آراء ومقالات

الأحوازيات صورة استثنائية للاضطهاد بين النساء العربيات

في الوقت الذي يصارع فيه الأحوازيون رجالا ونساء الاحتلال الأجنبي بدايات قرن العشرين، كانت النساء في شتى الدول الأوروبية والشرقية تطالب بحقوقها من حكومات بلدانها لتقننها وتدرجها في الدساتير. ونالت المرأة في أنحاء كثيرة من العالم نسبة هامة من حقوقها وباتت توصف بأنها نصف المجتمع وأحيانا أساسه، فتجدها تكافح في بيتها أو في عملها، وفي نفس الوقت تربي وتعلم أطفالها، كما تجدها تنافس الرجل في شتى المجالات والمستويات العلمية  والعملية.

كان من المفترض أن تكون الأحوازيات وارثات للحقوق التي كانت تتمتع بها المرأة العيلامية، نسبة لحضارة قديمة عمرها 5000 سنة انتشرت بمنطقة الأحواز. كانت نساء الأحواز خلال هذا العهد يتمتعن بحقوق أكثر من الرجال منها الإرث، فالعيلامية تحصل على إرث وأموال زوجها بعد الوفاة، وأيضا كانت تقدس كالآلهة عند العيلاميين، ولها حق الشهادة لدى القضاة وحقوق أخرى، وبصمات وإنجازات العيلاميات ما زالت مخلدة في الآثار العيلامية. لكن للأسف تعيش الأحوازية اليوم تحت وطأة أصعب الظروف في غياب الحماية، القوانين والتشريعات. كما يمارس ضدها أبشع وجوه العنف والاضطهاد والتعسف والتهميش الممنهج بغرض تغييبها عن المشاركة الفاعلة في الحياة العامة وحبسها داخل جدران وزوايا البيت.

من هي المرأة الأحوازية

يمكن أن نختصر المرأة الأحوازية في الأسيرة فهيمة البدوي التي اعتقلت مع زوجها الشهيد علي المطوري قبل ما يقارب عشر سنوات، وأعدم زوجها بينما كانت هي على وشك الولادة، وما زالت تقبع في سجون الاحتلال مع طفلتها “سلمى” التي أنجبتها خلف القضبان.

وتقول إحدى المناضلات الأحوازيات لتعريف المرأة الأحوازية “کحل عينيها العربي وعباءتها السوداء وشريط دمية طفلتها المغصوبة وصراخها وأياديها المكبلة إنها فهيمة وهدى وسكينة وزهراء ومعصومة وسلمى مولودة الانتفاضة التي أرادوا أن يدفنوها تحت طيات الحقد”، هذه عينة من الأسيرات الأحوازيات في السجون الإيرانية.

النسيج القبلي وعادات وتقاليد المجتمع الأحوازي والتمسك بالبائد منها يمنع المرأة من حياة مدنية عادية فعلى سبيل المثال عديد العائلات الأحوازية العربية تمنع الفتيات من التعليم العالي وتعتقد أنه يكفي الفتاة أن تجيد القراءة والكتابة لتسيير أمورها. وفي الوقت ذاته، تؤكد إحصاءات حكومة الاحتلال أن 65 بالمئة من الفتيات العربيات الأحوازيات في عمر أقل من الخامسة والثلاثين لا يجدن القراءة والكتابة، وأن معدل الأميات فوق هذه السن يصل إلى 95 بالمئة.

أما من الناحية الاجتماعية والأسرية فهناك عديد المشاكل التي تنغص حياة الفتيات الأحوازيات وتدعو إلى القلق، ولعل أهمها إخضاعهن للزواج العرفي أو الزواج التقليدي الذي يسلبهن حق اختيار شريك الحياة لأنهن غالبا ما يكن مرغمات على الزواج تحت مسميات مختلفة مثل الزيجات “الفصلية” أو ”الإحسان” أو “الخمسية” ولا يؤخذ بآرائهن ولا يسألن عن موافقتهن من عدمها.

ومما لا شك فيه أن وجود الاحتلال الفارسي ضاعف معاناة المرأة الأحوازية في ظل المجتمع القبلي الذي جعل من هذه المعاناة واقعا يوميا، فعندما استولت دولة الفرس على الأحواز العربية تغير نسيج المجتمع الأحوازي، كما تغيرت اللغة الرسمية من العربية إلى الفارسية، وأجبرت السلطات الحاكمة النساء على خلع الحجاب وتغيير زيهن العربي.

وتزايدت هذه التغييرات الدخيلة على المجتمع الأحوازي بارتفاع هجرة الفرس من مدنهم إلى الأحواز بهدف تغيير الطابع السكاني للمنطقة، وبما أن نسيج المجتمع الأحوازي كان مبنيا على القبائل والعشائر، وبما أن التفكير الأحوازي العربي ينطوي على الحساسية والتعصب تجاه المرأة وعلى استضعافها والخوف عليها من الوقوع في أيادي الاحتلال في آن، فقد نشأت بيئة وعقلية تؤمن بمحاصرتها في دائرة ضيقة تكون قادرة على حمايتها.

لكن في واقع الأمر أدى هذا التعامل المنغلق إلى تغييب الأحوازيات من الساحة العامة ومن الشأن العام وحرمت من المشاركة الفعلية في الحياة الاقتصادية والسياسية وحتى في مجال النشاط المدني والمجتمعي، حيث يبدو جليا غيابها عن الأنشطة النضالية المدنية وعن العمل المنظماتي والجمعياتي بشكل ملحوظ لدى المهتمين بالشأن الأحوازي.

وبعد مرور حوالي قرن من الاحتلال الإيراني للأحواز ليس من العدل أن نلقي كل اللوم، فيما تلقاه اليوم النساء في الأحواز، على عاتق المجتمع القبلي والتقليدي، لأننا إذا ألقينا نظرة على الدول المجاورة للأحواز وخاصة الدول العربية التي لديها ثقافة ولغة ونسيج مجتمعي مشابه سوف نرى بوضوح أن المرأة العربية استطاعت أن تظفر بنسبة معينة من حقوقها وأن تظهر وتبرز قدراتها وتعمل في مجالات متنوعة وتتفوق على الرجال في وظائف وأعمال ومناصب متعددة، حتى أنها تتقلد الكثير من المناصب البرلمانية والوزارية والقيادية في مجتمعاتها. في حين لا تزال الأحوازية غير متمتعة باحتياجاتها الأساسية مثل الصحة وحق التعليم وحق اختيار الهندام.

وفي ظل استمرار الأوضاع الإنسانية المتردية وحالات انتهاك حقوق الإنسان في الأحواز التي تصل إلى درجة السجن بتلفيق التهم والحكم بالإعدام، تجد الأحوازيات أنفسهن في ظروف بالغة القسوة يعانين فيها من اضطهاد مزدوج أولا معاناة من عقلية متحجرة من طرف مجتمعهن القبلي الذي يأبى عليهن أبسط الحقوق. وثانيا من اضطهاد أكثر شمولية وأكثر قوة وسطوة من قبل قوى الاحتلال التي تنتهك ما بقي لهن من كرامة. هذا ما يجعلنا نخلص إلى القول بأن المرأة الأحوازية تعيش وضعا استثنائيا بين النساء العربيات، حيث تتعرض للاضطهاد والقهر المركب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

المرأة الأحوازية وسياسات الاحتلال

من المفروض على المرأة الأحوازية التي تريد أن تعيش حياة عادية وترغب في التمتع بحقها في العمل أن تهاجر لتمارس عملها وإرادتها ولتسعى إلى تحقيق طموحاتها في ظل ثقافة مغايرة تماما لثقافتها الأصلية، فلا مجال أن تمارس هذه الحقوق في موطنها ولا يمكنها معارضة الثقافة والفكر الأحوازي أو فكر الاحتلال الإيراني الذي يحصرها في إطار لا يجب أن تتجاوزه. وإذا عزمت على التحدي فسرعان ما تجد أصابع الاتهام موجهة نحوها وقد ينعتها الإيرانيون بانتمائها “لخلق العرب” أو محاربة للنظام.

وهكذا تتحول بشكل أو بآخر رغبتها في الحصول على حقوقها إلى تهمة سياسية تجرها إلى استجوابات وهمية تؤدي بها إلى الاعتقال والإيداع في غياهب السجون. وهناك تلقى شتى أنواع التعذيب والمعاناة فإما أن تستسلم للإحباط وتتوقف عن السعي لتحقيق ذاتها وإما أن تموت في السجن أو تعدم.

وفي حال اجتازت جميع الحواجز الاجتماعية بما فيها من حرمان وفقر وتفوقت في دراستها وحصلت على شهادة جامعية لن يتم تعيينها بسهولة كما يتم تعيين زميلاتها بالدراسة من القومية الفارسية وفي هذه الحالة أيضا تواجه التمييز العنصري وكثيرا ما نرى خريجات عربيات لا يحصلن على فرص في العمل لهذه الأسباب.

وإذا تطرقنا للحالة النفسية للمرأة الأحوازية وإلى ما يتوفر لها من وسائل ترفيه ومؤسسات وفضاءات اجتماعية يمكن أن تحتضنها وتخفف عنها الضغوط النفسية التي فرضها عليها المجتمع والاحتلال فسنلاحظ أنها تشكو غياب الفضاءات الترفيهية والمؤسسات والنوادي والجمعيات خاصة منها الحقوقية النسوية التي تلعب دورا هاما في توعيتها بحقوقها وفي مناقشة قضاياها والنهوض بها. فحياتها كثيرا ما تختصر في العمل -إن توفر- وإدارة شؤون بيتها وتربية أطفالها وهي أنشطة يومية تدخلها في حلقة الروتين والملل الذي قد يوصلها إلى الكآبة والوحدة والانزواء.

أما فيما يخص جانب الرعاية الصحية فلا توجد مراكز صحية على المستوى المطلوب للاهتمام بصحة المرأة خاصة أثناء الحمل والولادة ولوقايتها وعلاجها من الأمراض التي تتطلب فحوصا دورية وعلى سبيل المثال لا يوجد مستوصف للقيام بالتحاليل والفحوص الطبية اللازمة بشكل منتظم وكثيرا ما تكتشف في وقت متأخر بأنها مصابة بمرض مستعصي العلاج يودي بحياتها، وهو ما يدل على إهمال صحتها من قبل السلطة والجهات المعنية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن السلطات الفارسية تستهدف المرأة الأحوازية لتنفيذ سياستها ومشاريعها بأساليب متعددة منها الإجهاض، ففي الآونة الأخيرة تزايدت حالات الإجهاض غير المرغوب فيها عند النساء. وكانت الأسباب بالنسبة لهن غامضة ومبهمة أو تعود لعدم إحاطتهن بالرعاية الضرورية لحالاتهن الصحية من قبل العاملين في المؤسسات الحكومية والمشرفين عليها وغالبا ما يكون الإهمال مقصودا.

ووفقا لإحصائيات المراكز الطبية الإيرانية -المشكوك في صحتها ودقتها- فإن عدد حالات الإجهاض في الأحواز يتجاوز 20 بالمئة وهي تحتل المرتبة الأولى في نسب الإجهاض بين الأقاليم الأخرى في جغرافية إيران.

كما أن بشاعة جرائم الاحتلال يصعب حصرها، لكن جريمته الأسوأ هي ما يرتكب ضد غالبية الأحوازيات، من خلال سياسة التطهير العرقي التي تمارس عليهن بأبشع الطرق التي عرفها التاريخ، وذلك عبر منعهن من الإنجاب لإحداث تغيير ديموغرافي في مناطق الأحواز، حيث تجبر سلطات الاحتلال المرأة على الولادة بإجراء العمليات القيصرية عوضا عن الولادة الطبيعية، وفي بعض الحالات تقوم السلطات بإجراء عمليات التعقيم لها دون علمها من خلال (ربط قناتي فالوب) مما يؤدي إلى حرمانها من الإنجـاب نهائيّا، وبالتالي الحد من التزايد السكاني عند العرب.

مما لا شك فيه أن المرأة الأحوازية ورغم كل الظروف التعسفية التي تعانيها وجميع الجرائم التي ترتكب في حقها، فإنها أثبتت قدراتها في شتى المجالات الثقافية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية حتى في مواجهة التمييز العنصري والخطوط الحمراء الموضوعة من جانب السلطة الحاكمة، إلا أنها تمكنت من تحقيق أهدافها.

ونراها اليوم في مناصب مرموقة منها مثلا مستشارة المحافظ في شؤون النساء والمدير العام لدائرة شؤون النساء في الأحواز الدكتورة موالي عربية والدكتورة رافع مساعد الأمين العام لجمعية الهلال الأحمر في إيران من نساء المحمرة وهي عربية، والسيدة نجاد عضو سابق لشورى البلدية ومدير مسؤول في جريدة أحواز حاليا. والدكتورة نجمة حميد الأستاذة الجامعية الحاصلة على شهادة الدكتوراه في علم النفس وهي أحد أعضاء شورى البلدية سابقا، والسيدة سهام الباجي من أعضاء شورى البلدية في الأحواز حاليا. ولدينا أستاذات جامعيات ومهندسات ومحاميات ومدرسات ناجحات يعملن إلى جانب الرجل.

ولا ننسى حضور المرأة في عالم الفن والإبداع والأدب فمن الأحوازيات نجد الفنانات والكاتبات والشاعرات اللواتي تركن بصماتهن في الأدب والفن الأحوازي وعبرن من خلال أعمالهن عن قدرة الأحوازية المهمشة على صنع المستحيل رغم أنها لم تدرس بلغتها الأم التي لها دور أساسي في تكوين شخصيتها وبناء كيانها رغم أنها لم تحظى بالظروف الاجتماعية والمادية والسياسية التي تساعد في تنمية الذات والارتقاء بها نحو الأفضل.

المرأة الأحوازية لها دور هام في الحياة الاجتماعية وفي النهوض بالمجتمع رغم أنها مضطرة لأن تمارس عملها في ظل السلطة الحاكمة بالشكل الذي ضبطه وقننه المنهج الفكري الحاكم، وهو ما يحرمها من حرية الرأي والاختيار والتعبير بلغتها الأصلية خاصة في الفضاءات العامة مثل مكان عملها أو ارتداء الزي العربي الذي يظهر هويتها وثقافتها.

وهكذا تجد الأحوازية نفسها مضطهدة في أبسط تفاصيل حياتها اليومية وفي أبسط حقوقها وأين ما تلتفت تجد أمامها الخطوط الحمراء التي فرضتها عليها الحكومة لتقصيها وتبعدها عن ممارسة حقها في الحياة كامرأة وكعربية وكأحـوازية.

 

منى عودة

المصدر:صحيفة العرب

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى