آراء ومقالات

مدخل إلى فحص الكلام الأحوازي بشأن مشكلة السياسة 18/20

(قراءة أسباب عدم التحول
من المجتمع العشائري الديني التقليدي إلى المجتمع الوطني الجديد)

إذاً  يبقى الكلام عن العلمانية من جانبنا في هذه الحال
يصبح غير ذو معنى  ولا فائدة منه عند الكلام
عن الفكر الإسلامي بشكل عام والفكر الشيعي بشكل خاص، وهذا الفكر الأخير كونه يهمنا
لانه يمثل السلطة السياسية في إيران ويمثل ثقافة الأغلبية من الأحوازيين. قلنا عنه
مراراً في مناسبات سابقة إن الفكر الشيعي أصله وفصله يجد مرجعيته في فضاء اللامعقول
الديني تعاليم المعلم الأول أو الإمام هذا اتجاه الفلسفي العرفاني، وأما اتجاهه في
مجال  السياسة هي (( مزيج  بين فكرة الوصية الولاية وبين الطاعة – الملك والدين
تومأن لا يفترقان )) والطاعة هي رؤية ليست من الإسلام بشيء في الحكم السياسي، بل إنها
على مستوى المرجعية أصلها وفصلها رؤية فارسية خالصة في الحكم تعود إلى أردشيرالذي بنى
وشيد دولة بني ساسان كما هو معروف وفق ذلك ((عهد أردشير))، وإن تمثل ذلك الاتجاه الشيعي
إسلامياً بمخالفة أهل السنة والجماعة في أمر الحكم والإمامة حيث إنه اتجه نحو القول
بأن الحكم يكون بالوصية والنص في البداية قبل حضور مفهوم الإمامة  لاحقاً، وذلك يكون مقابل السّنة الذين ذهبوا بالقول
إن الخلافة- الإمامة بالاختيار والبيعة، بمعنى ثاني إن الفكر السني السياسي ان كان
يعتمد الشورى أو يعتمد (( الآداب السلطانية )) 
و (( المستبد العادل )) بتعبير الإمام محمد عبده لم يستطع  دون أن يوظف 
كذلك مفهوم  مبدأ الطاعة نفسه  طاعة  الحاكم
الخليفة، وبهذا يكون الفكر السني لا يستقيم ومعنى الديمقراطية والحكم وهذا يصدق على
الفكر الشيعي الذي وضع أصحابه نظرية في الإمامة، وتبعاً لهذه الأخيرة وضعوا مقالاً
في ولاية الفقيه. ربما هذه الإشارات التي جئنا بها  تنقلنا 
لنرى دور الدين في خدمة قضيتنا المركزية وهي الوطنية هل الدين يشكل خطراً عليها
وأدى إلى ظهور صراع داخلي أحوازي – أحوازي، متى كان هذا وأين نجده لنستدل عليه ؟

إن الإجابة على سؤالنا
الأخير تطلب منا أن نفحص بضاعتنا الأحوازية المقروء نها والمنقول، فهي لا تزودنا حتى
الشفوي منها على أن العامل الديني الشيعي كان سبباً أو دافعاً وراء الصراع  الداخلي الأحوازي- الأحوازي بين المجموعات السياسية
في تاريخنا المعاصر، أو أنه الفكر الشيعي ساهم في تقويض العمل السياسي، فهذا الأخير
في أقل تقدير لم يكون مطروحاً كموقف مقابل الاتجاه الوطني وكل من يفهم قليلاً عن الفكر
الديني  الشيعي  تحديداً يعرف أن له مواقف سياسية تجاه كثيرمن القضايا
ومنها فكرة الوطنية أو الحقوق القومية، وهذه الأخيرة لم يصادفنا موقفاً دينياً شيعياً
ضدها إلا مرة واحدة تمثلت بفتوى أو إفتاء رجل الدين (محمد الكرمي 1979م وتحالفه مع
القوى الشيعية المتخلفة) لمناهضة زعامة المرجع الشيعي الأحوازي الأخر (محمد الخاقاني)،
فهذا الأخير كان يعتبر مرجع  ديني وأتخذ موقفاً
واضحاً تجاه تأييد حصولنا كشعب على حقوقنا الوطنية وتمثل ذلك في أطروحة (الحكم الذاتي
عام 1979) وفي سبيل هذا أخذ موقف خاص من زعامة رجل الدين الخميني عندما رفض هذا الأخير
الأعتراف بتلك الحقوق الوطنية عند عرضها على أركان النظام الجديد في إيران بعد إسقاط
الشاه عام 1979م. أما الخميني نفسه رفضه لتك الحقوق لم يكن السبب تعارضها وأصل من أصول
الفكر الشيعي  بقدرما كان دافعاً وطنياً  سياسياً. أما قبل تلك الفترة لم يزودنا التاريخ
المكتوب أو المنقول كما قلنا أعلاه عن حالات تشبه أو بمستوى ما حصل بين الرجلين (الكرمي-
والخاقاني)، حتى إذا رجعنا للماضي قليلاً،أعنى الرسائل المبكرة التي بعثها عدد من رجال
الدين في مدينة المحمرة والمرسلة إلى علماء المرجعية الشيعية في النجف كانت متقدمة
لأنها تشكو الأوضاع أو حالة الفوضى والنهب والسلب بعد حادث أخذ شيخ خزعل من المحمرة
إلى طهران بأمر رضاخان، والرسالة التي أقصدها مؤرخه في شهرتشرين الأول من عام 1925
منشورة على صفحات جريدة المفيد العراقية حاملة توقيع من رجلين دين من عائلة الخاقاني،
وذكرها الكاتب علي نعمة الحلو في الجزء الخامس من كتبه بلاد الأحواز.

 فنقول وجهة نظرنا حول العامل الديني الشيعي هنا بأختصار فيما يخص موضوعنا
بالذات إما قولنا هو إننا لا نرى في هذا الأخير بواعث التشرذم والضعف في الصراع الأحوازي
الداخلي – الداخلي ولم يكن خطراً على الاتجاه الوطني في أقل تقديرلم يُشكل خطراً على
العمل السياسي (1947-1977م) عند الأحوازيين، وأن هذا ليس دفاعاً ولا حكماً ولا قراءة
الماضي بعيون اليوم، إنما نستدل بشواهد من واقعنا الأحوازي فهي تبقى بضاعتنا الأفضل
نرجع لها و نفحصها بأداة الفكرهذا مسلكنا كما فعلنا في فقراتنا الأخرى.

  إذاً
ماذا بشأن (الظاهرة الدينية)، اليوم عندنا في المجتمع الأحوازي اتجاه أو ظاهرة دينية
غير واضحة قضيتها المركزية التي تدافع عنها على صعيد المقاصد والمرجعية الدينية ويمكن
أن نقرأها من ثلاثة أوجه في ظل غياب نصوص مكتوبة أو تحديد اتجاه من جانب الدعاة لها
أو عدم حصولنا نحن على  تلك  النصوص وهل هي موجودة ؟

فنبدأ بالوجه الأول: بقولنا
هذا إن كانت هي دعوة إصلاحية للفكر الشيعي والتجديد من الداخل، أي فهم الفكر الشيعي
بمقتضى حاجات اليوم أو تجديد (علم الكلام العقيدة والتوحيد والشريعة – الفقه) أو تصحيح
تاريخي كما فعل مثلاً صاحب كتاب ((الشيعية والتصحيح موسى الموسوي))، فإن هذا موضوع
مختلف كما كان موجود في مجتمعنا في أواسط التسعنيات من القرن الماضي العشرين .

الوجه الثاني: كلا، إنها
اتجاه أو هي دعوة اصطفاء أو انتقال للتعبد وفق الفقه السني السلفي، فنقول إن اللجوء
إليها اليوم ليس حلاً إما السبب هي لم تتحرر بعد من السلف الماضوي أو طريقة المتاخرين
حسب أبن خلدون أو الشكلانية للجابري فهي تؤدي إلى الجمود وخصومة التجديد لدرجة ليس
الطعن بل التكفير والعنف، أو لا ذاك ولا هذا، بل هي إعادة صراع الماضي التاريخي الشيعي-
السني إخراج بضاعتنا من مخازن الماضي ليكون هو قضية اليوم والمستقبل، ان هذا الاتجاه
لا يخدم إصلاح أو تجديد الدين ولا تطهيره من الخرافات، والسبب عندنا هو فقدان المرجعية
والأداة وأن هذا لا يزيدنا سوى تعميق وتغذية ذلك الخلاف السياسي المذهبي أو ما نسميه
(تديّن السياسة)، ونحن هنا لرفع اللبس وسوء الفهم نقول إن كلامنا لا يفهم منه الإنكار
للظاهرة الدينية ودورها في الثقافة المجتمعية وتكريس الجهل الجماعي أو توظيفها وتطوعيها
لخدمة الحكم وإضفاء الشرعية عليه كلا، إن هذه الظاهرة الدينية الإسلامية والتوظيف الديني
لخدمة قضية السياسة نشأت بدءاً من الفتنة بمقتل عثمان بن عفان عند القدامى من المسلمين
والمعاصرين، وأن الطرفين السني- والشيعي هما محاورها على صعيد التكوين التاريخي والبنية
الفكرية التي أخذت الساحة الإسلامية الثقافية فضاءاً لها و لهذا السبب  نرى أن لا الفكر السني ولا الفكر الشيعي في المدونة
الأولى التراث بضاعة نافعة وكاملة يمكن أن نستعين فيها ونجرها باعتبارها تمثل صحوة
لنا أو كي تصبح هي المنقذ و فيها حلاً لمشاكل مجتمعنا الأحوازي وعصرنا.

  إن الرجوع
إلى السلف الصالح وجد ما في الماضي يصلح للحاضر كبديل أصيل عن الفكر الجديد، كرفض الأخذ
بوسائل التجديد من جانب تيار إسلامي واسع منذ (جمال الدين الافغاني ومحمد عبده )، كذلك
ظهور ما يسمى (( الصحوة الإسلامية )) منذ منتصف السبعينات  من القرن الماضي، أثر هزيمة عام 1967م وفشل الإيديولوجية
القومية العربية ورفع الشعار القديم الجديد (( تطبيق الشريعة الإسلامية )) المهم في
الأمر أن ذلك الاتجاه لم يجلب لنا لا نهوضاً ولا تجديداً، ونضيف قولاً بأن الفكر السني
وفق مقولة الرجوع ” للسلف الصالح”، أو أخذ عبارة  الإمام مالك (( لا يُصلح  أخر هذه الأمة إلا  ما أصلح 
أولها )) وتعميم هذه المقولة لتشمل كل الجوانب الأخرى السياسية والثقافية والمجتمعية
دون مرجعية العقل أو العقلانية في فهم وقراءة القضايا وتعميم المقولة  لتشمل مسألة السياسة التي لا نصّ ولا تصريح إسلامي
حولها، وإقحام الدين في السياسة،هذا يؤدي إلى إعادة ذلك الصراع بحمُولته التاريخية
حسب وجهة نظري، فلا ينتج لنا حلاً في النظرة للخلاف الشيعي- السني ولا يزودنا بشئ نافع
يخص شؤون السياسة و منها الحكم. وبالتالي يبقى أمر كيفية بناء علاقة بين الوطنية الأحوازية
والدين الإسلامي إجمالاً. فإن هذا الأمر الأخير عدم توظيف الدين لخدمة السلطة وتشييد
الاستبداد بوحي من الدين.

 وأخيراً وليس أخراً أرى أن الظاهرة الدينية عندنا في مجتمعنا الأحوازي حظها
كباقي القضايا الأخرى لم يتم تأسيس وعي لفهمها وطرحها ان كانت ثقافة أو أنها ضمن طرح
دعوي (من الدعوة) لأجل مقاصد يتم تعبئة  الجماهير
وعيوبها كثيرة.          

الوجه الثالث : السلفية
الوطنية التجديدية

إن يكون الدافع مناهضة
إيران قومياً ومذهبياً، فإن السلفية إذا كانت تطمح نحو مناصرة الوطنية ومناهضة التخلف
ودعوة التجديد أمرها يصبح ذو معنى في فضاء التغيير الثقافي، فهي تتجه نحو الانفتاح  ولنأخذ هذا النص ربما فيه فهم  يناسب ما نحن فيه أو ما نقصده .

نضع هذه العبارة (السلفية
الوطنية/ مقابل السلفية الماضوية)، بين قوسين وأخذناها من الجابري لنعود إليها في نهاية
هذه الفقرة، فنقول وجهة نظرنا حول العامل الديني الشيعي هنا بأختصار فيما يخص موضوعنا
بالذات أما قولنا هو إننا لا نرى في هذا الأخير بواعث التشرذم والضعف في الصراع الأحوازي
الداخلي – الداخلي ولم يكن خطراً على الاتجاه الوطني في أقل تقديرلم يُشكل خطراً على
العمل السياسي (1947-1977م) عند الأحوازيين، وأن هذا ليس دفاعاً ولا حكماً ولا قراءة
للماضي بعيون اليوم، إنما نستدل بشواهد من واقعنا الأحوازي فهي تبقى بضاعتنا الأفضل
نرجع لها ونفحصها بأداة الفكرهذا مسلكنا كما فعلنا في فقراتنا الأخرى.

“إن الاستجابة لدعوة الإمام محمد عبده إلى
الإصلاح السياسي والاجتماعي كانت في المغرب العربي خاصة أقوى بكثير مما كانت عليه في
أقطار عربية أخرى. لقد أتجهت السلفية في المغرب نحو الاندماج في الحركة الوطنية وتبنى
أهدافها التحديثية وانتهت بالذوبان فيها، خصوصاً عندما جند المستعمرون الجماعات الدينية
الطرقية والقوى المتخلفة المتعاملة معهم ضد الوطنية والسلفية. بل يمكن القول إن الوطنية
المناضلة إنما خرجت من جوف السلفية تماماً مثلما أن السلفية انتشرت في جسم المجتمع
المغربي وتغلبت على الطرقية خصمها الديني،باندمجها في الحركة الوطنية ورفعها رأية النضال
ضد المستعمر وأعوانه وعملائه. كل ذلك جعل حمولة مفهوم السلفي تتوسع ليشمل في آن واحد:
محاربة الاستعمار، ومحاربة البدع والتقاليد الاجتماعية الشعبية، والدعوة إلى التجديد
والتحديث في كل مجال في الفكر والسياسة والاجتماع،وأيضاً في مجال وضعية المرأة… وإدماجها
في الحياة العامة “- الجابري – السلفية أم التجربة التاريخية للأمة -23-12-
2003م.

نقول تلك التجربة في المغرب
فيها ما يناسب وضعنا من محاربة أعداء الوطنية ومن يقف معهم و محاربة التقاليد ودعوة
التجديد، ولكن هنالك فروق فمجتمعنا شيعي الأغلبية الساحقة، والسلفية فيه لا تواجه ذاتها
لإصلاحها فقط كما هي في المجتمعات السنية من خلال (( زيارة القبور والأضرحة للتبرك
والتوسل بمن دفن فيها )) كلا، إن الثقافة الشيعية عند مجتمعنا متكاملة ومترابطة. إن
السلفية تعتبر الخصم إذا ما قلنا العدو والأخر لها، وهنالك السلفية خرجت من جوف الوطنية
كفكرة تحديثية إما عندنا هو ليس سوى شعور وطني عامّي وتم الاتجاه نحو الإصلاح الشيعي
في البداية أو التصالح مع التاريخ في مجتمعنا أولاً بعدها جاء الاتجاه نحو تغيير المذهب
والسلفية بعد ذلك، ونحن هنا  لسنا بصدد المقارنة
كلا، إننا نقرأ ونوظف بوعي في الجانبين الظاهرة الدينية كالسلفية مثلاً وواقعنا الذي
له خصوصية لا نجهلها مع القول نحن نرى أن منطق السلفية بالعودة للماضي غير ذو فائدة
ولا ينفعنا، فالعقلانية هي بنت عصرنا نقرأ فيها مشاكل عصرنا وهي من تقدم الحلول في
الجانب السياسي والمجتمعي بأداة النقد وشق الطريق الجديدة تكون بأخذها .

  إذاً
عندما نقول إن الفكرين ذا طابع سياسي (السني، الشيعي)، فهذا يعني حاجتنا إلى العقلانية
وقبول الديمقراطية من أجل رفع وطأة ثقل الدين وتحرير السياسة من تديّنها وتحرير الثقافة
بعقلانتها وأن هنالك في التراث تنويرعقلاني يساعدنا في فهم الدين الإسلامي كي لا يصبح
مانعاً كما يقرئه البعض، وفي عصرنا الحديث اتجاه تنوير عربي إسلامي والعقلانية وحدها
تزودنا بالبرهان والحجة التي تبيّن المعقول الديني مقابل غير المعقول وتساهم في التحول
إلى الديمقراطية والخلاص من الاستبداد السياسي بكل توظيفاته كانت الدينية (الحق الإلهي)،
أو غيرها من أنظمة الحكم الأخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى