الأحواز في الإعلام العربي

#أحوازنا-محاكم الثورة الإيرانية: 300 حكم إعدام في «الأربعاء الأسود»

    "محاكم الثورة".. حينما يتردد هذا الاسم على مسامع غالبية أصحاب الرأي في إيران والمطالبين بالحقوق المغتصبة من نظام الملالي الإيراني، يخطر على البال فورا الإعدام والأسر لفترات طويلة في سجون طهران.

محاكم الثورة الإسلامية كما تسمى هي إحدى أهم واخطر الهيئات التي تكونت بعد العام 1979 بيوم واحد، بتوجيه مباشر من المرشد الأعلى "خميني"، وتولت هذه المحكمة مهمة تأطير رغبات معممي إيران والاستخبارات الإيرانية الدموية، ووضعها في قالب نظامي هدفه قمع وإبادة كل من يخالف السياسة الإيرانية، فكرياً، وسياسياً، وعقدياً، وعرقياً، فهي بصورة أبسط تحاكم أصحاب الرأي وبعض منتقدي نظام الملالي الإيراني من غير الصفويين، وليس من اختصاص محكمة الثورة النظر في القضايا غير السياسية.

وباشرت محاكم الثورة الإيرانية مهمتها فورا في مناطق الشعوب غير الفارسية "الأحوازيين، الأكراد، البلوش والقوميات الأخرى" بهدف تثبيت اركان النظام السياسي الجديد، وقد كان أول رئيس لمحكمة الثورة هو صادق خلخالي، الشخصية التي عرفت بإخلاصها للمرشد الأعلى آنذاك، وتنفيذها لجميع رغباته، وتشريع دموية النظام الإيراني من خلال تصدير صكوك أحكام الاعدام لمن يسخط عليهم الخميني، والأمر بتنفيذها فوراً حتى بدون محاكمة.

ولقب خلخالي عند بعض نشطاء حقوق الإنسان الغربيين " بالقاضي الأحمر" وسمي أيضا ب "جزار الثورة " نظرا للأعداد الكبيرة من الاعدامات التي أصدرها وسرعة تنفيذها وعدم تأجيلها، وعرف عنه أيضاً اصداره وتنفيذه لأحكام اعدام بلغت 2000 حكم منذ تعيينه كقاض أول محكمة ثورة إيرانية.

ولعل أكثر من تدفقت دماؤهم من هذه المحاكم هم العرب الأحواز الذي كانوا أول ضحايا محاكم الثورة بعد بعض مسؤولي عهد الشاه، إذ تعرض المئات من أبناء هذا الشعب العربي لحملة اعدامات جماعية، منها حملة الاعدامات في يوم واحد بشوارع مدينة المحمرة والمناطق المجاورة لها بعد رفضهم للحكم الفارسي بزعامة الخميني.

وكان الخميني أطلق وعده للأحوازيين قبل الثورة بإنهاء الاحتلال الفارسي للأراضي العربية الأحوازية مع سقوط نظام الشاه، مقابل دعم الأحواز له في ثورته، الا ان "خميني" بدل الإيفاء بالوعد بعث ب"صادق خلخالي" قاضي محاكم الثورة آنذاك لينفذ تلك الجريمة الشنيعة والتي عرفت بيوم "الأربعاء الأسود" في مايو عام 1979 والذي استشهد فيه أكثر من 300 أحوازي من خلال الاعدامات الجماعية في مدينة المحمرة بأوامر من قاضي محاكم الثورة خلخالي والجنرال أحمد مدني، وتعتبر من أكبر الجرائم التي ارتكبتها محاكم الثورة ضد الأحوازيين.

ومن بعد هذه الجريمة، قام الحرس الثوري في الأحواز، باعتقال العشرات من شيوخ القبائل ووجهاء العشائر وشخصيات اجتماعية وسياسية أخرى كانت تهيئ الشعب الأحوازي للتحرر من الاحتلال في أواخر عهد "الشاه" وأخضعها لمحاكم الثورة وأعدموا جميعا دون اثبات غالبية الاتهامات الموجه إليهم.

وحول ذلك يقول عضو حركة النضال العربي لتحرير الأحواز الأستاذ فايز رحيم الكعبي ان محاكم الثورة الإرهابية، انشئت على يد الخميني لقمع وإبادة المطالبين بالحقوق وأصحاب الرأي المخالفين للنظام الإرهابي الإيراني، ويحاكم في محاكم الثورة كل من يخالف النظام السياسي القائم في إيران سواء "أحوازي، بلوشي، كردي" ولكن العرب الأحوازيين لهم حصة الأسد من هذه المحاكم من اعدامات وسجون لفترات طويلة، فجميع شهداء القضية الأحوازية الذين أعدموا في السنوات الماضية لم يعط لهم حق الدفاع عن أنفسهم في هذه المحاكم، بل صدرت احكام ضدهم في ظروف لا يعرف عنها حتى عوائلهم، كما أن إيران تتخوف من كشف طبيعة وإجراءات محاكمة المعتقلين في محاكم الثورة لوسائل الاعلام المستقلة، اذ أن الاتهامات الموجهة للمعتقلين العرب وغير الفرس لا يمكن حتى يصدر حكم بالسجن على أساسها.

وعن إجراءات المحاكمة في محاكم الثورة يقول كعبي:" لا تتحقق في هذه المحاكم أبسط حقوق المتهم من حقه في توكيل محامي أو الإجابة على التهم، وخلافا لكل القوانين الدولية والمعاهدات الحقوقية، تنظر القضايا الكبيرة في محاكم الثورة من قاض واحد فقط وهو من يقرر مصير المتهم ويحكم عليه دون مشاركة قضاة آخرين في جلسة المحكمة، وعادة هذه الجلسات لا تتجاوز الدقائق، في انتهاكات صريحة للحقوق المعتقلين والمتهمين مما أدى الى وضع مجموعة من القضاة على قائمة أسوأ منتهكي حقوق الانسان من قبل منظمات وهيئات حقوقية أوربية، ومن بين هؤلاء الذين صدرت بحقهم عقوبات دولية ومنعوا من دخول الأراضي الأوربية مجموعة سداسية أربعة منهم كانوا في محاكم الثورة واثنان اخران في محاكم الاستئناف وهم: كل من: أبو القاسم صلواتي، ومحمد مقيسة، ويحيى بير عباسي، وحسن زارع دهنوي، وحسن بابائي، وأحمد زرغر.

كما أن حق الاستئناف في هذه المحاكم شبه معدوم فبعد إصدار الحكم يتم تنفيذه بحسب أهواء الاستخبارات وملالي إيران، فكثير من المتهمين المعروفين والذين يحقد عليهم الملالي الإيراني تصدر الأحكام ضدهم دون حق استئناف الحكم الابتدائي، ويكون الحكم نهائياً، اما المتهمون الذين لا يشكلون أهمية لدى ملالي إيران، فيتم رفع الأحكام الابتدائية الصادرة ضدهم لمحكمة استئناف الثورة صورياً، فيأمل المحكوم عليه نقض الحكم فيها غير أن غالبية الأحكام لا تتغير وقد تزيد في أحيان كثيرة، وفي القليل من المرات يتم تغيير الأحكام الى عقوبة أقل قسوة من الحكم الأول، فيصدم المتهمون ان التغييرات التي تطرأ على أحكامهم بعد الاستئناف هي تغييرات شكلية فقط، مثلا المعتقل الذي حكم عليه بالسجن 20 عاما، بعد الاستئناف يتم تغيير الحكم الى 19 عاماً و6 شهور.

ويكمل الكعبي :" لقد تعرضت في بداية عام 2010 حينما كان عمري لا يتجاوز ال 19 عاما للاعتقال من قبل المخابرات على خلفية توزيع منشورات والمشاركة في رفع الأعلام الوطنية وكتابة الشعارات الثورية المناهضة لإيران مع مجموعة من الزملاء حينذاك، وفي اليوم الأول من اعتقالي نقلت لمحكمة الثورة وابلغتني المحكمة انه سيتم نقلي لزنازين المخابرات لمدة أسبوعين، بينما بقيت هناك لمدة لا تقل عن شهرين دون ان يزورني وفد من المحكمة أو يحضر محامي اثناء تحقيق عناصر المخابرات معي، وهذا دليل يظهر اندماج محكمة الثورة مع جهاز المخابرات".

وأكد الكعبي بأن جرائم محاكم الثورة مستمرة منذ أول يوم قامت فيه الثورة الخمينية وحتى الآن، مؤكداً تضاعف احكام الإعدام الصادرة في هذه المحاكم في عام 2005، وذلك بعد انطلاق عمليات كتائب الشهيد محيي الدين آل ناصر، الجناح العسكري لحركة النضال العربي لتحرير الأحواز، إذ أقدمت محاكم الثورة على اعدام العشرات من قادة وكوادر الكتائب والحركة وحتى من غير المنتسبين للكتائب بحجة التعاون والتعاطف معها وبهذا تضاعفت حالات الإعدام الى مستويات عالية.

ويضيف:" ولم تختصر جرائم هذه المحاكم الإرهابية ضد الشعب الأحوازي فقط، بل عانى الأكراد في إيران من هذا الإرهاب القضائي، ويؤكد نشطاء سياسيون من أبناء الشعب الكردي، ان بعد انطلاق الحركة الكردية المناهضة "لإيران" في كردستان في ثمانينات القرن الماضي، أصدر صادق خلخالي رئيس محكمة الثورة في ذلك الوقت أحكام اعدام بحق سجناء أكراد دون محاكمتهم، وحينما سئل خلخالي عن سبب اتخاذه هذا القرار أجاب: "كان هدفي إلقاء الرعب في نفوس العامة"، ليتبين فيما بعد ان من بين المعدومين طفلا لا يتجاوزه عمره ال"13 عاما" وامرأة.

ويذكر كعبي أن هذه الأساليب غير الشرعية وغير القانونية المعتمدة في محاكم الإرهاب (الثورة) منذ نشوئها، نتج عنها اعدام عشرات الالاف من النشطاء السياسيين ومشايخ أهل السنة والأقليات الدينية الأخرى، وتطورت هذه المحكمة في الأحواز اذ ولدت من رحمها فروع في المدن الأحوازية المختلفة، بعد ما كانت في العاصمة فقط، ولكن لاتزال المركزية هناك، ولم يختصر هذا التطور على هيكليتها فقط، وانما في طريقة المحاكمة أيضا، فبعد كثرة الإعدامات وإصدار عقوبات دولية ضد شخصيات في هذا الجهاز من قبل المجتمع الدولي، اضطرت ان تغير شكليا في أساليب المحاكمة من خلال تسخير محامين معينين ومحددين من قبل المحكمة نفسها وليس باختيار المتهم، وهؤلاء المحامون في الحقيقة هم من منسوبي جهاز المخابرات الإيراني، ويلعبون الدور الذي تطلبه المحكمة، لتجنب الحرج الشديد الذي وقعت فيه الدولة الفارسية امام العالم أجمع.

بدوره يقول أحد الذين حوكموا في محاكم الثورة الأحوازي رمضان الناصري التميمي والذي حكمت عليه محكمة الثورة في الأحواز قبل تحريره من سجون إيران بالسجن ثلاثين عاما والنفي الى محافظة فارس الإيرانية التي تبعد عن الأحواز مئات الكيلومترات يقول :" اعتقلت في عام 2006 من قبل جهاز المخابرات ونقلت الى زنازين المخابرات الانفرادية لفترة زمنية لا تقل عن أربعة شهور حيث تعرضت للتعذيب طوال فترة الاعتقال كما منعت من توكيل محام ومن الاتصال بالأهل والعائلة، وذلك بهدف انتزاع اعترافات مني تحت الاكراه وبالفعل حدث ذلك، وقد أصدرت محكمة الثورة عليّ حكماً مسبقاً وانا في الزنازين وما حضوري بعد أربعة شهور الا حضور شكلي للتوقيع على الحكم امام القاضي".

ويؤكد التميمي أنه لا توجد أي إجراءات قضائية في هذه المحكمة بل هي فرع مخابراتي بمظهر جهاز قضائي، لافتاً إلى ان الدستور الإيراني يؤكد على ضرورة اجراء المحاكمات السياسية بصورة علنية من خلال السماح لوسائل الاعلام للحضور والتغطية فضلا عن أهمية وجود مدعٍ عام، ومحامٍ وهيئة مستقلة، بينما عمليا تتم هذه المحاكمات بصورة خفية بعيدا عن الاعلام والشخصيات والهيئات الأخرى المفترض حضورها.

وزاد التميمي بأن مصطلح "الجرم السياسي" غير محدد المعالم في الدستور الإيراني، ولكن باختصار أي شخص يخالف الدولة الفارسية والنظام السياسي القائم تحديدا، يتهم من قبل محاكم الثورة بمحاربة الله والافساد في الأرض وعلى أساس هذا الاتهام يتم اعدامه.

مبارك عكاش

المصدر : صحيفة الرياض 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى