آراء ومقالات

إيران وهوس التمدد الخارجي: السقوط سهواً في تحديات الداخل

مقدمة:

أدى الهوس السياسي الإيراني، القائم على عقيدة تمدد إيران في محيطها، إلى التركيز على الشؤون الخارجية، التي انعكست على تجاهل تحديات الداخل، من خلال سياسة إيران التي أخذت اتجاهاً واحداً، يقوم على التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كفكرة انطلقت منذ بدايات الثورة الإيرانية، كما تضمنها الدستور الإيراني، الأمر الذي أدى إلى سقطات اجتماعية، أصبحت تهدد الأمن القومي الإيراني، الذي تجاهل فكرة التماسك المجتمعي، كأساس في تمكين السياسة الخارجية اليوم، ومحدداتها التي تنطلق من فكرةأساسية مفادها" أن الثقافة الجماهيرية، أقوى على البقاء والاستمرار من أية سياسات خارجية".

الإدمان واستنزاف السيولة النقدية في المدن الرئيسية:

في تقرير نشرته وكالة أيسنا الحكومية، قدم وزير الداخلية الإيراني عبد الرضا رحماني فضلي، تقريراً حول الأرقام المذهلة والمروعة، بشأن ظاهرة الإدمان على المخدرات، التي أصبحت تهديداً يؤرق الساسة الإيرانيين، لاسيما لجهة ما تستنزفه من السيولة النقدية، الأمر الذي يهدد الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.

يُقر الوزير رحماني: " أن المخدرات تقتص أكثر من 3 مليارات دولار من السيولة النقدية سنوياً، وهو الرقم الذي يفوق 10 آلاف مليار تومان إيراني، وإذا ضربنا هذا العدد من المدمنين في رقم العوائل، فذلك يعني تورط أكثر من 6 ملايين شخص على مستوى إيران في ظاهرة المخدرات1".

 التقرير الذي قدمه وزير الداخلية الإيراني، كان قد ذكر مصرع 8 مدمنين يومياً، حيث يصل عدد الأشخاص المتوفيين جراء ذلك سنوياً، إلى أكثر من 3000 آلاف شخص، جراء تعاطي المخدرات، بطرق يجهلها المتعاطي، الأمر الذي يدلل تفشي الظاهرة أكثر بين النساء والمراهقين.

تشير الاحصائيات في إيران، لصعود متزايد لظاهرة التعاطي في المدن الرئيسية مثل طهران، الأمر الذي يشكل أزمة حقيقية للنظام السياسي الإيراني، قد تهدد استقراره، في الوقت الذي لم تتوصل فيه حكومة الملالي إلى الآن إلى أي حلول، أو البحث في أسباب الظاهرة، والمسؤول عنها.

فقد أظهرت دراسة أعدها مركز البحوث والتعلم في كلية العلوم الطبية في جامعة طهران مؤخراً، أن نسب متوسط أعمار المدمنين، بدأت بالتزايد لدى شرائح العمر الأصغر، حيث ارتفعت نسبة المدمنين لدى الشباب بعمر 20 و24، من7 إلى 17 % من نسب المدمنين في إيران.

كما ارتفعت نسبة المدمنين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و29، من 8 إلى 19%، ونسبة المدمنين بين طلبة المدارس قد ارتفعت إلى نسبة 61%.

وفي هذا الخصوص، نشرت وكالة أنباء " أسنا"، المقربة من الحكومة الإيرانية في 18 نيسان/إبريل 2007، تقريراً أوردت من خلاله، أن كمية المخدرات التي يتم تعاطيها سنوياً تبلغ ألف طن2، وهو الرقم ذاته الذي توصلت إليه منظمة مكافحة المخدرات عام 2006.

وبناء علية، تحوز ظاهرة الإدمان وحدها ما يقارب الـ 10% من المجتمع الإيراني، الأمر الذي يفتح الباب لنسب عالية من الآفات المجتمعية في إيران، إذا ما تم حساب النسب الأخرى من المشكلات والحالات التي تعصف بالمجتمع الإيراني، كالدعارة والمثلية والسرقة والبطالة والفقر وغيرها.

الأمم المتحدة: إيران الأولى عالمياً بسبب الملل والبطالة:

في السياق ذاته، أوردت الأمم المتحدة في تقريرها حول المخدرات في العالم، أن إيران هي الدولة الأولى عالمياً في الإدمان على المخدرات، بسبب البطالة المتفشية، وحالات الملل، وهو ما ينم عن خواء أيديولوجي، تبدأ من قناعات الشعب الإيراني في حكم نظام الملالي، الذي يشكل قلة بين التيارات الفكرية والسياسية في إيران.

  تضم إيران أعلى نسبة مدمنين على الأفيون والهيروئين في العالم، وأن واحد من كل 17 شخصاً من السكان الإيرانيين مدمناً على نوع من هذه المخدرات؛ بينهم أكثر من 500 ألف موزع في الأراضي الإيرانية.

وتؤكد الدراسات أن الإدمان في إيران لا يتوقف على الرجال دون النساء، فقد نشرت منظمة المرأة الإيرانية، في موقعها على شبكة الإنترنت، أن نسبة عدد النساء المدمنات، بلغ 5% من مجموع المدمنين في إيران، وهي نسبة لا تتواجد في منطقة الشرق الأوسط، بسبب العادات والتقاليد التي تحول دون وصول النساء إلى أماكن وبيع وتعاطي المخدرات.

القصاص والرجم في غياب التنمية والفكر التوعوي:

ولأن إيران أصبحت عاجزة عن تلافي تداعيات ما يعصف بمجتمعها، فإنها تواجه مشاكلها الاجتماعية بالمزيد من الردع القائم على القصاص والرجم والتعذيب، مما يفاقم من انتشار الآفات الاجتماعية، ويولد حالة من السخط وعدم الرضا النفسي، لدى عموم المجتمع الإيراني.

ففي الخامس من آب – 2014 أغسطس، خرج جواد لاريجاني أمين ما يسمى لجنة حقوق الإنسان في إيران، مدافعاً أمام المجتمع الدولي عن حق إيران في تطبيق عقوبات الجلد والرجم والتعذيب النفسي3، الأمر الذي أثار الكثير من السخرية من المنظمات الدولية، التي تساءلت عن شعارات " الاعتدال" والوسطية، التي رفعها الرئيس روحاني.

أسعار مخفضة، وتسهيلات تنم عن فساد حكومي:

يعود تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات، في أحد أسبابها لفشل حكومة الملالي في تطويق الظاهرة، بسبب الفساد الداخلي الذي تعانيه بين المتنفذين فيها، مما جعل المواد المخدرة تتدفق على إيران بسهولة، لقربها من مراكز زراعة الأفيون في أفغانستان، وبأسعار منخفضة، تصل إلى خمسة دولارات لغرام الهيروئين، وبنسبة نقاء تصل الى 50 في المائة، مما ساعد على عمليتي الإتجار والتعاطي، ويتفق الخبراء والمدمنون والمسؤولون الحكوميون على أن الادمان تحوّل في الآونة الأخيرة إلى مرض جديد يعبر عن فشل البلاد الاقتصادي، فقد أظهر استطلاع للرأي العام، أجرته الحكومة الإيرانية، أن 80% من الإيرانيين، يعتبرون أن السبب الرئيس في تفشي الظاهرة يعود إلى الاحباط الذي يعانيه الشباب بسبب البطالة، في الوقت الذي تفشل فيه الحكومة كل مرة في تأمين فرص العمل.

حكومة الملالي: أيديولوجيات تخدير المجتمع:

 يرى العديد من الإيرانيين أن مسألة تفشي ظاهرة المخدرات، لا تخرج عن كونها "مؤامرة حكومية"، ازدادت تداعياتها منذ اضطرابات الطلاب في جامعة طهران عام 1999، حيت تورد التقارير إن الحكومة كانت تغض الطرف، عن بيع المخدرات وتوزيعها مجانا في مساكن الطلبة.

ويرى مدير المركز القومي لدراسات الإدمان في إيران، أن 20 في المئة من سكان طهران البالغين لديهم عادة تعاطي المخدرات، ويشمل ذلك نصف مليون تاجرا، كل منهم يبيع لثلاثة أو أربعة اشخاص بقيمة تتراوح بين 3 إلى خمسة مليارات سنوياً، وأن إدمان المخدرات زاد بنسبة كبيرة بحيث أصبح من الأفضل دخول السوق بدلا من محاولة القضاء عليه، ويشير مدير المركز القومي لدراسات الإدمان، إلى التراجع الذي تشهده الحكومة في تنمية المجتمع وتوعيته، فيُذكر بعودة إيران إلى أسوء مراحل تاريخها في التعامل مع الأفيون، حين كان الأطباء الفرس، يوزعونه بشكل وصفات طبية، ويصفونه للمرضى قبل قرن من الزمن، عندما كانت إيران تزرع الأفيون.4

خاتمة:

المتتبع للسياسات الإيرانية الخارجية، ومقارنتها بالآفات التي تعصف بالمجتمع الإيراني، يلاحظ مدى انشغال إيران في تخصيص القسم الأكبر من ميزانياتها، لسياسات التمدد الخارجي، والدعم اللامحدود لحلفائها الذي يتبعون نظرية ولاية الفقيه، والميزانيات الضخمة التي تصرف على عمليات التعبئة الثقافية والسياسية والعقيدية، فقد عَلِمتْ مصادر مطلعة بداية العام 2014، أن المرشد الأعلى في إيران وجه بتخصيص 5 مليارات دولار في لبنان وحدها، كمبالغ للتعبئة الثقافية، وشراء أراض قريبة من الوسط التجاري في بيروت، كمحاولة للتغلغل الديمغرافي في مناطق السنة، والتمكين منها حال أي صدام مباشر، في الوقت الذي تعاني فيه إيران، من أزمات اجتماعية واقتصادية، تراجع معها التومان الإيراني إلى أربعة أضعاف مقابل سعر الدولار.

بناء عليه، لم تؤسس السياسة الإيرانية إلى يومنا هذا، إلا لعقيدة الصراع والتمدد وأحلام السيطرة والاحتلال، وصناعة الأوضاع المتفجرة، التي بدأتها منذ قناعاتها بفشل تصدير الثورة عن طريق القوة الناعمة أو الثقافية، والترويج لنظرية التشيع، كنظرية سياسية، واجهت معارضة شديدة من المرجعيات الدينية ذاتها، سواء في الداخل الإيراني أو خارجه.

وهي العقيدة الإيرانية، التي مازالت تستنزف الطاقات الإيرانية اقتصادياً واجتماعياً، مما انعكس بشكل مباشر على الداخل الإيراني، الذي لم يتوقف عند اضطرابات الطلبة عام 1999، بل امتدت لتشمل الملايين من الإيرانيين، الذي خرجوا في العام 2009، بما عُرف بالثورة الخضراء، التي نادت ولأول مرة منذ الثورة الإيرانية بـ " سقوط الدكتاتور"، من خلال الشعار الشهير الذي رفعته الجموع الإيرانية (لا لبنان .. لا غزة)، في إشارة منها للتذرعات الإيرانية في مناصرة القضايا الإسلامية، كحجة للحفاظ على مكاسب القلة من حكومة الملالي، على حساب قناعات الشعب الإيراني وقوته اليومي.

 ورغم وصول روحاني إلى سدة الحكم في إيران، الذي رفع شعارات الاعتدال والإصلاح، إلا أن السياسة الإيرانية لم تتجرأ بعد على النيل من صنم أيديولوجيات التدخلات الخارجية، التي أصبحت الآن عبئاً ثقيلاً على السياسة الخارجية الإيرانية، يُضاف إلى الأعباء الداخلية، الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات حول موقع الأمن القومي الإيراني في النظام الدولي، القائم على حاملي الاقتصاد والتنمية البشرية، في إطار من العلاقات الدولية، التي تتأسس على عمليات الاعتمادية الدولية والتنمية، التي قوامها الفرد أولاً وأخيراً.

د. محمد خالد الشاكر

المصدر: مركز المزماة للدراسات والبحوث

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى