آراء ومقالات

مدخل إلى فحص الكلام الأحوازي بشأن مشكلة السياسة 20/20

(قراءة أسباب عدم التحول من المجتمع العشائري الديني التقليدي إلى المجتمع الوطني
الجديد)

 

المنظار الأول : إشكالية  التخلف والحداثة
في الفكر الإيراني الحديث

المقاصد الثلاثة – القانون، الوطنية، الإسلامية

                                                                                      

الفكر الإيراني الحديث تشكل منذ اللحظة الأولى من ثنائية مهمة وهي ثنائية
” الحداثة ” و ” التخلف ” وأصبحت هذه الثنائية ملازمة له منذ بداية
انبثاقه حتى اليوم. ثنائية تحولت إلى معضلة متداخلة ومتشابكة ، معضلة أصبحت “إشكالية”
لا تفارق هذا الفكر لأنه فكر لم يهدَم أسس التخلف ولم يبن أسس الحداثة التي طلبها،
وعدم إنجاز ونجاح أي منهما أدى إلى تعقيد الإشكالية وتعميق الأزمة التي يعيشهما هذا
الفكر طوال فترة ثلاثة أجيال
.

وإذا حددنا بدقة بداية انبثاق هذا الفكر تعد فترة ميرزا عباس” ولي السلطنة
القاجارية ” متوفى عام1832 ميلادي هي لحظة انبثاقه، حيث تعرف أثناءها الإيرانيون
إلى عوامل تخلفهم، وأيضاَ عرفوا مكونات الحداثة وانشغل الإيرانيون منذ تلك الفترة بما
انتبه وأشار إليه عباس ميرزا وهما المحورين المهمين- محور: عوامل تخلف إيران ومحور:
إدراك مكونات تقدم أوروبا . فعوامل ومكونات هذين المحورين كانت نماذجها كثيرة قد لمسها
وتعايش معها عباس ميرزا وهو في منصب ولي العهد، منصب أتاح له أن يصب انشغاله واهتمامه
بعوامل التخلف وتحركه نحو معرفة مكونات الحداثة
.

عوامل التخلف ومكونات الحداثة لا يكون أي منهما حدثاَ عابراَ في تاريخ إيران
بل تشكل منهما جناحا الوعي- في الفكر الإيراني الحديث- وعي كشف الذات الإيرانية المنهزمة،
ووعي كشف الأخر الأوروبي المنتصر، وهذا الوعي ذو الوجهين حمله ذلك السؤال المعروف في
التاريخ الإيراني الذي طرحه ميرزا عباس على جوفير مبعوث نابليون القادم من أوروبا إلي
فتح علي شاه قاجار- حيث تسائل: ” لا أعرف ما هي هذه القوة التي تفوقتم بها علينا،
وما هي أسباب ضعفنا، وما هي أسباب تقدمكم أنتم في أساليب الحروب و الفتوحات و استعمال
القوى العقلية التي تتفوقون بها، فيما نحن نعيش في بئر من الجهل.. قل ماذا نفعل نحن
الإيرانيين حتى نكون فطنين “(أنظر- علوم سياسي ويزه فقه سياسي فصلناميه تخصصى
شماره 21-1382
.)

وهذا السؤال حمل مقصدين رغب ميرزا عباس التعرف عليهما

 المقصد الاول: التعرف على أسباب ومكونات تقدم أوروبا مكونات
كانت حاضرة وفاعلة شهد أثرها في الهزائم إلتي لحقت بإيران في حروبها مع روسيا القيصرية
.

المقصد الثاني : التعرف على عوامل وأسباب تخلف إيران من أجل تجاوزها- كما سعى
لذلك . لذا عُرفت هذه الفترة ببداية اليقظة الجديدة في تاريخ إيران الحديث (( تاريخ
بيدارى ايرانيان
)) .

وهذه التسمية جاءت أثر ما شهدته تلك الفترة من تحرك و انفتاح باتجاه أوروبا
من جانب الإيرانيين، وعلى محورين

  المحور الأول: إدخال الإصلاحات و النظم الأوروبية إصلاحات
بدأها أولاَ- عباس ميرزا عند ما كان حاكماَ على- والى آذربايجان، و هي أول خطة بناء
جديدة عرفتها إيران، وشملت تطوير وتنظيم الجيش حيث استفاد من خبرة وتجربة ضباط أوروبيين
قاموا بتدريب وتعليم الجيش فنون القتال، واستعمال الأسلحة – السلاح الجديد و بناء مصنع
في مدينة تبريز للمدفعية ،ومن أجل استمرار خطة الإصلاح أوفد إلي أوروبا أول البعثات
للدراسة وتعلم إدارة نظم الدولة
.

المحور الثاني: مسار الارتباط و الاتصال بأوروبا حيث أخذ هذا المسار منذ تلك
اللحظة عدة طرق هي- 1: البعثات الإيرانية إلى أوروبا،- 2: بناء المدارس الحديثة،-
3 : الترجمة للمصادر الأوروبية،- 4 : الجرائد و المجلات،- 5: وضع الرسائل،- 6 : الوسيط
المثقف.   و هذا الارتباط و العلاقة التي تشكلت
بين إيران و أوروبا أنتجت وعياَ لدى من ارتبط بأوروبا من الإيرانيين خصوصاَ المثقفين
وعيا شكل رؤية واحدة تجاه فهم الذات وفهم أوروبا معاَ، و يشرح هذه الثنائية و الرؤية
أحد المفكرين الإيرانيين ويقول” اليقظة للأفكار في إيران هي ثمرة التعرف على العلم
والتمدن الغربي والتعرف على مدنية الغرب هو من نتائج العلاقة و الارتباط بين إيران
وأوروبا…المجتمع الإيراني متخلف عن التطور المادي والعلم والحكمة، ولا خبر عندنا
عن ذلك التطور حيث الفوضى العامة في إيران هي سبب تخلفنا عن ذلك ” ،أنظر- فكر
آزادى ومقدمه نهضت مشروطيت- فريدون آدميت ص21،تهران 1340.،و تبعاَ لهذا التحديد الذي
أشار ولرصد التخلف والتطور أصبحت أوروبا تمثل نموذج التقدم والحضارة في الرؤية الإيرانية،
لذلك المقاصد التي طرحت في إيران من أجل تغيره تم أخذها من المرجعية الأوروبية هي كالتالي
.

 المقصد الأول- القانون.

وانطلقت هذه الرؤية تبحث لها عن فضاء و مجال للعمل به، وكثرت الدعوات التي أطلقتها
مجموعة من الشخصيات التي تعلمت و تثقفت في أوروبا ،و أطلعت على ما يدور هناك من تطور،
وهي شخصيات أصبح عددها في تزايد مستمر،كذلك أصبح لها دور فاعل و مؤثر في مسار إيران
المجتمعي و السياسي . وتأثيرها ودورها هذا بدأ يتسع في المجتمع حتى شكلت معارضة لمواجهة
حكام الدولة القاجارية ،وهذه المواجهة بدأت على شكل ضغوط من جانب المعارضة من أجل إدخال
و تطبيق ما تدعو إليه ، وأولى تلك الدعوات و أبرزها دعوة  (( ميرزا ملكم خان )) 1832 – 1908 الذي طلب من خلالها
إدخال و تطبيق (( القانون )) ،ومن وجهة نظره يعد تطبيق القانون هو الحل وفي هذا السبيل
ولتحقيق مقصده أسس – (( مجلة قانون )) عام 1890، حيث رأى سبب تقدم أوروبا هو في تطبيق
القانون و العمل به
.

وهذه الدعوة الأولى تجاه مقصد القانون 
قد وجدت لها من يدافع عنها من الإيرانيين الذين أمنوا أن القانون هو المخرج
من ما تعاني منه البلاد من فوضى، خصوصاَ بعد توقف حكام القاجار عن ما بدأ به ميرزا
عباس و تخوفهم من تجربته في إدخال (( التنظيمات ))، كذلك وقف عملية التجديد الثانية
التي سعى لها ما يسمى في إيران (( أمير كبير )) 
1851م ، وهذا التوقف زاد البلاد ما وصلت إليه من عدم ضبط للحياة العامة السياسية
والاجتماعية والاقتصادية في ذلك الوقت، حيث رأى المدافعون أن الخلاص من الفوضى يكون
في تطبيق القانون والتقيد به، وهو مهمة الدولة. لذلك بدأ التحرك نحو الدولة القاجارية
التي رغب الجميع بأن يبدأ التغيير منها لتطويرها- بإدخال التنظيم و الإصلاح الإداري
عليها، وتشكيل مجلس الشورى لضبط نظام الحكم ليصبح القانون هو المرجعية بدل الاستبداد
و الرأي الواحد، ما تسمى بدولة قانون
.

لكن هذا القانون و الإصلاح تعثر وواجه رفضاَ من حكام الدولة القاجارية حيث قام
ناصر الدين شاه في أواخر سنوات حكمه 48-1896 ،بإغلاق وإيقاف الكثير من الأماكن ذات
النشاطات الجديدة. أصبح الإصلاح يصطدم بمبدأ الاستبداد وهو أساس تشكل الحكم القاجاري،
استبداد موروث من الماضي الإيراني أدى في النهاية إلي فشل تجربة إدخال التنظيمات والإصلاحات
على الدولة بشكل تدريجي ،الإصلاحات التي اختارها دعاة الإصلاح والتغيير . وهذا الفشل
والرفض أوصل الأمر إلي مواجهات عديدة وطويلة دفعت المعارضة إلي الدخول في صراع مع الدولة،
صراع دفع بالشاه مظفر الدين96-1907 على توقيع نص الدستورعام1907 قبل خمسة أيام من وفاته،
دون رغبة منه بل تحت ضغط أحداث ثورة المشروطة، وهي ثورة قد فشلت و لم تنجح أيضاَ في
تحقيق هدفها الذي سعت إليه، حيث الامتياز الذي حصلت عليه و هو الدستور جاء بعد فترة
الشاه محمد علي 1907-1909 وألغي الدستور وحل مجلس الشورى لتعود البلاد إلى فترة ما
أطلق عليه “الاستبداد الصغير” حيث تأزم الوضع بعد القتل والنهب الذين ترافقا
مع إلغاء الدستور و تصفية رموزه التي عملت عليه. وفشلت تجربة الدستور كما فشلت من قبلها
مساعي إصلاح الوضع والحكم . وتعد تلك تجربة قاسية جداَ بالنسبة إلي كل دعاة الإصلاح
.

التجربة التي حملت معها اليأس إلي النفوس بإصلاح البلاد بشكل عام حيث تمزقت
أكثر فأكثر، و هذا ما دفع الجميع من سياسيين و مثقفين في البحث عن وجهة أو مقصد أخر
بعيداَ عن الإصلاح و القانون للخروج من التمزق و التأزم الذي وصلت إليه البلاد
.

 

المقصد الثاني- الدولة القومية.

المقصد والاتجاه الذي طرح بين الأوساط الإيرانية والتف حوله الجميع هو مقصد
بناء “الدولة القومية” ، دولة مهماتها الأساسية توحيد إيران جغرافياَ و سياسياَ
بالقوة،و تشكيل هوية واحدة للبلد وهي الهوية الفارسية. هذا هو الاتجاه والمضمون العام
للمقصد الثاني، وأصبح هذا المقصد مطلب ودعوة كل الإيرانيين
.

والجيل الثاني من القوميين وقف وراء ترسيخ و نشر هذا المقصد بشكل واسع بين الإيرانيين،
و يعتبر سيد حسن تقي زاده1878-1970 من أبرز شخصيات هذا الجيل الذي تثقف بالثقافة الأوروبية
ومن أشد دعاة الرؤية القومية،على النمط الأوروبي، و دعوته معروفة حيث طلب أن تؤخذ التجربة
الأوروبية بكاملها و تطبق في إيران  (( من القدم
حتى مفرق الرأس باستثناء بقاء اللغة الفارسية )) ، وكان دوره مهماَ في بلورة الرؤية
القومية، الرؤية التي اجتمع حولها و دافع عنها الجيل الثاني بكامله الذي تغيرت رؤيته
بعد فشل الحركة الدستورية التي عاش أحداثها، وما وصلت له أمور البلاد من تدهور و فوضي
خصوصاَ قبل وبعد الحرب العالمية الأولي، وهي إجمالاَ أحداث اجتمعت ليشكل منها الجيل
الثاني توجهه السياسي فيطلب تشكيل دولة قومية يقودها رجل قوي و إن كان مستبدا يسيطر
على الحكم ليوحد البلاد بالقوة وينقذها من الانقسام و يخرجها من الفوضى، وقد أصبحت
وحدة البلد وفرض الهوية القومية الفارسية هي الاتجاه الذي ساد وتصدر الخطاب الإيراني
السياسي والثقافي ليكون هو الحاكم الرسمي
.

 

ولتحقيق هذا الهدف التف حول هذه الرؤية الجميع من المثقفين إضافة إلي السياسيين،
و جميعاَ شكلوا حركة وتياراَ دفعوا من خلاله بالأمور لتعجل في إسقاط الحكم القاجاري
ووقفوا إلي جانب رضا خان رغم أنه رجل عسكري ومستبد في آرائه، وهي حركة انقلبت على القانون
خصوصاَ وهذا التيار هو الذي دفع مجلس الشورى ليغير موادا من الدستور(36،37،38) مع طرح
(( مادة واحدة )) لصالح رضا خان ليكون تنصيبه شرعياَ في الظاهر. وبعد ذلك التنصيب أصبحت
كل الأمور في قبضة رضا خان شاه إيران و سار الحكم في عهده على اتجاهين

 

الأول: فرض القوة من خلال الجيش الذي كان أداة رضا خان للوصول لكل ما رغب الوصول
إليه، والعقيدة القومية الفارسية هي التي فرضت لتشكل الهوية الرسمية لإيران و تحذف
هويات كل الشعوب الأخرى و تحارب ثقافتها
.

الاتجاه الثاني: النمط في التحديث أو شبه التحديث على الشكل الأوروبي حيث أخذ
يتحرك باتجاه تطبيق النموذج التركي البلد المجاور لإيران- تحديث قصد منه تقوية نفوذه
و فرض إرادته الاستبدادية
.

هذان الاتجاهان أنتجا معارضة له ،ومن طرفين. من قبل – القوميات ،ومن قبل المثقفين
الفرس أنفسهم بعد أن تفرد بالسلطة وأسكت كل الأصوات، وهي أصوات التي عملت في السر ضد
حكمه، و ظهرت في العلن بشكل مباشر لتعبر عن أفكارها ومعارضتها، وذلك بعد أن دخل جيش
الحلفاء إيران واسقط رضا خان من الحكم – حيث شهدت تلك السنوات فترة من الفوضى وعدم
الاستقرار السياسي والأمني في كل أطراف البلاد. وهي تعد فترة من الحرية في إيران سمحت
لكل أطراف المعارضة لتعمل وتنشط في سبيل حصولها على حقوقها، و حل قضاياها لكن ذلك المتنفس
من الحرية- لم يطل حيث انتهى بعودة سيطرة المركز وتولي محمد بهلوي الابن الحكم في إيران
حيث قضى على كل الحركات لتبقى القضايا دون حل أو تخمد بالقوة فيصبح السكوت نصيبها أو
يتم التعامل مع بعضها بشكل سطحي
.

 

فترة حكم محمد بهلوي الابن وريث الأب كانت النموذج والشاهد في التعامل على هذا
الشكل مع القضايا الإيرانية المهمة، وبثلاثة أساليب- أسلوب الإخماد، التعامل السطحي
و السكوت التام – أسلوب الإخماد- تعامل به مع حركة محمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني
الذي وصل لرئاسة الوزراء بتأييد أعضاء البرلمان و هذا ما دفع محمد بهلوي إلي ترك إيران
إلي الخارج حتى تستقر الأوضاع لصالحه فيعود للحكم .و فعلاَ بعد فترة قليلة عاد للحكم
بعد إخماد حركة مصدق عام 1953 حركة أراد لها مصدق أن تصحح مسار الحكم و الوضع في البلاد،ومنها
خطوته التي أثارت جدل سياسي داخلي و خارجي، و هي عملية تأميم النفط الإيراني التي كانت
أهم عامل وراء إخماد حركته
. 

أسلوب التعامل السطحي- تمثل في المجال الاقتصادي – ومنها خطة إصلاح الأراضي
عام 1962م، وهي أطروحة قصدت حل مشكله ملكية الأرض، وهي تعد من المشاكل المزمنة في إيران
أثر عدم تحديد الجهة المالكة للأراضي الزراعية من الناحية القانونية لذلك أصبحت من
أولويات مشاغل رجال الدولة والبرلمان. قضية تنازع فيها طرفان طرف أراد لها أن تنفذ
و طرف عرقل العملية، ويمثل الطرف المعرقل الإقطاعيون الذين يشكلون كتلة في البرلمان-
حيث كانت خطة الإصلاح مدرجة على البرلمان ليسن قوانينها. الشاه محمد بهلوي أصدر أمره
ليعمل في الخطة لحل مشكله الملكية للأراضي الزراعية وهي ملكية غير مشخصة حيث يخضع تملك
الأرض لنفوذ الإقطاعيين وفق علاقتهم بالسلطة فيما تبقى ملكية المزارع للأرض غير مشخصة.
وهي خطة أريد منها حل هذه المعضلة وفق ما نص عليه قانون تحديد الملكية و تعيين طريقة
“بيع و شراء و إيجار الأراضي الزراعية” – كمدخل لتطوير المجال الزراعي و
ارتفاع إنتاجه ،وهي خطة رغم انشغال المجتمع و الدولة بها لكن لم يحالفها النجاح بسبب
غياب حل لأساس المشكلة و هي الملكية، و استمرت النزاعات المختلفة بين الدولة و المزارعين
، و بقت القضية معلقة دون حل نهائي لها حتى عام 1984 حيث ألغى هذا القانون من جانب
مجلس صيانة الدستور (( فقهاى شوراى نكهبان )) الذي أعتبر القانون مخالف مع الأسس الدينية
. والأمر كذلك حصل عند ما ارتفعت نسبة عائدات النفط في أواخر عام 1973 العائدات التي
فتحت الباب فقط أمام إدخال بضائع جديدة إلي البلد و حصل أثر هذا الانتعاش ارتفاع في
مستوى المعيشة بشكل سطحي ،حيث هذه العائدات لم تكن تستثمر من جانب الدولة وفق خطط تنموية
لتطوير هياكل المجتمع ومؤسساته – مجتمع أصبح نسبة ارتفاع عدد سكانه تزداد في عقد السبعينات،
وهذا الازدياد أصبح لا يتناسب و الإمكانات المتوفرة في مجالات التعليم و الرفاهية و
فرص العمل و الاشتغال إضافة إلي أن هذه الإمكانيات التي هي في يد الدولة لم تكن تقدم
أو توزع بأسلوب متساوي ومناسب حيث كانت الإمكانات التي تقدمها الدولة منحصرة في مدن
دون أخرى ، و في يد مجموعة خاصة تتحكم في شؤون الحكم و المجتمع ،وهو مجتمع ينقسم سكانه
بين المدن و القرى
.

أسلوب السكوت- و هذا شمل قضيتين الأولى وضع القوميات في إيران حيث تم ممارسة
أسلوب التناسي معها- فكل مطالبة كانت تواجهها الدولة بعنف، الأسلوب الثابت. القضية
الثانية- السكوت عن أطروحة أن تصبح إيران خلال عشرة سنوات خامس قوة صناعية في العالم
حيث التقدم الإيراني تبخر و تحول إلي شعار أثبت فشله عندما تم رفعه في عهد محمد بهلوي
شاه إيران الأخير. هذا الفشل بقى يطارد الدولة و يؤزم المجتمع، وهو فشل تقف وراءه جملة
أسباب حملها الوضع الإيراني الممتلئ بالأحداث و المعضلات منها التي هي موروثة  (( الاستبداد الإيراني ))  أو تلك التي أضافها تطبيق مقصد الاتجاه والحل القومي
إقصاء القوميات ومحاولة تغيير واقعها الثقافي وتركيبها السكاني والجغرافي، وهي إجمالاَ
أحداث متلاحقة ومعضلات متجذرة عصفت في إيران الحديث الذي تشكل وفق رؤية خاطئة لم تعالج
و تحل المعضلات بل زادت إليها، و إذا هذه الرؤية الخاطئة التي استندت على الروح القومية
أنجزت رغبات القوميين في تحويل إيران إلى بلد تحكمه هوية واحدة فأنها فشلت في الجانب
الثاني و هو بناء دولة   و مجتمع حديثين يتمتع
فيهما المواطن بحقوقه الثقافية والسياسية بعيداَ عن انتماءه العرقي و الثقافي. ما انتبه
إليه الجميع أن أسباب التخلف وعدم التقدم أسباب متشابكة ومتداخلة مرتبطة بعضها في بعض
أو كما يصطلح عليها هي (( إشكالية )) ،وليس كما تم تحديد أصل المشكلة في سبب أحادي-،
وهو تحديد أثبت خطأه لأنه أصلاَ تحديد أيديولوجي أعمى لم يشاهد الواقع الذي ينتج نماذج
من التخلف يوميا. مساحته تزداد اتساعاَ في إيران أثر ما فرضت تلك التحديدات من أخطاء
شتى جعلت كل المشاكل مكبوتة تبحث لها عن أية فرصة لتخرج و تنفجر، و محاولات تجاوزها
بعنف الدولة فشلت جميعاَ- وهذا ما أدي أن تكون الدولة الإيرانية أداة لبث التخلف وترسيخه
لا قلعه والتخلص منه، وهذا الأمر قد كشفت عنه كثير من الدراسات ، أنظر  ((  اقتصاد
سياسى ايران از مشروطيت تا بايان سلسلهْ بهلوى – محمد على همايون كاتوزيان- جاب ششم-
تهران  1377 )) . مع التجارب التي خصت الحكم
البهلوي الذي أستمر يقبض على الحكم 53 عاماَ. تلك الفترة الطويلة من الحكم أكدت أن
الاتجاه الواحد ( الحل السياسي ) – وحده أصبح لا يكفي في بلد متعدد القضايا والمشاكل
حيث الاستبداد السياسي أصبح من ثوابت الثقافة الإيرانية مثلما قد بقت عملية حل قضية
القوميات مهملة ومسكوت عنها، وبالتالي تجاوز التخلف في بلد مثل إيران يعاني من هكذا
معضلات يصبح (استحالة)- إذا ما تشكلت فيه دولة مدنية تصبح الخيارات في يد المواطنين
لتحقيق مقاصدهم و وفق رغباتهم لا أن تفرض عليهم- لأن المقاصد التي فرضت أصبحت تقبض
على مصير الجميع لا تفتح أبواب الحرية، ولا تبث المساواة ،و إن ادعت ذلك كما هو المقصد
الثالث الإسلامي الذي قبض على الحكم في إيران
.

 

المقصد الثالث- الأصول الإسلامية.

 

المقصد الإسلامي (الثالث)،هو المقصد الذي يسجل عقد الثمانينات بداية تاريخ وصول
الدعاة له لحكم إيران بعد سقوط الحكم البهلوي- مقصد إسلامي تم التأكيد على أنه هو الأصل
كما جاء ذلك في دستور البلاد الذي تم تدوينه وجاء في المقدمة منه (( إن عدم موفقية
ونجاح كل من نهضة المشروطة ضد الاستبداد، والنهضة الوطنية ضد الاستعمار لتأميم النفط
عائد إلى عدم توسل المكافحين بأصول الإسلام الأساسية )) ، أنظر- قانون اساسى جمهورى
اسلامى ايران- تدوين- جهانكير منصور-  1379
. ولكن الأحداث الأولى التي رافقت الثورة أثبتت أن الثورة انقلبت على ما دونت، ولم
تنفذ ما قد ألزمت نفسها به، وهي ( الأصول الإسلامية  ) التي خطت مواد الدستور وفقاَ لها.   حيث تعاملت قيادات الثورة في المركز طهران مع مجمل
الأحداث وفق رؤية الحكم أولا- لا العدل والمساواة- كما هي أصول الإسلام و هي رؤية أصبحت
ثابتة تنطلق منها لإدارة الأحداث و مواجهة الأزمات. وانعكست تلك الرؤية في مواقف وطريقة
اتخاذ القرارات من جانب الثورة تجاه ما تظهر من مشاكل و قضايا أصلاَ جاءت الثورة لوضع
مشروع يحمل حلول لها ويعالجها، لا يحاربها كما فعلت، وهي قضايا كافح أصحابها في سبيلها،
وهو كفاح أدى إلي إسقاط الحكم البهلوي، وفي المقدمة منها طلب تشكيل نظام يراعي حقوق
الجميع على أساس المساواة، ويعيد لأصحاب الحقوق حقوقهم ، و يفتح لهم فضاء من الحرية
ليتمتعوا في حقوقهم بأمان
.

إلا أن هذا لم يحصل و شهدت الفترة الأولى بعد استلام مؤسسات الحكم عملية تصفية
لأن الثورة لم تف و تنفذ ما قد ألزمت نفسها به، ولم تحمل معها مشروع تغيير يناسب الوضع
الداخلي الإيراني حيث لم تقدم لا خطط ( تنمية ولا رؤية مصالحة ولا نية إشراك) ، وهي
ثلاثية الطموح والأمل كان يدور حولها، والجميع ينتظرون من الثورة إنجازها. كما أن إيران
كانت تحتاج لهذه الثلاثية- أولاَ: لقلع الفقر والتخلف، ثانياَ: إزالة الفوارق أثر الوسعة
الجغرافية والتعدد القومي، ثالثاَ: حرية التعبير لتعدد التيارات ذات الرؤى السياسية
.

 

والثورة جاءت معاكسة لهذه الثلاثية منذ البداية حيث بدل نشر ثقافة دولة الجميع
أبرزت نقيض هذا، و هو خطط طرد و مواجهة عنيفة نفذتها أولاَ- ضد الشعوب غير الفارسية
،ثانياَ- تصفيتها وعزلها معارضيها ،ثالثاَ- إهمال معالجة الفقر و التخلف، و بذلك لم
تؤسس لمقصد إزالة أسباب كل أنواع التخلف ونشر التنمية بل تراجعت عن هذا العمل، وبذلك
نشرت الثورة بذور ثقافة الكراهية نحوها والتشكيك في نواياها
.

 

وقبل أن تنتهي من تصفية الداخل وتلتقط الأنفاس ورطت إيران في حرب مع العراق
لثمانية سنين ضاعت فيها فرص عديدة وأهدرت في سبيلها أموال كانت إيران في أمس الحاجة
لها ، وعندما خرجت من هذه الحرب عام 1988 وجد المجتمع الإيراني نفسه في قبضة مجموعة
خاصة من رجال الدولة الجديدة تتحكم في هذا البلد. وهذه المجموعة بدل وضع خطط تنمية
صحيحة و مدروسة قابلة للتنفيذ لوقف عوامل إنتاج التخلف والأزمات التي تعمقت أكثر خلال
الحرب وتصحيح أخطاءها، وقعت في صراعات داخلية شارك فيها جيلان ,جيل كان قد شارك في
الثورة و هو يجد نفسه الحارس والحامي لها، و جيل خرج من بطن الثورة يدعي لنفسه بأنه
يحمل فكر التغيير و إصلاح الأمور، وأصبح الصراع يدور و بأشكال مختلفة للسيطرة على المؤسستين  (( القوة التشريعية مجلس الشورى)) ، و (( القوة
التنفيذية رئاسة الجمهورية ))، وفي ظل هذا الصراع تم تغييب الخطط الصحيحة و المدروسة
المفترض أن تقدم لمعالجة المرض المزمن و هو التخلف، وهذا التغيب أشتد أكثر خاصة منذ
عام 1995 عندما أظهر أحد أطراف الصراع وجوده السياسي باسم الإصلاحيين، ودخل في هذا
المسمى كل من لا ينتمي ولا يؤيد اليمين المحافظ المتشدد . وهو تميز توضح أكثر من جانب
الإصلاحيين” اليسارالإسلامي” في عام1997 عن اليمين الذي يحظى بتأييد و دعم
مؤسسة  ( ولاية الفقيه مرشد الثورة )،وهي أعلى
سلطة مرجعية في إيران تدافع عن بقاء مفهوم الثورة والاستعانة بروح الثورة لمواجهة ليس
التخلف فقط بل الأزمات الداخلية والخارجية
.

 

هذا ما أكدته أحداث و أوضاع إيران في السنوات الأخيرة التي حملت معها كثير من
التوترات والأزمات الداخلية والخارجية، وهي سنوات تعد تراجعية حيث عدم الاهتمام من
جانب الدولة أدى إلى ارتفاع نسبة التخلف إلى أضعاف ما كانت عليه في العهد البهلوي بحكم
ارتفاع عدد سكان إيران إلي 70 مليون مع فشل خطط التنمية ؛ و هذا الأمر تشير إليه كل
الإحصائيات و الدراسات التي تصدر في الشأن الإيراني . و منها دراسات تطرح ثنائية التخلف
والحداثة، وفي نفس الإشكالية مثلما يطرح نفس السؤال الذي طرح قبل 170- عام في إيران
و في نفس الصيغة – لماذا تخلفنا نحن وتقدم الغرب ؟
  

 

المنظار الثاني :

الروح الإيرانية
وقبضتها على نوافذ التاريخ الثلاث
.

الانبعاث الوطني الذي بشّر عن قدومه الرجل العسكري (رضا خان- شاه إيران الأول)
– و هو يتحالف مع القوى الوطنية الفارسية مباشرة بعد دخول طهران في 21- مارس 1920 م-1-
اسفند 1299 تاريخ إيراني، يعد الانطلاقة الأولى في تثبيت أيديولوجية الدولة القومية
و تدوين مكونات هوية إيران الجديدة بعد سيطرة هذه القوى الوطنية المتشددة، و التي أصبحت
مهمتها الأولى التي يجب تنفيذها هي إحياء الروح القومية الفارسية وتجديدها ، والتجديد
والإحياء أخذ جانبين –الأول: سياسي/ عسكري قام شاه إيران الأول رضا خان (21-1941م)
و من بعده الشاه الثاني محمد بهلوي 41-1979 في فرض ذلك
.

الثاني : ما تم التوافق عليه من جانب الدولة و القوى القومية الفارسية أن تكون
إيران – ثقافياَ و سياسياَ ماضياَ و حاضراَ و في المستقبل فارسية – تشكلها هوية واحدة
وهي الفارسية- وهذا التوافق و الإجماع يرفض و يمِانع أي حضور و مشاركة رسمية ثقافية
و سياسية لأبناء الشعوب الأخرى ،    و تحول
هذا الإجماع إلى مبدأ ثابت للدولة و لكل القوى الإيرانية و يلتزم فيه الجميع، وهذا
الالتزام بالروح القومية ، أو ما يسمى في الخطاب الفارسي (( عرق ملى )) ، أصبح من أهم
مكونات كل التيارات التي تصنف إلى أربعة
.

أولا: التيار القومي الليبرالي الذي ضم ملكم خان وتقي زاده، وبعدهما محمد مصدق .

الثاني: التيار القومي المتشدد- الذي ضم ميرزا خان كرماني، آخوند زاده، وهو
الذي حكم وغلبت أفكاره في العهد البهلوي وإلى اليوم
.

التيار الثالث: الذي دمج القومية في الدين – حسن مدرس ، كاشاني، طالقاني، الحركة
الوطنية و الخميني
.

التيار الرابع: اليسار الإيراني رغم شعاره الأممي (( انترناسيوناليستي ))  .

أصبح هذا الالتزام هو المقياس الأساس في تعريف هوية إيران، و هو مقياس خطير
جداَ،لأنه أصبح أهم من دستور الدولة حيث الدساتير تتغير(كما تغير دستور إيران عام
1980 – لكن هذا المقياس لم يمس) و هو مقدس أكثر من العقيدة الدينية- و الأولوية دائما
ما تكون له . و لا يمكن المساس بهذا المقياس و تغييره بأي شكل من الأشكال حتى عند ما
يأتي مقياس الاختيار و تحديد المصلحة، و كثيرة الأحداث التي أكدت على هذا الأمر،و لتأكيد
أن الروح القومية لها الأولوية في إيران نأخذ حدثين فقط من التاريخ و من تجربة الثورة
الإيرانية عام 1979- تحديداَ
.

أولا: عند ما تم التخلي عن أصول العقيدة الإسلامية و منها العدالة و المساواة
لصالح الروح القومية الإيرانية- و التخلي هذا جاء في ذلك القرار المعروف الذي صدر من
زعماء الثورة الدينية بأن مطالب الشعوب في تطبيق العدالة و المساواة و إن هي مطالب
لا تعارض أصول العقيدة الإسلامية والشيعية تحديداَ لكن بما أنها تعارض وتناقض مقصد
( الروح الإيرانية ) تم الرفض لها وتصفية المطالبين بها عام 1980
.

 

ثانياً: ما حصل من تداولات و مناقشات لمسودة دستور إيران الجديد- و تحديداَ
ما حصل للمادة (19) الفصل الثالث- حقوق الأمة 
(( حقوق ملت)) – في التصديق النهائي عليها الجلسة 27 مجلس خبركان- الخبراء من
حذف لما جاء في المسودة الأولى من ذكر القوميات في الاسم (( في جمهورية إيران الإسلامية
كل الأقوام الفرس، الترك، الكورد، العرب، البلوج، التركمن،و أمثالهم متساوون في الحقوق
لا امتياز لأحد على آخر إلا في التقوى )) (1
).

 

إيران بلد تطرح فيه كثير من الرؤى و القراءات النقدية المختلفة من جانب القوى
الوطنية الإيرانية، ومنها نقد نال العقيدة الدينية البعض منه عنيف             و غير موضوعي عندما تم التركيز على”الفقه”
أكثر من باقي محاور الفكر الديني الأخرى لارتباطها بالفكر القومي الفارسي القديم خاصة.
أما المقصد القومي بقى هو الاستثناء الوحيد(الممنوع التفكير به)- وهذا المقصد ليس فقط
لا نقد عليه بل الجميع في توافق للدفاع عنه و بقاءه وعدم التخلي عن روحه لا من جانب
الدولة ولا من القوى الوطنية، وهذه الروح القومية لا يستثنى منها حتى زعماء الحركة
و الثورة الدينية في إيران، و هذا ما أشار إليه أحد أكاديمي و مثقفي إيران الثورة  (( لا يمكن تجاهل الهوية القومية الإيرانية في حالة
الإمام الخميني )) (2
) .

 

هذا يدل أن المقصد القومي ليس فقط خص مرحلة الحكم البهلوي و لا الروح القومية
يحملها جيل دون آخر ، حيث العهد الجديد لم يشهد ترك و إهمال لهذا المقصد كما هو شأن
كثير من المقاصد التي تطرح من جانب الإيرانيين ويحصل اختلاف حولها و تنقسم الآراء بشأنها
بل هذا المقصد اختلف وضعه حيث أصبح يحظى بقيمة معنوية ملازمة للثقافة يعتز بها و يدافع
عنها الجميع، وقد قبضت هذه القيمة على منافذ التاريخ الثلاثة: الماضي ، الحاضر، المستقبل،
والإيرانيون في العهد الجديد لم يقطعوا الجسر القومي بينهم حيث في العهدين عند التدوين
و التفكير في قضايا إيران يحتكمون وينطلقون من نفس الروح لتعميقها و تعزيز قوتها و
ثوابتها التي أصبحت سارية المفعول من لحظة رضا خان – شاه إيران الأول حتى زعيم الثورة
الخميني الذي حفظ و حمى القيمة من التهديم و التمزيق. وهذا التواصل و الدفاع وعدم الانقطاع
لم يبق للشعوب طريقا سوى أن تختار مقصد الكفاح الذي شكل هوية قضيتها، وهو مخرجها مما
هي فيه
.

2- مقصد القوميات ثقافة
الكفاح من أجل الخلاص محاولات الخلاص الثلاث . ثقافة الخلاص برزت على شكل هوية لتميز
ممارسات و لغة هذه الشعوب و هي لغة و ممارسات تختلف عن لغة و ممارسات الدولة الإيرانية
و قواها الوطنية. و ما يميز و يحدد هوية كفاح الشعوب هي ثقافتها التي ليست هجومية بل
دفاعية ترفض الوصاية ، و تدافع عن وجودها الإنساني بالدرجة الأولى، الوجود المهدد أثر
ما تتعرض له هذه الشعوب من خطر يهدد بقاءها و يمثل هذا الخطر عملية التصفية العرقية
– الجغرافية. و للتصدي لهذه العملية كافحت و طالبت و ناضلت بأشكال مختلفة لأجل استعادة
حقوقها في العهدين. و تمثل ذلك النضال- في ثلاث محاولات مهمة في تاريخ كفاحها،وهي محاولات
لم تنج بها لأسباب كثيرة لا مجال للتطرق لها هنا – المحاولة الأولى: انطلقت في عام
1941- حيث تحركت و نهضت عندما دخلت جيوش الحلفاء إيران و خلعت رضا بهلوي عن الحكم-
و شكل الشعب الكردي بقيادة محمد قاضي جمهورية كردستان في مهاباد،مثلما فعل الشعب الآذري
التركي أيضا حيث شكل الجمهورية الديمقراطية بقيادة جعفر بيشه ورى، و شهدت الأحواز حركة
مماثلة لاستعادة الحكم على الإقليم
. .

المحاولة الثانية: مشاركة الشعوب في التخلص من الحكم البهلوي عام 1979- لكن
الثورة الجديدة وقفت بشدة أمام طموحات هذه الشعوب ورفضت منحها أي من حقوقها و مارست
العنف و التصفية ضدها خصوصاَ ما حدث للشعب الكردي، والشعب العربي في الأحواز
.

 

المحاولة الثالثة: الدخول عام 1997- في العملية الإصلاحية و رغم حضورها و تأييدها
للحركة الإصلاحية التي طرحت شعارها الأول- (( إيران لكل الإيرانيين ))، إلا أنها لم
تحصد سوى الإهمال و عدم الاعتناء بها .و القوى الممثلة لهذه الشعوب لا تزال تواصل عملها
النضالي منقسمة ما بين ( الداخل والخارج) ، وهي الآن في مهب التغيرات حيث في الداخل
تواجه (التحريم وكل الأبواب مغلقة أمامها)، سوى بعض نداءات تصدر من دعاة الإصلاح –
دعاة دولة المستقبل الديمقراطية التي يسمح بها لأبناء الشعوب ممارسة حريتهم ، و تمنح
لهم بعض من حقوقهم، وهي حقوق غير واضحة خصوصاَ وتجارب الماضي جميعاَ أكدت أن هذه الأطروحات
تقدم من أجل الخروج من الأزمات ، ولا مجال للوفاء بها وان كان بالنسبة لشعار الإصلاحيين
الأول- أو الشعار الجديد المطروح  (( نجات ملى-
الإنقاذ الوطني )). أما القوى في الخارج تعتمد بالدرجة الأولى في حراكها السياسي على
الدعم و التأييد الدوليين لها لتعزيز كفاحها
.

 

3- استحالة الوفاق
بين الوصاية والخلاص

 

جميع المعطيات الموضوعية تأكد أنه لا مجال في أن يجتمع مقصد الدولة الإيرانية،
مع مقصد الشعوب غير الفارسية، وبالتالي استحالة جمع المقصدين وهناك سببين أساسيين وراء
تجذر هذه الاستحالة- السبب الأول: هذه الشعوب التي تبحث عن الحرية في عصر الدفاع عن
الهويات قد تحتاج لهذه الحرية لتصوغ فيها أهدافها وفق إرادتها. وهي في هذا تمارس حقها
الطبيعي في اختيار ما يتناسب مع تكوين كل شعب من هذه الشعوب وفق ثقافته ورؤيته السياسية
وطموحاته في التغيير. وهذا أساس الصراع حيث يعد هذا دفاعاَ من جانب الشعوب فهي تحافظ
على ما تبقى من آثار  ورموز تعرف وتثبت هويتها
. كما تريد أن تثبت أن إيران جغرافياَ وثقافياَ لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في
المستقبل لم تكن للفرس فقط ويجب فك قبضة الفرس عن منافذ التاريخ الثلاث
.

السبب الثاني: نهج الدولة الإيرانية الذي لم تتزحزح عنه، وهو سلب ومصادرة حرية
القرار والاختيار من الشعوب غير الفارسية- وتنفذ هذا النهج بأسلوب هجومي القصد منه
في النهاية مسح كل ما يثبت و يدل على هوية هذه الشعوب،و بالتالي اختلاف الطرفين يكونان
في الخطاب والطموح
.

المصدر.

1- مجله اطلاعات سياسى-
اقتصادى-شماره 142/ 141- خرداد و تير- ص 32-سال 1378- محسن خليلى
.

2- صادق زيبا كلام-
مركز الدراسات الاستراتجية الأهرام – مختارات إيرانية- العدد21-السنة الثانية – ص22
.

 

خلاصة أولية ومختصرة نخرج بها

 (علاقة الفكر بالواقع)

ماذا يعني لنا كل هذا الكلام وربما الإطالة في موضوع الوطنية كقضية مركزية ؟
الإجابة نقول فيها إن أخطر ما يواجه مجتمعاً ما (كما هو مجتمعنا الأحوازي) في مرحلة
من تاريخه هو خطر  الفوضى و اللانظم ، فلا يكون
هنالك فكراً  منظماً يقوم بمهمة النظر والفحص
إلى أسباب  التدهور الذي يعيشه المجتمع كواقع
معاش، وأن مهمة الفكر  بالنسبة لنا هي  بناء نظرية 
متماسكة  في مجالين الأول –  تبيان مقومات القضية المركزية و هي التحول من المجتمع
التقليدي إلى الوطني ،وأن هذا يطلب  الفصل  بين قضيتين 
الوطنية وهي التي لها (وظيفية تاريخية ) وبين مكونات المجتمع التقليدي والتي
( ليس لها وظفية تاريخية ) تؤديها  و تساهم
في البناء للمجتمع الجديد. و إن أسوأ  أزمة  تظهر دون معالجة لها هو أن لا يحصل هنالك توافق
أو فهم على  قضية مركزية  يقبل فيها أعضاء المجتمع  الواحد بعد أن يقوم الفكر بمهمة التعريف لها  ليكون الدفاع عنها  من طرف الجميع 
في ساحة الفكر و ما يرتبط فيه، ولا تكون ساحتها العاطفة والفوضى وهو حالنا  اليوم كما كان في الأمس  عند المجموعة و عند الفرد . حيث عندنا  يسير كل فرد وفق هواه  تحكمه عاطفته و تسيره فقط منافعه دون مشاركة الأخرين
، والأمر نفسه يكون  عند العمل الجماعي  المجموعة أفرادها يعيشون في جزيرة  منفصلة عن أفراد المجموعة الأخرى وهكذا ( ينقسم
الأفراد والمجموعات الذين يتكلموا عن السياسة ) بفواصل ليس فقط على صعيد الوعي والحوار
،بل على صعيد الجغرافية والتاريخ لاحقنا  جيلنا
اليوم لا يعرف  شيئاً عن سابقنا وكل جيل يدعى
كما كل فرد وكل مجموعة هي الأصل وهي من تملك الحقيقة والأخر هو الخصم و إذا ما قلنا
العدو، وهي  ظاهرة  شكلها سياسي 
إلا أنها بالواقع  تمثل واقع ثقافي عشائري  بامتياز، فكل عشيرة تنطوي  داخل عالمها 
في عنصرين أفرادها وجغرافيتها ومن يقف خارجهما هو الأخر لها  الخصوم أو العدو . إن هذا هو ما يزودنا فيه ليس
فقط واقعنا اليوم  كمجموعات متشرذمة تظهر هنا
وهناك، بل إن تاريخنا  كذلك خلال سبعة عقود
كما تجولنا فيه. فلم نصادف  خلال جولتنا في
الواقع الأحوازي التاريخ ما يخبرنا أو يوفر لنا ما يناقض كلامنا هذا الأخير حول طرحنا
الأساسي  أسباب عدم التحول
.

إننا طرحنا بكل وضوح  قضية عدم التحول  من المجتمع 
العشائري الديني التقليدي  إلى المجتمع
الوطني المولود الجديد و قمنا بصياغة جملة من الأسئلة،فلم نطرح  كما رأى القارئ  مثلا  مسألة
عدم التحول إلى الديمقراطية أو إلى العلمانية أو إلى المجتمع المدني ، كما و تجولنا
في ما تقتضيه الدعوة وليس الدولة. أما أن تكون مسألة التحول من الدعوة إلى الدولة وهي
قضية كل دعوة وطنية تريد الاستقلال  ذلك  لم يكون موضوعنا هنا . موضوعنا هو  كذلك لم يكن يخص الأدوات  وإن كانت تمثل مانعاً أمام بناء التحول ،فهو حسب
وجهة نظرنا أن الأدوات موجودة  داخل مجتمعنا
وفي عاملين ( التخصص  و الفائض من المال  وإذا كانت بجانبهما فكرة   يصبح  ما
أسميناه بالممكن الوطني) بشكل نسبي ولكن إن 
يكون حصل تحول من الممكن العشائري و الديني إلى الممكن الوطني ،وأن هذا شيء  لا يخالف ما قلنا ، بمعنى دون أن يكون هنالك فكراً
و إدارة  و وضوح كيف أن تسمح العشيرة أن تهدر
مالها في أمر لا يعنيها  و كذلك مؤسسة الدين
كما هو واقعنا يخبرنا. إن المؤسستين القبيلة و الدين لا يمكن لهما الحياد  إما أن يكونين مانعاً أو يمارس الفكرة – العقيدة
الوطنية  خترقا للطوق، وهذا الأخير لم يحصل  دون أن تكون هنالك مقدمات للتحول
.

  تجولنا  في واقعنا
الأحوازي هو وحده من يوفر لنا الشواهد  التي  تعطي معنى لأي كلام يتم صياغة وفق نظرية و يصبح
رأي ووجهة نظر، فوجدنا  (ثلاثية عوامل أو مفاتيح  متشابكة و متداخلة  العشائرية تمثل المركز و القطب ، الرومانسية في
الكلام الأحوازي في النظرة للسياسة،غياب مفهوم الوطنية نفسها  وهذا يعني غياب الفكر في فهم المفاهيم، تجولنا في
تاريخنا فلم نصاف دليلا ولا شاهدا على وجود قيادات سياسية تدير ولا تنظيمات تملك أستراتجية
سياسية إن كانت ترفع شعار التحرير أم إن الشعار الحل السياسي داخل الدولة الإيرانية
، و كل ما وجدنا تذبذب و تحول  بشكل عفوي (لا
يقوم على التخطيط )، وأن هذا يصدق على فترة تاريخية ليست قصيرة، بل إنها تمثل قرابة
سبعة عقود( 1945-20012 )، وكما أننا لم نصادف في طريقنا ما يدل على أن هنالك  نخبة فكرية 
أحوازية ظهرت عندنا في حقبة تاريخية ما 
و قامت بمهمة  وضع أصول و قواعد  لفكرة مركزية أحوازية (الإنتاج الفكري في جانين
الثقافي التحول والكلام عن مفهوم الإيديولوجية الذي يحتاج إليه السياسي)، وغني عن البيان
القول إن السياسي يستخدم و يستهلك ما ينتجه المفكر. إن هذه جملة مقومات  عدم وجودها أدت إلى عدم التحول من المجتمع العشائري
الديني التقليدي إلى المجتمع الوطني على صعيد الخطاب والأدوات، فهي مهمة جماعية لنقول
تقوم بها الكتلة التاريخية الوطنية تقوم وفق رأية الخطاب الوطني
.

إن الخطاب الوطني كان ضعيفاً ولا يزال كذلك منذ سبعة عقود على مستوى مفهوم تعاليم
الوطنية و فهمها  من جانب الجماهير وعلى مستوى  التجمعات الأحوازية ، فالفشل نصيبنا  و قبله وهو الأخطر الجهل  عندما ينطوي داخله  من يعملوا في تمثيل الجماهير  أو دعاة التمثيل وأن هذا الجهل له عدة أوجه  لا تختصر على عدم التمييز بين مقومات المجتمع التقليدي
العشائري الديني والوطني الجديد وهو الذي لا يحظى بركائز ومبادئ يتأسس عليها،بل إن
الجهل  في الوجه الأخر يصدق على فهم وقراءة  خطاب وفكر الوطنية الإيرانية ودولتها، ونرى أن هذا
الجهل له ثلاثة أسباب نلخصها بسرعه أولهما : الخطاب الوطني هو مولود جديد على الوعي
و ليس موروثاً كالقبيلة و الدين لهذا لم نفهمه 
إلا شكلاً و اسماً، ثانيهما: النخبة الفكرية و التنظيمات السياسية  هي من تقوم بمهمة تأسس  الوعي الوطني 
و تنشره بين الناس كدعوة  ويقوم هذا
من خلال نقد ركائز مقومات المجتمع التقليدي 
العشائري الديني بأداة الفكر و طرح مفاهيم التجديد ، ثالثهما : كان  الكلام عن السياسة و الدولة الإيرانية في وعينا
الأحوازي العفوي هو السائد والتحول الذي حصل إضافة الرومانسية القومية عليه في أقل
تقدير منذ حركة الأباء الشيوخ الأوائل عام 1943 إلى اليوم، وعدم فهم من جانب أخر أن
مقومات الوطنية هي أساس وركيزة الحل السياسي السلمي داخل إيران لمن ينحو و يختار هذا
الاتجاه الأخير
.

حيث إن فقدان خطاب الوطنية الأحوازية طبيعي أن يؤدي الى أن يكون  المجال ثقافياً ومجتمعياً وسياسياً للشعور العشائري
والوطنية الإيرانية والتي بدورها لم تحارب العشائرية، فهي ليست خطراً عليها إما الفكر
الشيعي طوعت له  ليخدم قضيتها. إن هذا الفراغ
الذي مرده سبب غياب نشأة نهضة وطنية أحوازية أدى إلى هذا التوسع والتخلف في شرايين
ونبض ثقافتنا. إذا لا نبتعد عن الحقيقة عندما نقول إن زيادة التمزق والتخلف والتردي
في ثقافتنا يرجع إلى أولاً تراكم فقدان معنى الثقافة المصلحية الوطنية، ثانياً- بقاء
القبلية وحدها تشكل الوعي الجماعي إضافة إلى الوطنية الإيرانية التي دخلت فوجدت الفضاء
الثقافي الأحوازي فارغاً تقبلها مرة بالترغيب و مرة بالترهيب
.

نرى بأن الشواهد التي عرضناها تكفي، صحيح أن هنالك تفاصيل تخص التجمعات الحركات
الأحوازية من خلال ما صدر عن اتجاهين من التجماعات عندنا اتجاه التحرير واتجاه الحل
السلمي تطلب احضارها والخوض فيها حتى تكتمل الرؤية بكل شواهدها، وهذا ما سنقوم بعرضه
في القسم الثاني إن شاء الله
.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى