آراء ومقالات

مرض خامنئي والمستقبل المريب

موت خامنئي أو عجزه عن إدارة شؤون البلاد بسبب تفشّي المرض في جسده، سيكوّن فراغا كبيرا في النظام المتمركز حول الرجل الواحد وهو ما يسمّى بالمرشد.

لأوّل مرّة وفي سابقة هي الأولى من نوعها، كثّف مكتب المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي من نشر خبر تعرّض الأخير إلى وعكة صحيّة وإجرائه عمليّة جراحيّة على البروستات، ووصفها بالعاديّة ودون الحاجة إلى التخدير الكامل والاكتفاء بالموضعي. ورغم أن رضا مرندي رئيس الفريق الطبّي الخاص بالمرشد الإيراني ومندوب طهران في البرلمان الإيراني أو ما يسمى بمجلس الشورى، قد اختار تصريحاته حول صحّة خامنئي بدقّة والتي تبعث على الطمأنينة، إلّا أنه نسي أو تناسى الإشارة إلى ما إذا كان قد أزال “البروستات” في عمليّته الجراحيّة التي استغرقت تقريبا نصف ساعة، أم لا!

ومما لا شك في أن خامنئي قد تعرّض إلى وعكات صحيّة من قِبْل، إلّا أنه لم يتم الإعلان عنها إذ عادة ما يصاحب مثل هذه أمور التكتّم الشديد، ما عدا تلك العمليّة التي أجراها للكيسة الصفراء قبل 23 عاما. فحتّى لو أعلن عنها مكتب خامنئي مثلا فهذا طبيعي بالطبع، كونه بشرا ومعرّضا إلى كل شيء، حتى وإن كان هذا الإنسان يمسك بزمام البلاد بالنار والحديد ويحتكر جميع السلطات إذ يعد مندوب صاحب الزمان في الأرض على حد وصف النظام الإيراني له.

وقد ذهب النظام الإيراني في أغلب الأحيان إلى حد نشر كتب عن زعيمهم الروحي وكان آخرها نشر كتيّب في المدن الإيرانيّة الكبرى قبل عامين، ويتحدّث فيه عما يسمى بـ”عصمة المُرشد”. وكثيرا ما بالغ رئيس فريق أطباء خامنئي في وصف صحّة الأخير بقوله إنه أجرى العمليّة وهو في كامل وعيه وإن صحّته ممتازة وعاديّة، وهذا الأمر يعيد إلى الأذهان التكتّم التام الذي رافق صحّة سلفه الخميني في عام 1986 حين تناقلت الأنباء الرسمية خبرا أفاد بإصابة هذا الأخير بجلطة قلبيّة التي أصيب بها الأخير والتي رافقها الكتمان هي الأخرى. لكن هاشمي رفسنجاني رئيس مصلحة تشخيص النظام في إيران حاليا أكّدها في مذكراته في عام 2008.

ومنذ عدّة سنوات تتررد الأنباء في إيران عن إصابة خامنئي بالسرطان إلى حد الغيبوبة، ممّا يبيّن أن الأمر يتجاوز حدود مجرّد عمليّة عاديّة كما وصفها طبيبه الخاص مرندي، ووخامة صحّة خامنئي. وفي شهر مايو الماضي، كان قربان علي دَري نجف آبادي عضو اللجنة الرئيسة لمجلس خبراء القيادة الإيراني قد أكّد ضرورة التفكير في مرحلة ما بعد خامنئي، الشيء الذي يوحي بوجود ترتيبات في إيران لخليفة خامنئي البالغ من العمر 75 عاما. ووَجْه الشبه الآخر في ما بين تداعيات صحّة خامنئي والخميني من قَبْل، يَكمن في الحديث عن خليفة الخميني الذي سبق موته بسنوات معدودة.

ورغم أن حسين منتظري نائب الخميني كان المرشّح الأبرز لخلافته حينها، إلّا أنه أقصي تماما على إثر تورّط مهدي هاشمي وهو شقيق صهر منتظري الذي أعدم لتسريبه معلومات عن فضيحة “إيران كونترا” في منتصف ثمانينات القرن الماضي وتحديدا في عام 1985 والتي اشترت إيران بموجبها كميّة من الأسلحة من الكيان الصهيوني آنذاك.

وفي الآونة الأخيرة ولأوّل مرّة، انتشرت العديد من الطرائف والنكات حول الخميني والتي تمسّ من هيبته ومكانته الكبرى ورمزيّته لدى النظام الإيراني، ومصدر هذه النكت هو وبلا شك جهاز المخابرات الإيراني إذ يهدف من خلالها إلى إعطاء التبرير لحكومة حسن روحاني التي رفعت شعار “الاعتدال والأمل والتدبير” للقيام بالمزيد من الإجراءات القمعيّة تجاه المواطنين من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإنّ التقليل من هيبة الخميني يساوي رفع مكانة ومنزلة خامنئي.

وبلا ريب فإن رفع منزلة خامنئي والترويج على أنه معصوم من الخطأ، يساعده كثيرا في التطبيق الحرفي لقراراته، خاصّة وأنه يعدّ الآن في الفترة الأخيرة من عمره بسبب تفشّي المرض في جسده، وبالتالي حين يعيّن خامنئي خليفته لولاية الفقيه فسوف لن يجد المعارضة في أوساط الشعب الإيراني وقادة النظام، وبالتالي ضمان عدم حدوث التصدّعات في ما بين القادة إثر وفاته.

ولكن الفرق في ما بين إيران خامنئي وإيران الخميني، يكمن في اختزال جميع السلطات بيد الأوّل ومحوريّة النظام في شخص خامنئي وتعطيله الكثير من القضايا التي لا تنسجم وآراءه، الأمر الذي يثير حفيظة عدد من الإصلاحيين والمتشددين في آن واحد. وحالة عدم الرضا هذه، من شأنها توسيع الهوة في ما بين قادة النظام الإيراني المختلفين وإحداث الكثير من التصدّعات في هيكليّته، وفي مختلف المؤسسات كالجيش والأمن والسلطة التنفيذية بشكل عام.

ومن المؤكّد أن التطوّرات السلبيّة لصحة خامنئي، ستؤدي بدورها إلى تفعيل الخلافات وبروز اضطرابات شديدة في أوساط النظام الإيراني الذي يمرّ في مرحلة بالغة الحساسيّة في الوقت الراهن، نظرا لتكريس الجهود في الوطن العربي إثر ما يسمّى بـ”ربيع الثورات العربيّة” وما تشهده بعض الدولة من حالة عدم استقرار كسوريا واليمن ولبنان والعراق وغيرها من الدول العربية التي عانت ولا زالت تعاني من التدخلات الإيرانية في شؤونها الداخلية.

وإلى جانب المشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة العربيّة وما يتطلبه من إدارة قويّة وفاعلة وقرارات حاسمة، جرت العادة أن يتخذها خامنئي، فإن المفاوضات حول الملف النووي في ما بين طهران والمجموعة السداسية (5+1)، هي الأخرى تستنزف الدبلوماسيّة الإيرانيّة واقتصادها المتردّي منذ سنوات بسبب العقوبات من ناحية، وتمويل المشروع التوسعي الفارسي في المنطقة العربية من الناحية الأخرى.

وفي ظل الظروف التي تعيشها إيران حاليا، فإنها تحتاج إلى الإظهار كونها دولة قويّة ومتماسكة، ولعلّ التصريحات الأخيرة لمحمد علي جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني وتهديده العرب بشنّ حرب شاملة، لا تخرج عن هذا الإطار. وإلى جانب كونها تعبّر عن حقيقة الدولة الفارسيّة وحقدها الدفين تجاه العرب، فإنها تأتي للاستهلاك الداخلي (الفارسي) وكذلك لبعض الجماعات المخدوعة بإيران في المنطقة العربيّة. وبعد إقصاء هاشمي رفسنجاني ومنعه من خطبة جمعة طهران، حلّ محلّه أحمد جنّتي المحسوب على التيّار المتشدّد في إيران والذي يبدو المرشّح الأوفر حظا لتسلم ولاية الفقيه، إلّا أن الأخير لا يتمتع بالشعبيّة المطلوبة في إيران نظرا لغلوّه في التشدّد، وعليه فإن إيران اليوم تحتاج إلى التظاهر كونها أكثر مرونة ومتعاونة مع العالم، وإن قدوم “جنّتي” على سدّة ولاية الفقيه، سيساهم في المزيد من عزلتها وحصارها.

وبلا ريب فإن موت خامنئي أو عجزه عن إدارة شؤون البلاد بسبب تفشّي المرض في جسده، سيكوّن فراغا كبيرا في النظام المتمركز حول الرجل الواحد وهو ما يسمّى بالمرشد، ممّا من شأنه حدوث انهيارات وتصدعات سياسيّة غير مسبوقة في هيكلية النظام برمته.

المصدر : صحيفة العرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى