الأخبار

رؤية غير مستقرة وتسرع في اتخاذ المواقف

استبشر الشعب العربي الأحوازي الخير
وعلى رأسه الطبقة السياسية والتنظيمات عندما هدد بوش الأبن الدولة الفارسية
وتوعدها بضربة عسكرية واسقاط نظامها الإرهابي، ولكن ما لبث حتى اكتشف أن هذه
التهديدات مجرد فقاعات إعلامية للاستهلاك المحلي وترمي إلى أهداف قد تخدم الدولة
الفارسية أكثر مما تضرها. ومرة أخرى ابتهج الكثير من أبناء الأحواز بما فيهم
الطبقة السياسية حينما انتفض الشعب الأحوازي في الخامس عشر من نيسان عام 2005 م
وأشعل فتيل ثورته في وجه الاحتلال الفارسي، وباتوا يعدون الأيام والليالي في
انتظار التحرر والانعتاق من العبودية والاحتلال الفارسيين أو على أقل تقدير الحصول
على الحد الأدنى من حقوقهم المدنية. ولكن بعد فترة وجيزة اكتشفوا عكس ما كانوا
يظنون – رغم التغييرات الإيجابية التي أتت نتيجة لانتفاضة نيسان المجيدة لصالح
القضية الأحوازية
.

وفي مرات عديدة استاء الشعب الأحوازي
وعلى رأسه الطبقة السياسية، بسبب الانفراجات التي تحدث بين الحين والأخر للوضع
السياسي الخاص بالدولة الفارسية ومنها تيسر المفاوضات حول الملف النووي أو تحسن
علاقات الدولة الفارسية مع دول الجوار والعالم. وهكذا استمررنا نحن الأحوازيين عند
تفاعلنا مع القضايا والأحداث السياسية في داخل الأحواز وخارجها، وحول قضايا
أحوازية بحتة أو عربية وإقليمية، نتأثر بالأحداث والمتغيرات بسرعة هائلة بل أكثر
بكثير مما يمكن توقعه، ونربط غالبية الأحداث والتطورات السياسية في المنطقة
ونتائجها بالقضية الأحوازية مباشرة وكأنما قضيتنا هي القضية المركزية للعالم فتدور
العلاقات الدولية حولها
.

من الطبيعي أن نتأثر سياسيا بما يحدث
حولنا ونتفاعل مع الأحداث ولكن من غير الطبيعي أن يكون هذا التأثر بسرعة ضوئية، لا
يخضع للنقاش ولا يتأنى صاحبه قبل تغيير خطابه أو مواقفه. فهذا التسرع في التحول
والتقلب من موقف لأخر لم يعطنا الفرصة الكافية للتفكير وإعادة قراءة المشهد
السياسي حسب معطياته السياسية ولم يفسح لنا المجال لإعادة النظر في مواقفنا بما
يخدم قضيتنا، وإنما في غالب الأحيان يفضي إلى نتائج تضر بالقضية الأحوازية وتدعم
صفة التقلب والمراهقة السياسية الملتصقة بنا وتعطي عنا صورة غير إيجابية للأخرين
.

مبدئيا لا أحد يعارض التغيير في
الخطاب والمواقف، ومنطقيا لا أحد يستطيع تجنب التغيير، فساحتنا تتشابك فيها
المواقف النضالية بالسياسية ومن خصوصيات السياسة لا ثابت فيها غير المصلحة
والتغيير. ولكن من الضروري أن تخضع قرارات التغيير ووجهات النظر التنظيمية على وجه
الخصوص إلى التمحص والتدقيق وتأخذ وقتا أكثر في تفاعلها مع الأحداث والمتغيرات
الأحوازية أو الإقليمية ثم الاستجابة لها بما يخدم المصلحة العامة. فالسرعة في
التقلب بالمواقف والتغير بسبب المستجدات السياسية وربط جميع الأحداث في العالم
بالقضية الأحوازية، يقزم قضيتنا ويُضعفها أكثر مما يعكس اهتمامنا بالقضية
واستجابتنا للواقع. إذا كنا نعتبر القضية الأحوازية هي قضيتنا الأولى فالعالم كله
لا يعتبر الأحواز قضيته الأولى وتختلف مكانتها في سلم الأولويات والاهتمامات عند
الجهات الفاعلة في المنطقة -إن كانت موجودة فعلا في هذا السلم
.

قد يكون ضروريا أن نتمتع بالمرونة
الكافية في تعاطينا مع الأحداث والمستجدات السياسية، وقد يكون ضروريا في بعض
الأحيان أن نكون سريعي الاستجابة للمتغيرات. ولكن هذا لا يعني أن تكون سياستنا
ومواقفنا مبنية فقط على ردة الفعل والتسرع بالحكم واتخاذ القرارات المتسرعة، بعيدا
عن دراسة الظواهر والأحداث والاحاطة بها من جميع الجوانب. فبغض النظر عن الظاهر
الإيجابي أو السلبي لقراراتنا ومواقفنا فإذا لم تبن على أسس رصينة وإذا كانت تأتي
مستعجلة، فبكل تأكيد على المدى البعيد تؤثر سلبا على الساحة السياحية الأحوازية
وتضيف احباطا على الإحباط الموجود وتساهم في التشويش على من يريد دعم القضية
الأحوازية، والتجارب الأحوازية تثبت هذا الكلام
.

مخطئ من يظنّنّ أن الأحواز تتحرر
بسهولة ومخطئ من يظنّنّ أن الدولة الفارسية تستطيع أن تصفي القضية الأحوازية وتقضي
على شعبها بنفس السهولة وعلى المدى القريب، حتى يتسرع ويتعجل في تعاطيه السياسي
حول القضية الأحوازية. وإنما هذه القضية صعبة ومعقدة لكلا طرفي الصراع الأساسيين
(الشعب العربي الأحوازي والشعب الفارسي) وتؤثر وتتأثر بأطراف إقليمية ودولية. وعليه
ألا نستعجل أثناء تعاملنا مع المتغيرات بإطلاق الاحكام الجائرة والمساهمة في منع
الدعم الضعيف أو المفقود أصلا وإعطاء انطباع سيء، يسيء للشعب العربي الأحوازي
وقضيته العادلة، وإنما التريث قبل اتخاذ القرارات الحساسة والوضوح في السياسة
التنظيمية والالتزام بها والتأني قبل تغيير الخطاب السياسي، تعتبر من المعطيات
السياسية التي تبرهن عن مستوانا السياسي ووعينا للمرحلة التي نعيشها وقد تساهم في
فتح الأبواب المؤصدة أمام القضية الأحوازية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى