كتب ودراسات

مراحل تطور شخصية بطل الرواية “كوت عبدالله”

دراسة اجتماعية – انثروبولوجيا عن شخصية المواطن الأحوازي

الملخص

فكرة دراسة الرواية “كوت عبدالله” راودتني منذ أن اطلعت عليها ولكن لم تسنح لي الفرصة أن أنفذ الفكرة وقتئذ، الرواية “كوت عبدالله” تعد من روايات المدرسة الواقعية في الأدب، فهي من أولى الروايات في الأدب الأحوازي أو بالأحرى أول محاولة في هذا النوع من الأدب، فهذه المحاولة تُقدّر لكونها من الخطوات الأولى في هذا الحقل غير المطروق، فعدم وجود خلفية في هذا الحقل جعل الكاتب أن لا يقف عند تجربة من سبقه بل اقتحم هذا الحقل اقتحاما فحقق النجاح النسبي بالتجربةالأولى رغم ما يتحمله العمل من نقد أدبي وثقافي. موضوع الرواية تطرق إلى قضية مجتمعية معاشة وجديدة، فتأثر المجتمع الأحوازي بها وظهرت ردود الفعل تجاهها وهي قضية “مشروع قصب السكر” والذي دُشن على حساب أراضي الفلاحين الأحوازيين، أما عن السرد الروائي فكان سردًا تقريريًا مع بعض التأثر بأسلوب نجيب محفوظ الروائي المصري، وقد غلب بعض الشيء سمات النصوص الصحفية في مجمل الرواية فعمل الكاتب بالحقل الصحفي منذ زمن طويل يبدو كان مؤثرا، وأما شخصيات الروائية فهي شخصيات مباينة وملتصقة بالواقع المجتمعي أشد الالتصاق، إلا أن الكاتب حاول إظهار السلبية الثقافية التي تعشيه شريحة من المجتمع وهي بدورها من إرهاصات التفقير والعنصرية. البطل في هذه الرواية عانى الكثير من التناقضات والتجاذبات الوجودية المصيرية وأن أغلب حواره كان مع النفس، فكان الحوار صادقًا وأن حواره مع شخصية” نجار الحي”  كان الأهم والأكثر تأثيرًا به. حاولت في هذه المقالة أن أحلل شخصية البطل في الرواية تحليلًا وصفيًا، فمراحل تطور شخصية بطل الرواية “ناجي”  كانت في ثلاث مراحل وتطرق البحث لكل مرحلة على حدة.

 التعريف بالكاتب

الروائي والكاتب الصحافي الأحوازي عمار تاسائي ( ١٩٧٦) له عدة أعمال أدبية ومقالات وهو أيضًا ناقد إنساني وله مجموعة قصص قصيرة فازت منها قصة “كواكب” بجائزة und the saeskyوتُرجمت إلى الإنجليزية والنرويجية عام ( ٢٠١٢) وأيضا له مجموعة قصص باللغة النرويجية وأخرى بالإنجليزية وصدرت له رواية “كوت عبدالله” التي هي محل اهتمامنا في هذه الدراسة وهي رواية اجتماعية-سیاسیة تندرج تحت المدرسة الواقعية من المدارس الأدبية وقد تأثر بأسلوب نجيب محفوظ في سرده للأحداث، وهنالك من رأی أن التأثير كان عميقًا. (يُلاحظ التأثير العميق لروايات نجيب محفوظ في سردها، أي في سرد رواية كوت عبدالله). (٢) (سعيد مقدم، ٢٠١٦:ixii.com).

الرواية

الرواية نمط أدبي دائم التحول والتبدل، يتسم بالقلق بحيث لا يستقر على حال، وكل عمل روائي يجاهد بدرجات متفاوتة في قوتها ودقتها الفنية، لكي يعكس عملية التفكير الدائبة، بل وحتى الدعوة للتغيير في بعض الأحيان (١). ( روجر آلن، ١٩٩٧ : ٧). أيضا الرواية من حيث الحجم هي أكبر أشكال الأدب حجمًا وتتميز بميزات خاصة بها دون غيرها من أشكال الأدب وقد تتفق في بعض العناصر مع غيرها من الأشكال الأدبية. وهنالك تباين في الآراء حول وجود الرواية في الأدب العربي، منهم من قال أن الأدب العربي أخذ هذا الفن من الغرب ومنهم من ذهب أن الأدب العربي عرف فن الرواية منذ القدم وإن لم تكن كما هي الآن.

للرواية عناصر تُشكلها، ومن أهم عناصر الرواية، الشخصيات، ورواية “كوت عبدالله” غنية بشخصياتها وتباين أفكارهم ومواقفهم جراء الأمور التي تجري في خِضِّم أحداث الرواية وفي هذا المقام یقوم الباحث بتحليل وتوصيف أفكار ومواقف ودوافع  شخصية بطل الرواية، إذ إن الرواية تظهر لنا شخصية البطل في صراع داخلي وخارجي مع القيم والمبادئ والحقائق التي تجري أمام عينيه، لذلك في هذه الدراسة نسلط الضوء على الجانب النفسي العام لهذه الشخصية الروائية وإن كانت هذه الشخصية من صنع ذهن الكاتب لكن صنع هذه الشخصیة لم یکن خارج إطار الأحداث التي عاشها المجتمع وقتئذ، فإن هذه الرواية تماثل الواقع المعاش وإن قلَّ تشابهها أو كثر فالكاتب في سرده للأحداث لم يخرج عن الإطار المعاش في المجتمع رغم أنه سلط الأضواء على فئات وأحداث محددة في المجتمع الأحوازي.

بطل الرواية

بطل الرواية هو الشخص الذي یحتل حیزا کبیرا من فضاء الرواية وغالبا ما یکون محل اهتمام الراوي أکثر من باقي الشخصیات في الرواية. وفي تصنیف شخصیات الرواية یکون الشخصیة الرئيسة وغیره تکون الشخصیات الثانوية. تهتم الرواية أکثر من باقي الأجناس الأدبية بالشخوص وبالذات بالبطل. “ومن المألوف في النقد الروائي أن ینظر الباحث إلی الشخصية الروائية کالعادة في تقسیمها إلی شخصية رئيسية تتمحور الرواية حولها. وشخصية ثانوية تصعد إلی المسرح الأحداث بین الحین والآخر وفقا للدور المنوط بها” ( أحمد شعث، ٢٠١٠: ٣ ). وبشکل عام أبطال الروایات ینقسمون إلی قسمین من حیث الفعل: البطل السلبي والبطل الإیجابي، ومن حیث الواقع: البطل الحقیقی  والبطل الخیالي ( الشخصیات إما حقیقية مُنتِجَة، أو متخَیلة مُنتَجَة) (سعد عودة، ٢٠١٤: ١٠). أي الشخصیة حقیقية أم من صنع خیال الروائي، أو حتی یمکننا القول في تقسیم الحقیقی والمتخَیَّل أن یُقصد الإنسان بالحقیقی ویُقصد بالمتخیل الحیوان أو الجوامد مثل؛ الشجر والحجر والبحر والقلم و.. ثمة أنواع الأبطال في الروایة مثل: البطل المحوري، والبطل الشعبي، والبطل المثالي، والبطل الملحمي، والبطل المتخفي، والبطل المقاوم، والبطل الخارق، البطل المرحلي. وهناک أنواع أخری ولکن أکتفي بهذا القدر من الذکر، وإن ما ذکرت من تسمیات تتناسب ومفاهیم رواية “کوت عبدالله”وشخصیاتها وبطلها بمواقفهم ودوافعهم وتطور الأحداث في الرواية.

مراحل تطور شخصية (ناجي) بطل رواية” کوت عبدالله”

مراحل تطور شخصية البطل “ناجي” في رواية “کوت عبدالله” مراحل مثیرة للجدل وهي مراحل یسودها المفارقات الوظیفیة العمیقة حیث أن التطور في شخصية البطل کان تطورا جمًا، فتطورت کل أفکار البطل من جهة إلی جهة أخری نظرا إلی سرعة الأحداث وقُصر زمنية الرواية، وإن هذا التطور جری في ثلاث مراحل مفصلية شکلت کیان بطل الرواية، فلکل من هذه المراحل الثلاث الجدلية مواقف ودوافع، فالبطل عاش أعمق مستویات الحیرة فهي في النهاية قادته إلی أن یحسم أمره دون رجعة، فبعد القراءة الممعنة في شخصية البطل وتطورها  قسَّمت المراحل التي مر بها بطل الرواية علی هذا النحو:

  • مرحلة الانتخابات ( تشظي الذات): تطور شخصية البطل في الأحداث والدوافع والمواقف في هذه المرحلة من خلال تواصله مع المنتمین إلی الانتخابات وخسارة قيمه ومبادئه الشخصية.
  • مرحلة الوظیفة (تکوین الذات): تطور شخصیة البطل في الأحداث والدوافع والمواقف في هذه المرحلة من خلال تواصله مع الموظفین والوظیفة وبالذات مع “نجار الحي” الذي كان له الدور الأوفر في شخصية البطل.
  • مرحلة التنظیم (اندفاع الذات): تطور شخصية البطل في الأحداث والدوافع والمواقف، ففي هذه المرحلة من خلال تواصله مع أفراد التنظيم وقبوله الدخول في التنظيم دخل مرحلة مفصليىة من حياته.

١ . مرحلة الانتخابات

هذ المرحلة تبدأ من قبل الانتخابات إلی أن یدخل في بوتقتها من أجل أن یوفر لأسرته الفقیرة حیاة کریمة، لذلک کان موقفه موقف المؤید للانتخابات بل شارک في حملة انتخابیة لأحد المندوبین، فمن خلال احتکاکه معهم یتعمق في فهم عملية الانتخابات وما یدور في دائرتها، هذه المرحلة هي مرحلة تشظي هويته الذاتية أمام الفقر والحرمان رغم أفکاره الیساریة الملحوظة من خلال حدیثه النفسي(مونولوج). “یتمثل البعد النفسي من خلال إبراز الصراع النفسي وذلک في أشکال المونولوج المختلفة منها المونولوج الداخلي المباشر ویتمیز بغیاب المؤلف وسیطرة ضمیر الغائب والمتکلم والمخاطب في اللحظة الواحدة مما یجعل المونولوج أشبه بالحلم. أما المونولوج غیر المباشر فیتسم بحضور الراوي وتدخله بین الشخصية الروائية والقارئ، وکذلک مناجاة النفس فهي عملية نقل ما یجري في النفس بصورة أقرب إلی الموضوعية”. (حیاة فرادي، ٢٠١٥: ٤٠) ومن خلال حدیثه مع الشخصیات الأخری(دیالوج).

یعیش البطل (ناجي) في أسرة فقیرة مُعدمة في أحد أحیاء الأحواز المکتظ بالسکان، هذا الحي فقیر بمجمله، وهو من الأحیاء الکبیرة في البلد، البطل بعد أن یُحرَم من دخول الجامعة بسبب عجزه المالي یقرر أن ینهي فترة التجنید الإلزامي الذي یستمر عاما ونصف العام وقتئذ، وبعد أن ینهيها یطفق یبحث عن عمل یعیل أسرته به لکن دون جدوی، هو وأباه لم یدعا مکانا أو شخصا إلا وقد ذهبا إلیه من أجل وظیفة العمل، فیتطور الحدث فیشارک في حملة انتخابیة لأحد مندوبي المجلس الشوری البلدي، فینجح المندوب وبعد محاولات یوظفه في شرکة “قصب السکر”. لهذه المرحلة ظروف خاصة جعلت البطل یدخل عالم من التسائلات وحدیث الذات، والتناقضات بما یؤمن وبما مضطر لفعله، یشده فکره ویسلب منه الهدوء والرخاء اللذین یحلم بهما.

” القلق کان یساوره لیلتها کلما تذکر الماضي والفرص التي عقد علیها الأمل هو وأسرته، لکنها ضاعت دون نتیجة، فکانت سرابا ومجرد بریق شغله لفترة من الزمن ليَتَبيَّن له فیما بعد أنها لم تکن إلا خدعة من الخدع التي یصنعها البشريُ للتخلص من نظیره الإنسان”(عمار تاسائي، ٢٠١٢: ٤). ثم یستمر أکثر في الکشف عما یدور حوله، ففي الدعوة التي أقامها أحد المرتبطین بأمور الانتخابات بعد فوز المندوب.

“إلی جانب المائدة العامرة بشتی أصناف الطعام، کانت تدور أیضا مجاملات ملونة أصبح ناجي خبیرا في معرفة حقیقتها والاطلاع علی کنهها بعدما عمل في حملة المندوب الانتخابیة، المندوب یجامل الحاج فلانا لکي یحظی بمساعدته في الانتخابات القادمة، والحاج یقدم له طبق الأرز بابتسامة حتی یتوسط له لدی شرکة النفط لتمنحه عقد مقاولات مربحا. إمام مسجد الحي لتوطید علاقته بالحاج یمدحه بکلمات فصیحة للاستفادة من نفوذه في الحي، والحاج یرد علی مدیحه بإطراء مشهود حتی یعوض عن افتقاره للکلمات الفصیحة”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٤). إن معرفة البطل(ناجي) بهؤلاء من خلال احتکاحه بهم خلق له وعي بما یجري رغم أنه لم یدخل الانتخابات إیمانا وقناعة بل الفاقة وعسر الحال کان الدافع الوحید للخوض في هذا المضمار، حتی أنه رغم یساریة أفکاره الملحوظة حاول أن یطمسها من أجل الخلاص من الفاقة، فکل ما یرنو إلیه البطل هو أن یعیل أسرته ویخلصهم من الفقر الذي أنهکهم کما هي الحال لدی معظم أبناء جلدته، یبقی بطل الرواية یخوض جدلا داخلیا بین إنتمائه الفکري وبین دخوله في دائرة یرفضها وهي دائرة المقنعیین کما هو یسمیها، فتارة یبرر عمله أن الجمیع یفعل هذا وتارة یرجع إلی ما یعتقده من فکر رافض لهذه النوع من التعامل، فهو من جهة یرفض الظلم والریاء ومن جهة یبحث عن عمل یخلصه من فاقته وهذا لن یحصل إلی من خلال احتکاکه بهؤلاء المقنعیین.

بطل الرواية کان یعلم أن المندوب لا یمثل ضمیر الناس الحي وأنه یبحث عن مصالحه ومکانته لا غیر فهو یعطي الوعود دون أن ینفذها، فهذه الأمور التي شاهدها ولامسها ستظهر مستقبلا بشکل تؤثر علی مصیر حیاته کلیا بطريقة ربما لم یفکر بها أبدا، فالبطل الذي استنفد آخر طریقة لإیجاد فرصة ها هو یقع في مأزق حینما یحدث نقاشا بین الناس المطالبة وبین المندوب، فنجار الحي الذي هو رمز للضمیر الحي والیقظة یقابل المندوب الذي یرمز إلی غیاب النزاهة والوعي، فهنا یقع بطل الرواية بین مصیرین کل منهما له عواقبه بالنسبة له.

“حدَّج النجار المندوب بنظرة عرف الشاب (البطل) مضمونها، فنجار الحي کان یُدَّرس القرآن في بیته خلال شهر رمضان وکثیرا ما کان یوجه انتقادات لاذعة للحکومة لأنه یعتقد أنها تستعمر عرب الأحواز وتنهب ثرواتهم، الموقف الذي أدی إلی اعتقاله عدة مرات من قبل المخابرات”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ١١). ناجي یجد الفرصة المناسبة لیخاطب المندوب بما یرید ولكنه أمام موقف محرج بالنسبة إليه لِما يؤمن بمبادئ وقيم تنافي ما يريد البوح به للمندوب، هنا تصطدم المبادئ بالحاجة فتتشظى الذات أمام الحاجة والفقر.

” تردد الشاب(البطل) وکاد أن یرتبک، لکنه أشاح بوجهه عن النجار ورفع یده طالبا الحدیث وبعدما أذن له المندوب قصَّ علیه معاناته، ومع أن المندوب سمع قصة الشاب وبحثه عن العمل عدة مرات لکنه بالإنصات بدقة حتی أکمل ناجي السرحان حدیثه، ثم رد قائلا بنبرة آمرة مصحوبة بثقة: غدا تذهب إلی مدیر شرکة قصب السکر، وأنا سأنسق معه”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ١١). البطل (ناجي) کان ذکیا عاطفیا فإنه کان یفهم حال نجار وما یمثله ویعرف تماما ما یمثله المندوب لکنه غض النظر عن الأمر لعسر حاله واقتنع أن یتوظف فقط لا أکثر.

” طار الشاب (ناجي) فرحا کأن المندوب أعطاه الدنیا بأکملها إلا أنه حین وقعت عیناه علی النجار ووجده مطرقا ینظر إلی نقوش السجادة کأنه غارق في مطالعة کتاب، أدرک أن تصرفه هذا لم یرضِ النجار الذي کان من ألد أعداء مشروع قصب السکر. (المصدر نفسه، ٢٠١٢: ١٢). فیستمر الصراع النفسي داخل بطل الرواية فهو ینتمي إلی أفکار ومبادئ شخصية (النجار) ومن جانب آخر یرید أن ینهي الفقر المدقع الذي یعیشه، فکلما یفکر بالفقر والحرمان والواقع الحاکم تعتریه حالة من الاستسلام لهذا الواقع وایجاب مجاراته بغية الوصول إلی مطمحه من خلال شخصیات(الانتخابات).

“وکلمات المندوب لا تنفک ترن في أذنه« غدا تذهب إلی مدیر شرکة قصب السکر، وهناک یتم توظیفک. أقصد أني سأتحدث مع المدیر وأقنعه بتوظیفک!». هکذا وبهذه البساطة تُحَلُّ مشکلة عجزنا نحن حلها لثلاث سنوات”( المصدر نفسه، ٢٠١٢: ١٣). ثم سُرعان ما یتبدل هذا الشعور إلی الشعور بالذنب لما یفعله، فهذه التناقضات التي یعشها هي التي ستقوده إلی تسائلات أکثر عمقا وأهمية والتي بدورها تدفعه إلی المرحلة الثانية من التطور في الشخصية وهي مرحلة “الوظیفة” التي تتکون رؤیته لما یریده ثم دخوله المرحلة الثالثة “التنظیم” وهي المرحلة التي يُکتب فیها مصیره الخطیر، فأما هذه المرحلة فهي تشظي الذات وأزمته بین رفض الواقع الذي أمامه وقبوله.

“أخذ یمشي في أزقة کوت عبدالله الضیقة والرطبة دون أن یکترث إلی شيء وبین الحین والآخر یتحسس وُرَیقة المندوب کأنها شيء ثمین یخشی علیه التلف!”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ١٦). ثم غیر صراعه النفسي هناک شخص آخر لعب دورا محوریا في تطور أحداث الرواية والبطل معا، أنه النجار، کما هو ملحوظ من حدیثه(دیالوج) أنه معترض علی مشروع شرکة قصب السکر الذي یرید أن یتوظف فیها بطل الرواية، فلهذا بطل الرواية صراعه علی مستویین؛ الأول دخوله مضمار الإنتخابات واختلاطه بالإنتخاباتین رغم رفضه الإنتمائي والثاني التوظیف في شرکة قصب السکر ورفض نجار الحي لها، فهو لا یرید أن یقابل نجار الحي لأنه یشعر بالحرج عند رؤيته فیحاول أن لا یلتقیه. موقفه هذا تجاه نجار الحي وأفکاره کان بسبب الفقر فهو یختار طریق الهروب من صدیقه لکي لا یصطدم بنقده أو بمواجته.

“اقترب الشاب من نهایة السوق، فأخرج وریقة المندوب من جیب بنطاله وقرأها مرة أخری، وحین رفع بصره من الوریقة رأی النجار الذي احتج علی المندوب بکلمات مقتضبة في” لیلة المندوب”. کان النجار فؤاد یتجه نحوه تماما وینظر إلیه مباشرة من خلف نظارته الفتو کرومیک التي تحول لونها إلی الأسود من أثر أشعة شمس الصباح. عض شفته السفلی وأراد أن یختفي حتی لا یراه النجار، لکن کان ذلک مستحیلا:«لا شک أنه سیعلق علی ما دار بیني وبین المندوب في لیلة البارحة حول التوظیف في شرکة قصب السکر وأنه سوف ینتقدني ویحتج علی ذلک”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ١٧). عندما یستمر الصراع النفسي فلا بُدَّ من ظهور بعض البوادر علی السطح فالصراع النفسي المتناقض شاق جدًا علی المرء لذلک یظهر شيء من هذا الصراع للتنفیس عما یعانيه المرء، فالبطل هنا لم یفاتح أو یصارح شخصية في الرواية حول ما یعانیه لهذه الأزمة المعاشة فهو یحللها ویناقشها من خلال عملية مناجاة النفس لکن للمرة الأولی یتعرض لمواجهة صعبة یُجبر فیها مجابهة نجار الحي الذي طالما کان یؤمن بأفکاره، لکن هدفه الذي یرید أن یناله حثه علی هذه المواجهة بعدما فاتحهُ نجار الحي عن موضوع شرکة قصب السکر ونوایاها فإجابة ناجي کانت نوعا ما هروبا من الحقیقة. ” کل یری الحقیقة من وجهة نظره وربما لیس بمقدوره أن یتوقف المشروع أو ربما هناک من یسمع کلامه أو ربما کان یخشی الملاحقة والاعتقال، أو ربما..”. (المصدر نفسه، ٢٠١٢: ١٩). المرحلة الأولی التي هي مرحلة تشظي شخصية البطل أمام الواقع والتحدیات تنتهي بلقاء مفاجئ بنجار الحي وبعد حوار سریع في الشارع یضطر إلی أن یصطف في صف المندوب ویدافع عنه رغم عدم إیمانه به، اللقاء الأخیر الذي جعل کل منهما في جهة معاکسة هو البداية لمرحلة جدیدة بالنسبة للبطل الذي یستمر في صراعه النفسي الداخلي لما سمع من النجار.

” أنهی النجار کلامه فجأة عندما رأی الشاب یرمق ساعة یده ومد یده مودعا وقال: یبدو أنک في عجلة من أمرک وأني عطلتک.!

وضع الشاب یده ببرود في ید النجار وذهب. أحسَّ أن خطواته تثاقلت، وأخذ یفکر فیما قاله النجار”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٢٠).

بعد هذا المرور بأحداث مرحلة الانتخابات وضح لنا أن مواقف بطل الرواية التي كانت تنافي مبادئه وقيمه الذاتية دافعها لم يكن سوى الحصول على حياة كريمة كما كان يظن أنه سيحصل عليها إذا دخل بوتقة الانتخابات مرورا بالحصول على الوظيفة، أنه تناسى أو أنساه الفقر المدقع أن السواد الأعظم من مجتمعه يعيش هذا الفقر وهناك من هو أسوأ حالا منه وأسرته، هذا التشظي في الهوية له عدة أسباب اجتماعية، منها عدم اكتمال البعد المفاهيمي لرفض الظلم ومجابته لدى بطل الرواية وأيضا عدم الخروج عن الذاتية الضيقة وحلم الحياة المرفهة.

٢ . مرحلة الوظیفة

تبدأ هذه المرحلة بدءً بذهابه إلی الشرکة، قد انتهی من أمر الانتخابات رغم ما تکبده من صراع نفسي مؤذي، هذا لا یعني أن الصراع قد انتهی بل یدخل في مرحلة أخری وهي مرحلة صراع الهوية أمام التحدیات، في هذه المرحلة یبدأ یشعر ب”نحن” و”الآخر” أکثر مما کان یشعر لأنه سیلامس الأمر من قریب، والصراع في هذه المرحلة یبدأ بسؤال هل یصح لي أن أعمل بهذا المشروع الذي یراه أصحاب الأراضي الزراعية أنشئ علی أراضیهم المغصوبة، الفقر بلغ مبلغه من بطل الرواية فدفعه للإصطفاف مع من لا یؤمن بهم ولا بمبادئهم لکنه عندما قرب أن ینال ما بسببه تحمل کل هذا الصراع النفسي حتی بدأ صراعه النفسي أنَّ هل عمله في الشرکة صحیح أم لا!، وبرغم أن هذا الصراع یتلاشی عندما یتم توظیفه لکن یبقی ملازما له حین العمل فتبدأ تسائلات أخری، فشخصیات الموظفین تلعب دورا أساسیا في قراره الأخیر خاصة شخصية “یوسف” الموظف الجدید الذي یتوظف بعده، فهذه الشخصية قد یراها القارئ الشخصية المنافسة لأخذ لقب البطل لو لا تواجده القلیل في السرد بالنسبة لناجي بطل الرواية، تطور المرحلة کان امتدادا لمرحلة الانتخابات التي انتهت بقبوله للواقع المریر وتشظي ذاته أمامها وهنا یبدأ شيئا فشیئا في تکوینها من جدید فکلمات نجار الحي لم تفارقه وحتی بعد موقفه معه.

“اقترب ناجي السرحان بهدوء من بوابة المصلحة، شعر بالشفقة لمنظر الشیوخ والنساء المنتشرین حول مبنی المصلحة، کان الفقر العوز بادیًا علی ملاحمهم وهندامهم الرث وملابسهم البالية، البؤس الذي یلمُّ بجماعة المسافرین جعله یتذکر کلام النجار حول مصادرة الأراضي”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٢٣). الاستمرار في الصراع النفسي وتطور مستوی تأزمه النفسي المليء بالتناقضات بین ما کان یکنه وبین ما کان یبدیه لمن یحدثه عن مشروع قصب السکر لکن هذه السلسلة من الصراعات النفسية هي سیر تطور شخصیته.

“تذکر البؤس الذي رآه علی وجوه الناس المنتشرین حول مبنی مصلحة عبادان وفجأة انتبه إلی أن السائق ینظر إلیه کأنه یرید التحدث معه. بادله بنظرات، فتجرَّأ السائق وسأله بفضول والضح:

-أتعمل في شرکة قصب السکر؟

ابتلع الشاب ریقه، وردَّ باقتضاب: نعم، إن شاء الله.

-کل شيء بأمره سبحانه وتعالی، لکن هذه الشرکة دمرتنا وحوَّلت الفلاح إلی شحاذ علی أبوابها.

نظر الشاب نحو السائق وقال: ربما، لکنَّ الفلاحین هم الذین قبلوا بیع أراضیهم للحکومة ولم یکن هناک أي ضغوط علیهم لبیع أراضیهم!

-لا، کانت هناک ضغوط مارستها الحکومة بقوة ضد کل من رفض عرضها، ابن عمي واحد من الذين رفضوا بیع أراضیهم لکن الحکومة هددته بالاستیلاء علی أرضه، بالقوة باعتبار أنها ملکها قبل أن تکون ملکا له.

-ربما، أنا لا أعرف تفاصیل هذا الموضوع”( المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٢٤-٢٥).

هذا الموقف مع سائق السیارة جعل ضمیره یؤنبه لأنه بدأ یشعر أنه یقدم مصلحته الشخصية علی المصالح العامة والمجتمع الذي ینتمي إلیه، ثم أن المواقف المماثلة تحدث له أثناء لقائه بمدیر الشرکة والتي یُجبر فیها علی تأیید أفکار لا یؤمن بها بل حتی یتجاوز الأمر إلی نکران واقعه وذاته أمام الفقر المدقع، فشعوره باخفاء لغته أمام المدیر یوهمه أن یخدع المدیر للحصول علی الوظیفة ولکن حقیقة الأمر هي أن هذه الحالة تنم عن ضعفه أمام “الآخر” لأن أساسا لم یتکلم بها رغبة بل هو نوع من الفرض الذي فُرِض علیه وعلى المجتمع قاطبة، فهذه الحالة کانت ملموسة في زمن أحداث الرواية وأن ما کان یعانیه بطل الرواية کانت تعانیه شریحة غیر قلیلة من مجتمعه، لأن التطور الثقافي لم یکن متکافئا للجمیع، بل بقیت لغة وثقافة مجتمعه مهمشتان، مما سبب تشوهًا في التطور الثقافي المجتمعي.

“بعد لحظة صمت أراد الشاب أن ینطلق بسحره المبین ویخبره بتوصیة المندوب بعدما ظن أن المدیر في انتظاره لکي یشرح له سبب قدومه إلا أن المدیر أغناه عن ذلک عندما سأله عن حال المندوب وصحته، فعرف أن المندوب وفی بوعده، واتصل بالمدیر ومن الآن فصاعدا مهمته هي أن یُجهِز علی فریسته ویغتنم الفرصة، فتنحنح وحاول أن ینطق الفارسیة بطلاقة دون أن تظهر لکنته العربیة حین سأله المدیر عن المندوب وشؤونه”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٢٩). فکما ظهر في النص أن بطل الرواية حاول إخفاء لغته رغم أن المدیر یعلم أنه عربي، فمخاوف ناجي هي مخاوف شریحة غیر قلیلة آنذاک في المجتمع، فناجي بدل المعارضة أو المواجهة قنع بأقل مستویات الحقوق والتي لابد من تنازلات عدة لیحصل علی هذا القلیل، أحیانا تصل مستویات التوهم إلی حدود بعیدة جدا حیث أن الإنسان المقهور یشعر أن الآخر یعلم کل شيء یدور في خُلده فهذه العقلية الأمنية الشدیدة هي ترسبات ما شاهدته من قمع وظلم مدیدین.

” تناول الشاب کسرة خبز وأخذ یأکل ثم ابتسم بوجه الکهل الذي لم تکف عیناه عن ملاحقته ومراقبته ورد علیه قائلا:

-وأخیرا جاء الفرج، وتوظفت!

دهش الأب، وللحظة فکر أن ابنه یطرح لغزا أو ما شابه، لکنه تأکد من الخبر بعدما أخذ الشاب یسرد قصته مع المندوب في اللیلة الفائتة. ابتسم الأب ابتسامة حنونة وردَّ علی ابنه:

-مبارک یا بني، إن شاء الله منها للزواج.

وأخذت الأم أیضا من جانبها تشکر الله وتدعو لیوفقه ویسعده!

وابتهج الجمیع، فأمرت الأم بشراء دجاجة وذبحها الأب قربانا للوظیفة الجدیدة واجتمعت العائلة في لیلة الخمیس وراح الشاب یعید علی مسامعهم مرات عدیدة حکایة المندوب وتوظیفه کأنها انتصار عظیم” (المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٣٣). یُلاحظ من النص قُصر أمل أسرة ناجي، أسرة بسیطة لم ترَ سوی الحرمان والفقر، فقناعة أسرة لیست محل دهشة لأنهم لا یعلمون ما یحدث ولیس علی وعي ولکن ما یثیر الدهشة أن بطل الرواية نزل لمستوی بحیث اقتنع بوظیفة مقابل الحرمان الموجود فیساریته محکومة هنا لأن غالب الأمر ذوو المیول الیساریة طباعهم لا تقبل هکذا تنازلات سریعة وشخصية فهذا هو محل الاستغراب، فعندما یبدأ یتعرف علی الموظفین والشرکة سیفتح باب التسائلات علیه فیحاول معرفة کل ما یجري في الشرکة فیبدأ بزمیله الذي یسبقه في الوظیفة.

“تذکر ناجي ما یدور حول مشروع قصب السکر من أحادیث کاغتصاب الأراضي من العرب وتوظیف فرس قادمین من مدن أخری، فأراد أن یعرف رأي محدثه في هذا الشأن فسأله وعلامات الاستفسار بادية علی ملامحه:

-ماذا کان هنا قبل أن یتم إنشاء مشروع قصب السکر؟

وقبل أن یبدأ السید هاشم بالحدیث استرق ناجي إلیه نظرة لیری ما إذا کان السؤال أحدث أي تغییر في ملامح أو مزاج زمیله، فوجده کما کان أولا یستمع بعفوية دون أن یطرأ علیه أي تغییر محسوس! وبعد أن انتهی ناجي من سؤاله ردَّ علیه دون أي اکتراث:

-کان هذا المکان قُری ومزارع وبساتین”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٤١-٤٢). تستمر هذه التساؤلات والتحریات لدی ناجي إلی لیعرف کل شيء عن هذا المشروع فیتبین له کل ما یرید معرفته لکنه یبقی بالصراع النفسي القائم منذ مشواره الانتخاباتي ولکن تطور الصراع من بطالة-وظیفة إلی صراع وجود وبقاء فالأسئلة أصبحت وجودية خلافا للسابق والتي کانت تسائلاته شخصية، هذه المرحلة هي المرحلة التي یجد البطل نفسه فیها فتتطور بشکل سریع جدا بسبب تسائلاته المتتالیة وأنه لم یکتفِ بمجرد الوظیفة أن یغمض عینیه علی الحقائق التي تجري.

” یقال إن الحکومة أخذت هذه الأراضي لکي تفرِّس المنطقة، وتمحو العرب من الأحواز.

رفع السید رأسه إلی السماء کأنه سمع شيئا غریبا:

-أنا أیضا سمعت مرارا مثل هذا الکلام وفي بداية توظیفي لامني بعضهم بحجة أن المشروع استعماري ویستهدف العرب لکن لم أهتم بتلک الأقاویل لأنها کانت مجرد هراء لا جدوی منه وأنصحک ألا تکترث لمثل ذلک الکلام لأنه لا یسمن ولا یغني من جوع. اعمل عملک واستلم راتبک وعِش حیاتک ولیکن شعارک في الحیاة” مصالحي أنا أولا وقبل کل شيء” ( المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٤٢). إن میول ناجي الیساریة رغم تشظیها أمام الفقر إلا أنها بدأت بالظهور في أول أیام عمله في الوظیفة فحدیثه مع زمیله “السید هاشم” ونمط ونوع أسئلته تنم عن ذلک وأنه اتخذ مسلکا غیر مسلک الذي اتخذه زمیله وأنه لن یأخذ بنصیحة زمیله التي فحواها اهتم بنفسک واترک الآخرین، توالي الأفکار والصراع في نفس البطل تستمر إلی أن یتعرف علی زمیل جدید یأتي إلی القسم الذي یعمل فیه فیتأثر بخشصیة الموظف الجدید(یوسف) وأفکاره وأیضا لم ینقطع تماما عن نجار الحي فسُرعان ما أنبه ضمیره فذهب لزیارته لیظهر ما یعانیه من صراع نفسي وأنه لا یحتمل التمثیل أکثر من هذا.

“أحس ناجي السرحان بارتیاح کبیر نحو الموظف الجدید، لیس فقط لمظهره الأنیق بل الذي زاد من إعجابه هو ثقافة یوسف واطلاعه الواسع علی العلوم. ولفت انتباهه أیضا الأسئلة المحیرة التي کان یطرحها یوسف والتي جعلت ناجي یتساءل کیف لم تخطر بباله مثل تلک الأسئلة وهو الذي کان یعد نفسه مثالا للذکاء! أسئلة کثیرة کان یوسف یطرحها ویجیب عن بعضها بنفسه مثل سؤاله عن أهمیة المرأة في المجتمع والدین وعلاقتها بالمجتمع وأسئلة أخری عن المذاهب الفلسفية والسیاسة” (المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٩٦).

هنا تنتهي مرحلة الوظیفة وصراعها النفسي ویبدأ بطل الرواية في الدخول بمرحلة مصیریة بعد اجتیاز مرحلتین تعرف من خلالهما علی الکثیر من الأشخاص والأفکار والقناعات وترسخت في شخصیته بعض المبادئ التي طالما نازعته، فتارة وقع صریع الواقع وتارة أخری واجه الواقع، بداية مرحلة الوظیفة بدأت بحدیثه مع السائق فأخذ یتحری إلی أن القدر جعله رفیقا لزمیل یجیب عن تسائلاته وینهي صراعه النفسي الذي کان یحکمه التناقض، إن هموم البطل الشخصية تنتهي في هذه المرحلة فیبدأ بهموم أکبر مثل المجتمع والهوية والثقافة وما شابه هذه الأمور التي لم یکن یفکر بها قبل اتصاله بیوسف، فالتطور کان من هموم شخصية إلی هموم مجتمعية وموقفه هو کان الاستجابة لأفکار یوسف ونجار الحي والدافع کان الشعور بالظلم والتهدید الذي یواجه هویة مجتمعه ووجوده.

٣. مرحلة التنظیم

هذه المرحلة تبدأ بعد تعرف البطل علی یوسف زمیله الجدید والتأثر بأفکاره وشخصیته، فبعد زمن من الصداقة في العمل یبدأ یوسف بطرح قضایا بالغة الخطورة لم یکن ناجي یفکر بها لولاه، فیندفع ناجي وینخرط في تنظیم یوسف ورفاقه بعد أن استقطبه یوسف بمرور الوقت، فهذه المرحلة ظهر حظورها بعد أن یأس البطل من تغییر الأمور نحو الإصلاح فالبدایة تکون عندما یطرح یوسف فکرة التنظیم علی ناجي. “بعد لحظة من الصمت کرر یوسف وهذه المرة لم یکن کلامه عاما.

-تعرف یا ناجي إننا بحاجة إلی تشکیل تنظیم للدفاع عن أنفسنا؟

ردَّ الآخر(ناجي) بصوت یکاد لا یُسمع وبشيء من الاستغراب: التنظیم؟”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٩٩).

لم یسبق لناجي أن طلب منه أحدا حول فکرة کهذه الفکرة حیث صُعق من فکرة یوسف ولم یبدِ حدیثا ولم یجبه، لیس سهلا بالنسبة لناجي أن یفکر بهذه الفکرة التي قد تودي بحیاته إلی الموت ولو ظُن به حتى قبل أن يقوم بعمل ما، فهو کباقي الناس یخشی الدخول في التنظیمات لأنها غایة في الخطورة، لذلک کان یتحاشی الحدیث عن هذه الأمور مع یوسف إلا أنه في نهایة المطاف قبل الأمر ودخل في حلقة التنظیم رغم تردده بسبب الخوف.

” ردَّ علیه یوسف بشيء من الحدة وکأنه غضب من سؤال صدیقه الذي أنه یعکس إهماله أو الغباءة.

-أقصد هل أنت مستعد لفعل شيء ما من أجل وطنک وهویتک وعروبتک؟

تلعثم ناجي أمام صراحة صدیقه وقال ببرود:

-طبعا، طبعا أنا مستعد.

-جید جدا

-سوف نتحدث بالموضوع والآن أعتقد أنه حان وقت الغداء. اترک الملفات ولنذهب معا” (المصدر نفسه، ٢٠١٢: ١١٤).

بعد تأییده المرتبک للعمل التنظیمي بدأ یفکر في التنظیم وما تؤول الأمور بعده، دائما تراوده فکرة أن ما نهاية مصیري بالتنظیم ومن یعیل أسرتي، أنه بعد أن وجد الوظیفة رأوا بعض مظاهر الحیاة الطبیعية ولکن من بعده من یهتم بأبويه العجوزین وأخواته الثلاث، هذه الأفکار لم تفارقه إلا في أوقات یندهش بفکرة ما أو ینشغل للحظات ثم ترجع هذه الفکرة تحتل مکانها الذي تبوأته منذ اقترح علیه یوسف الفکرة، کان من المقرر أن یبدي رأیه النهائي حول انخراطه بالعمل مع یوسف ورفاقه، فبعد التأیید الرسمي من قِبَل ناجي واعده یوسف بلقاء للحدیث عن التنظیم في مکان آخر غیر المکتب. بعد أیام دعی یوسف ناجیا إلی لقاء في بیتهم لأجل المعارفة مع أحد عناصر التنظیم الذي سیشرح له العمل وبعض الأمور الأخری، لکن تفاجأ ناجي حین عرف أن هذا الشخص هو نجار الحي الذي یعرفه.

” کان ناجي یستمع بدقة وبین الحین والآخر یردد کلمة نعم بینما استمر النجار في حدیثه:

-نحن نعمل في تنظیم سري وفي العمل السري الحفاظ علی الأسرار أهم من العمل نفسه لأنه یضمن سلامة التنظیم وأعضائه قبل کل شيء! فأنت یا ناجي لا تعرفني ولا أعرفک ولا تربطنا علاقة تنظیمية خارج دائرة نضالنا ونرجو منک ألا تتحدث عن موضوع انتمائک إلینا مع أي أحد حتی أمک وأبیک.

-هزَّ رأسه تأییدا لما سمع وتمتم: أکید هذا”(المصدر نفسه، ٢٠١٢: ١٥٠).

بعد دخوله في التنظیم سُرعان ما أحیلت له بعض الأعمال التنظیمية فهذا الوضع استمر حتی وقع بصره علی فتاة وبعد أن تعرف علیها أغرم بها فطلبها للزواج فالفتاة کانت طالبة جامعية في جامعة تشمران الأحواز والتي بدورها تأثرت بخطابه وحدیثه عما یؤمن به، فخطیبته رغم مخاوفها ومنعه في بداية الأمر إلا أنها أیضا اقتنعت بالفکرة فأخذت تجاریه في نهجه واستمر الحال إلی أن سمع ألقيَّ القبض علی نجار الحي وجمع من أصدقائه الذین کانوا ینتمون إلی التنظیم، لم یعرف ما علیه فعله، فکل ما یعرفه هو أن یهرب دون أي تردد، وفي نهاية الأمر اهتدی علی رأي حبیبته أن یذهب إلی میناء بحري في الجنوب لیختفي عند أقارب لها لتهدأ الأمور أو یرون ما آل إلیه الأمر، فهذه هي المرحلة الأخیر التي سُجلت لرحلة بطل الرواية والتي کانت مليئة بالصراع النفسي حتی تنتهي بهذه الطریقة، بداية من عمله مع المندوب إلی وظیفته التي کان یحلم فیها من شدة فقره وفاقته وصولا بإنخراطه في تنظیم سري خطیر کانت نهاية أمره يبحث عن طریق لینجو. ” أنا أیضا سوف أذهب إلی صدیقي في قرية بعیدة للاختباء وألتقي بک سرا في الجامعة لکن زودیني بجدول دروسک لهذا الفصل لأنني لا أستطیع أن أتردد علی بیتکم ولا أتصل فیک هاتفیا، أخشی أن یکون بیتکم وهاتفکم مراقبین من قبل الأمن.

“-نعم أعرف ذلک.

-إذن نلتقي سرا في الجامعة حسب جدول دروسک.

-نعم سوف أکتب لک جدول کامل بالأیام والساعات التي أتواجد فیها في الجامعة.

– جید جدا، شکرا لک حبیبتي!”( المصدر نفسه، ٢٠١٢: ٢١٤).

النتيجة:

ظهر من خلال دراسة شخصية بطل الرواية(ناجي) أنه مر بثلاثة مراحل مفصلية رسمت شخصيته كبطل روائي وهن علی هذا القرار:

١. مرحلة الانتخابات والتي هي مرحلة تشظي هویته وقیمهِ الشخصية أمام التحدیات، فکان موقفه موقف المؤید للمندوب رغم رفضه وعدم إیمانه به، فدافعه کان الحصول علی وظیفة تبعد عنه شبح الفقر والفاقة اللتیا کانتا متلازمتان لحیاته.

٢. مرحلة الوظیفة والتي هي مرحلة تکوین هویته الشخصية وبداية تساؤلاته المصيرية والتي دفعت به إلی المرحلة الثالثة، فموقفه من الشرکة وأصحاب الأراضي السليبة جعله أن يحسم أمره، فدافعه کان البحث عن الحقیقة وإرضاء ضمیره المتألم الذي أيقظه زميله (يوسف).

٣. مرحلة التنظيم والتي هي مرحلة اندفاع الذات والقناعة بالعمل الخطیر بعد یأسه من الواقع المعاش فاتخذ هذه الطریقة الخطیرة للدفاع عن هویته، فموقفه کان مؤیدا وشریکا في التنظیم السري والذي أودی بسجن رفاقه وبفراره كما هو كان مقررا في التنظيم، فدافعه کان الدفاع عن هويته ووجودها.

الكاتب: محمد بنين

 

المصادر والمراجع:

 

  1. عمار تاسائي الأحوازي، كوت عبد الله، لندن، دار نشر أي للكتب، ٢٠١٤.
  2. رولان بارت، التحلیل البنیوي للقصص، سورية، دار نینوی، ٢٠١٤.
  3. روجر آلن، الرواية العربیة،
  4. حیاة فرادي، الشخصية في رواية“میمونة”، الجزائر، جامعة محمد خضیر، ٢٠١٥/٢٠١٦.
  5. أحمد شعث، بناء الشخصية في رواية (الحواف)، فلسطین، جامعة الأقصی، ٢٠١٠.
  6. سعد عودة حسن، الشخصية في أعمال أحمد رفیق عوض، الجامعية الإسلامية في غزة، ٢٠١٤.
  7. حسن بحراوي، بنية الشکل الروائي، المرکز الثقافي العربي، ١٩٩٠.
  8. عبدالوهاب الرقیق، في السرد: دراسات تطبیقية، تونس، دار محمد علي الحامي، ١٩٩٨.
  9. محمد یوسف نجم، فن القصة، بیروت، دار الثقافة، ١٩٦٦.
  10. سعيد مقدم، مقالة افتراضية، ٢٠١٦.

المصدر : مركز الدراسات

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *