محطات نووية وتطوير أجهزة طرد مركزي وتخصيب
اليورانيوم استناداً إلى تفسير طهران للاتفاقية النووية.

4-             
عدم ذكر تاريخ نهاية المرحلة الثالثة في الاتفاقية يعزز هواجس الخوف من مصير
الاتفاقية المجهول، بما يتعلق بإمكانية رفع العقوبات في الفترات القريبة، حيث لا
يتحمل الاقتصاد الإيراني عام إضافياً في ظلّ العقوبات؛ وقد طُرِح هذا التخوف في
البرلمان الإيراني من قبل معارضي هذه الاتفاقية.

5-             
تطوّر الخلاف في تفسير بعض بنود الاتفاقية وطريقة تطبيقها بين إيران من جهة ودول
(5+1) من جهة أخرى؛ وهذا الخلاف برز منذ الساعات الأولى للتوقيع على الاتفاقية.

6-             
 سيطرة إيران المحتملة على بعض الدول العربية مثل البحرين أو اليمن أو سورية
أو غيرها، يدفع إيران إلى تعزيز موقفها في التفاوض وفرض شروط جديدة حول ملفها
النووي مما يسبب فشل هذه الاتفاقية.

7-             
تحفّظ وعدم رضا بعض الدول الإقليمية عن الاتفاقية، يمكن أن يساهم في فشلها، إذ لدى
بعض الدول هواجس خوف من أن هذه الاتفاقية ونتائجها ستكون على حساب أمنها
واستقرارها.

8-             
تطوّر وتوسّع معارضة الكونغرس الأمريكي للاتفاقية قد ينسفها من الأساس، وقد فرض
الكونغرس عقوبات على إيران بعد مرور أسابيع فقط من توقيع الاتفاقية.

9-             
عدم اقتناع أي دولة غربية بما تقدمه إيران تجاه التزاماتها حول ملفها النووي؛ حيث
إيران ملتزمة بإرضاء جميع دول الاتحاد الأوروبي بما يخص التزاماتها وتعهداتها في
اتفاقية جنيف، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا.

10-        
تطوّر التأزّم بين روسيا من جهة والدول الغربية من جهة أخرى، والذي أخذ منحى
تصاعدياً بعد أحداث شبه جزيرة القرم، وقد يلقي بظلاله على الاتفاق النووي
الإيراني.

11-        
احتمال استخدام ملف إيران النووي من قبل روسيا، كورقة ضغط على الغرب من أجل
التخفيف عنها في قضية القرم، وبهذه الحالة سيكون الاتفاق في مهب الريح.

 

المصادر:

1-     http://www.iranpressnews.com/source/164834.htm

 الإتفاقية
النووية بين إيران ودول (5+1). النص الرئيسي باللغة الانجليزية

 الاتفاقية
النووية بين إيران ودول (5+1). النص الايراني باللغة الفارسية

 التصريحات ومواقف
الاطراف المختلفة وتفسيرها للاتفاقية (المعارضة والمؤيدة)

 تفاصيل الاتفاق
حسب البيت الأبيض

http://arabic.cnn.com/2013/world/11/24/us-iran-details-deal/

 النص الكامل
بالفارسي للاتفاق النووي من قبل وزارة الخارجية الإيرانية

http://www.farsnews.com/newstext.php?nn=13920903001384

جزئيات الاختلاف بين
النص الأمريكي والإيراني

http://www.iranpressnews.com/source/162366.htm

http://www.roozonline.com/persian/news/newsitem/article/-41a89a0da0.html

النص الكامل للتفسير
الأمريكي للاتفاقية

http://www.598.ir/fa/news/185250/%D9%85%D8%AA%D9%86-%DA%A9%D8%A7%D9%85%D9%84-%D8%AA%D9%81%D8%B3%DB%8C%D8%B1-%D8%A2%D9%85%D8%B1%DB%8C%DA%A9%D8%A7-%D8%A7%D8%B2-%D8%AA%D9%88%D8%A7%D9%81%D9%82-%DA%98%D9%86%D9%88

تصريح عراقتشي حول النص
الأمريكي للاتفاقية

http://www.icana.ir/Fa/News/242181

مركز المزماة للدراسات
والبحوث


                        

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *