آراء ومقالات

إيران تصطاد في المياه الخليجية!

 الحديث ليس عن صيد الأسماك في الخليج العربي، بل إشارة إلى الحكمة أو المثل الشعبي المستخدم في السياسة بشكل واسع -الاصطياد في المياه العكرة-؛ سفر روحاني إلى سلطنة عمان التي تغرد خارج السرب الخليجي منذ زمن بعيد،وأجواء التفاؤل الإيراني الممزوج بالشماتة التي تملأ الصحف الإيرانية هذه الأيام ويتغنى بها السياسيون في طهران، كلها مؤشرات حقيقية على أن إيران لن تترك هذا الحدث المتمثل بتوتر الأجواء الخليجية البينية يمر مرور الكرام؛ الجميع يعلم أن منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليست مثالية في نتائجها بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على تأسيس هذه المنظومة عكس المأمول منها، وهو قبل كل شيء حفظ أمن واستقرار دول مجلس التعاون من الاعتداءات الخارجية؛ من ثم تأتي الأمور الأخرى كتوحيد الأنظمة الاقتصادية والتجارية وحرية تنقل المواطنين وغيرها من مظاهر الانسجام والعمل المشترك التي تتطلع إليها شعوب الجزيرة العربية بأكملها، ومعهم الخيرون من العرب الآخرين؛ لكن عدم المثالية هذه ليست فقط مضيعة للوقت والطاقات بل تجعل من أغلب دول مجلس التعاون عرضة للتهديدات والتدخلات من قبل الآخرين، وأولهم إيران العدو التقليدي للعرب إذا ما فقدت هذه المنظومة توازنها الحالي على أقل تقدير.

زيارة روحاني لسلطنة عمان كأول زيارة خارجية له منذ استلامه منصب الرئاسة، لها دلالاتها، وأهمها تقديم الشكر والامتنان لسلطنة عمان التي ساهمت بشكل كبير في خلق أجواء مناسبة للبدء في المفاوضات الحالية المتعلقة بالملف النووي الإيراني بين إيران والمجتمع الدولي التي كانت تدار بشكل سري عبر سلطنة عمان منذ فترة ليست بقصيرة؛ وجاءت هذه الزيارة أيضاً تقديراً لدورها البارز في فك قيد الدبلوماسي الإيراني الموضوع في الإقامة الجبرية في بريطانيا لاضطلاعه في أدوار غير دبلوماسية مثل تهريب معدات وتقنيات خاصة بالبرنامج النووي الإيراني المثير للشكوك والنشاط في عمليات الالتفاف على الحصار النفطي المفروض على إيران، والتجسس على المواطنين الإيرانيين اللاجئين في الخارج، وأدوار أخرى ربما لم تظهر للعلن حتى هذه اللحظة، كما أن السبب الرئيسي للزيارة في هذا التوقيت وليس قبل فترة أو بعد فترة حتماً لوجود هذا الشرخ بين دول مجلس التعاون لإذكاء نار الفتنة بين الأشقاء أكثر فأكثر، وكمحاولة منه لدق الإسفين الأخير كما يقول المثل.

وكإثبات على ما ذكر، حذر في مقابلة صحفية سيد حسين موسويان العضو السابق في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والمفاوض السابق في الملف النووي الإيراني حذر من التفاؤل الزائد والاعتماد كثيراً على الخلافات الراهنة بين دول مجلس التعاون الخليجي التي لم يسمها هو بالدول الخليجية بل سماها بالمشايخ تارة وبالأعراب تارة أخرى، قائلاً إن الخلافات الخليجية يجب ألا تخدعنا كثيراً لأن المشكلة ليست في وجود مجلس التعاون، إذ حسب قوله هذا المجلس كان فاشلاً منذ تأسيسه وثبت ذلك خلال الحرب الخليجية الثانية؛ كما يبرر تحذيره بوجود تيارات متطرفة في الخليج لا تحب الخير لإيران بالإضافة لكثرة الإرهابيين في الخليج الذين يعادون إيران مستندين إلى أيديولوجيا إسلامية متطرفة.

ويقترح المسؤول الإيراني إنشاء مجلس جديد بدلاً من المجلس الحالي الذي تأسس من أجل معاداة إيران حسب قوله، تشارك فيه إيران والعراق هذه المرة بالإضافة إلى المشايخ كما يقول هو! فأمن الخليج لا يتحقق إلا بوجود إيران، وهذه الحقيقة للأسف كانت ولا تزال غائبة عن أذهان الأعراب!

نعم هذه هي إيران وأدوارها الخبيثة، فأينما وجد خلاف عربي وإن كان بين زوج وزوجته ستجد إيران متحفزة جاهزة ليس للمصالحة بين الطرفين بل لزيادة الشرخ، ولصب الزيت على النار، بالضبط كما هي اليوم بصدده بعد هذا الخلاف العربي البيني الذي سيزول بمشيئة الله تعالى وبحكمة القادة الخليجيين عاجلاً أو آجلاً.

المفترض بإيران، وفي هذه اللحظة إذا كانت بالفعل جارة صادقة وملتزمة بقواعد حسن الجوار وإذا كانت تريد ترتيب الأمور التي بعثرتها سابقاً أن تعرض نفسها للعب دور المصلح لإعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي، كي ينظر لها الخليجيون بإيجابية مستقبلاً؛ مثلما يحدث في العالم المسالم المتحضر دوماً، فأين ما وجد خلاف فهناك من يعرض نفسه ويبذل الكثير من الجهود لتصحيح الأمور خاصة إذا كان الخلاف في دولة مجاورة، وفي أفريقيا وأوروبا نماذج صارخة عديدة لهذا العرف السياسي والإنساني.

الحقائق تقول إن إيران تعتبر العرب وكل ما ينتج عنهم ضدها دون أدنى شك، وبالتالي تعمل على إفشاله، وإن فشل فستكون في طليعة الشامتين، ولا ينتظر منها دور الوسيط صاحب المساعي الحميدة؛ ومن يعتقد غير ذلك فهو إما متوهم أو يعمل لصالح إيران بعلم أو دون علم.

وأن تدخل إيران ضمن المنظومة الخليجية، فهذا لن يحدث بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى حسن نية من قبل إيران، وهي غير متوفرة حتى هذه اللحظة، ولا يبدو أنها قد تتوفر في المستقبل القريب، ثم يحتاج إلى فترة طويلة لاسترجاع الثقة المعدومة بسبب تعالي إيران وغطرستها المتزايدة، ويحتاج أيضاً أن تعترف إيران علناً بوجود دول لها سيادة في الطرف الآخر من الخليج العربي لها الحق أن تحترم بغض النظر عن صغرها وكبرها وانتمائها العرقي.

فمع وجود هذه النظرة المتعالية التي تسمي دول لها سيادتها وهي عضوة في الأمم المتحدة منذ أكثر من نصف قرن ولها علاقاتها السياسية مع العالم والبعض منها لها تأثيرها الإيجابي الذي يفوق تأثير إيران بعشرات المرات، تسميها بالمشايخ أو الأعراب لا أعتقد أن أحداً يفكر بالتقارب مع إيران لا على المدى القريب ولا البعيد أيضاً؛ ومن لهم علاقات اليوم وتبدو حسنة مع إيران فهذه في الحقيقة من باب اتقاء الشر وليس حباً بإيران ونهجها المخرب في المنطقة؛ فالبشر بطبيعتهم يحبون الإعمار والخير وليس الخراب والشر.   

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى