الأخبار

ارتفاع معدلات الفقر والتشرد في إيران

ارتفاع معدلات الفقر والتشرد في إيران

 

المقدمة:

منذ الأيام الأولى من عمر الثورة الإيرانية، أطلق النظام الإيراني مجموعة من الشعارات، كان من أهمها مكافحة الفقر والتشرد، والتقسيم العادل لثروات البلاد بين الشعب، ولكننا نرى الواقع قد عاكس هذه الشعارات، فمنذ تولي نظام الولي الفقيه زمام الأمور في إيران، اتسعت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وازدادت معدلات الفقر والتشرد والبطالة، ويمكن للبحث في أسباب ارتفاع الفقر والتشرد في إيران، أن يساعدنا على معرفة وفهم هذه الظاهرة المشؤومة التي هي في الواقع نتاج السياسة الخاطئة للنظام في إيران، فالزيادة المستمرة في معدلات الفقر والتشرد والبطالة في إيران، وتأثيرها على الثقافة العاملة للشعب والمجتمعات، أدى إلى زيادة وإتساع معدلات الجرائم بشكل يومي ومتنامي في البلاد.

 

وقبل البدء في توضيح بعض أسباب تزايد معدلات الفقر والتشرد تحت ظل حكومة ولاية الفقيه في إيران، فمن الضرور أن نقدم أولا تعريفا دقيقا ومفهوما شاملا للفقر والتشرد.

 

مفهوم الفقر والتشرد:

في حقيقة الأمر يمكن تقسيم الفقر إلى مجموعتين: فقر نسبي، وفقر مطلق، ويعرف الفقر النسبي على أنه نوع من أنواع الفقر الذي ينطبق على أصحاب الدخول الأقل من الحد الأدنى، ويختلف تعريف هذا النوع من الفقر بين دولة وأخرى وذلك حسب اقتصادها، أما الفقر المطلق فإنه يعبر عن تقاضي الفرد دخلا أقل من دولار واحد، وفي بعض الدول دولارين اثنين. (مارتين لاواريون، كتاب خط الفقر في النظرية والعمل، 1998).

 

ويقسم التشرد أيضا إلى نوعين: نسبي ومطلق، ويطلق التشرد النسبي على مجموعة من الناس يعيشون في بيت واحد وبإمكانيات محدودة للغاية بسبب عدم توفر القدرات المالية على إستئجار شقة بسيطة، مثل عدم وجود أنظمة تدفئة أو تبريد وعدم وجود حمامات كافية، وغيرها من لوازم الحياة، أما التشرد المطلق فهو عدم توفر المساكن للأفراد، فليجأون إلى النوم والعيش في الشوراع. (كوروش وكيلي زاد. مجلة مسكن ومحيط، 2006).

 

أسباب زيادة الفقر والتشرد في إيران:

تحتل إيران المرتبة الرابعة عالميا من حيث احتياطات النفط (والتي يقع 90% منها في إقليم الأحواز)، وتتصرف بما يقارب 11% من هذه الاحتياطات، وبامتلاكها 15% من احتياطيات الغاز حسب تصريحات وزارة النفط الإيرانية عام 2012، تحتل أيضا المرتبة الثانية عالميا، كما لإيران العديد من الموارد الاقتصادية نذكر منها المعادن والمناجم والعديد من مصانع البتروكيماويات، وكذلك الزراعة وتربية الحيوانات.

 

إن إدارة نظام ولاية الفقية غير المستقرة ضد رغبات الشعب، وسرقة واختلاس الأموال من خزينة الدولة من قبل أفراد وجماعات تابعة للحكومة والنظام، وتخصيص الأموال الضخمة للبرنامج النووي وشراء الأسلحة وبرامج الصواريخ، والعقوبات الاقتصادية الناتجة عن سياسة نظام ولاية الفقيه لدفعه عن امتلاك السلاح النووي، وهدر جزء كبير من ميزانية الدولة من أجل دعم الجماعات الإرهابية وإرسال الأسلحة والمعدات العسكرية للعديد من الميليشيات الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، ومطالبة المرشد الأعلى علي الخامنئي الشعب مؤخرا من أجل زيادة أعداد السكان دون أن يقدم أي حل من أجل تحسين المعاشات والدخول والظروف الاقتصادية، أدت جميعها إلى نقص حاد في ميزانية الدولة، مما أدى إلى زيادة حدة الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدل التضخم في إيران.

 

وكذلك فإن تدخلات النظام الإيراني في الشؤون الداخلية للعديد من دول الشرق الأوسط، وتسليح الجماعات الإرهابية الإقليمية مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، وإقامة التحالفات السياسية مع دول أمريكيا الجنوبية مثل الأكوادور وفنزويلا ونيكاراغوا وبناء الاستثمارات الضخمة فيها بقصد التأثير عليها، وزيادة التمويل الحكومي للتوسع في الأعمال الإرهابية خراج منطقة الشرق الأوسط من أجل توسيع دائرة التشيع الاثني عشري، مثل تسليح الميليشيات في نيجيريا، أدت جميعها إلى زيادة معدلات الفقر والبطالة واتساع رقعة الحرمان والمعوزين في إيران. 

 

ووفق إحصائيات الحكومة الإيرانية فإن نسبة التضخم في إيران قد بلغت الــ 20%، ولكن الخبراء الاقتصاديين يقدرون نسبة التضخم أكثر من 30%، وقد أصبح الوضع الاقتصادي لأغلب الشعب الإيراني غير مستقر، مما جعل الكثير من الشعب الإيراني يعيش بدخل أقل من دولارين، وعلى الرغم من أن 85% من الاقتصاد الإيراني يعتمد كليا على بين النفط والغاز، ولكن سياسات نظام ولاية الفقيه وتشديد العقوبات الدولية على إيران بسبب الأخطاء السياسية للنظام الحاكم في طهران، زاد من نسبة هذا التضخم بين الأسر، وقد أدى هذا الوضع إلى تصنيف البنك الدولي لإيران في المرتبة 129 من بين 183 دولة في العالم من حيث الأداء والوضع الاقتصادي.

 

تختلف وضعية التشرد في مختلف مناطق إيران، وذلك بسبب وجود الاختلافات الثقافية بين طبقات المجتمع المختلفة، فعلى سبيل المثال يكون التشرد النسبي بين الأسر أكبر في المناطق الحدودية الإيرانية بسبب عاداتها القبائلية المتماسكة، إذ تلجأ الأسر في هذه المناطق للعيش معا ضمن بيت يفتقر لأقل الخدمات، بسبب عدم توفر الإمكانات المادية لبناء أو استئجار أحد البيوت أو الشقق، أما في المناطق المركزية والمدنية فيكثر فيها التشرد المطلق، بسبب عدم وجود نظام اجتماعي متماسك كالقبلي، لذا تلجأ العديد من الأسر والأفراد إلى التشرد المطلق، أي اتخاذ الشوارع مسكنا ومناما لهم، من شدة الفقر والعوز.

 

إحصائيات الفقر والتشرد والبطالة في إيران:

وفق الإحصاءات الرسمية المعلن عنها من قبل الحكومة الإيرانية، فإن نسبة البطالة في إيران تتراوح ما بين 14 إلى 15%، لكن البنك الدولي أعلن في عام 2003 بأن نسبة البطالة في إيران هي 20%، وفي بعض المناطق الإيرانية مثل الأحواز (المحرفة في الفارسية إلى خوزستان) تتجاوز نسبة البطالة حد الـــ 20%، وتصل أيضا في بعض مدن هذا الإقليم إلى 40%، ومن الطبيعي أن تزداد نسبة البطالة والفقر في إيران بعد عام 2005 وخاصة بعد تشديد العقوبات الاقتصادية والمالية على إيران، وهروب جزء كبير من الأموال إلى الخارج بسبب انعدام الأمن الاقتصادي.

 

وبناء على إحصائيات عام 2012 فإن ما يقارب 40% من كامل الشعب الإيراني يعيشون تحت خط الفقر المطلق، الذي أصبح تهديدا حقيقيا على سلامة الفرد والأسرة في المجتمعات الإيرانية، أما إحصائيات الفقر المطلق في المناطق الريفية في إيران فإنها تصل إلى ما يقارب الـ 70% مما يشكل تهديدا خطيرا على الأمن الاجتماعي والثقافي للأسر في المناطق القروية في إيران، ويجب الإشارة هنا أن ما يقارب الــ 10 % من الشعب الإيراني يعاني من الفقر الشديد والجوع، الذين يواجهون العديد من المشاكل من أجل توفير وجبة طعام طوال اليوم، وحسب تصريحات الدكتور حسين راغفر عام 2014، فإن هذه النسبة تصل في المناطق القروية والنائية في إيران إلى 14%.

 

وفي عام 2008 وصلت نسبة الفقر في إيران حسب ما تم الإعلان عنه إلى 35%، الأمر الذي يشير إلى زيادة ما يقارب 5% على نسبة الفقر المطلق خلال أربعة سنوات، فقد استمرت هذه النسبة تتزايد منذ عام 2004، إذ كانت في عام 2004 ما يقارب 30%، وعام 2005 أصبحت 32%، وارتفعت عام 2006 إلى 34%، ووصلت عام 2007م إلى 35%، وهناك ما يقارب الـ 6 ملايين شخص من مختلف الأطياف في إيران، يعتاشون على المعونات.

 

إن نظام ولاية الفقيه في إيران لا يقدم إحصائيات دقيقة عن التشرد والمتشردين، ولكن غالبية الفقراء في إيران في المناطق الحدودية يعانون من التشرد النسبي، وفي المناطق المركزية والمدنية يعانون من التشرد المطلق والنسبي أيضا، ومن الجدير بالذكر أن التشرد قد وصل إلى الطبقات المتعلمة والحاصلة على شهادات جامعية، إذ تشير التقارير التي أوردها موقع “عصر إيران” عام 2009 إلى وجود ما يقارب 6% من المشردين في طهران عام 2008 هم من حملة شهادة الباكالوريوس، وما يقارب 4.7% هم من حملة شهادة الدبلوم العالي.

 

تأثير الفقر والتشرد على ثقافة وأمن الأسر:

 إن استمرار معدلات الفقر في إيران في الارتفاع له أثار سلبية كبيرة على ثقافة وأمن الأسر، ومن بين هذه السلبيات، شيوع ظاهرة التشرد بين طبقات المجتمع الإيراني المختلفة، كما أن الصراعات الأسرية بسبب تنامي الفقر في إيران أدى إلى بروز مشكلة وظاهرة هروب الفتيات من المنزل، وقد أدت هذه المعضلة أيضا إلى زيادة الفساد وتضخم المشاكل الاجتماعية بين الأسر والعوائل الإيرانية.

 

فارتفاع التضخم وزيادة الأسعار ونقص المواد الغذائية وخاصة الفواكة واللحوم وارتفاع أسعار المشتقات النفطية وغيرها من العوامل، أدت إلى ارتفاع حدة ضغوطات الحاية الاقتصادية بين الطبقات الإيرانية المختلفة، وقد ظهرت صعوبات الحياة هذه على الواقع الإيراني منذ اليوم الأول من استلام نظام ولاية الفقيه في إيران زمام الأمور، ولكنها أخذت تتزايد بعد عام 2005 م، بعدما فرضت القوى الدولية حزمة من العقوبات المالية والبنكية التي شلت الاقتصاد الإيراني بسبب تعنت هذا النظام وإصاراره على امتلاك السلاح النووي، وقد أدى ارتفاع التضخم ومعدلات الفقر والتشرد بسبب الأزمة الاقتصادية إلى تدمير البنية الاجتماعية للشعب الإيراني، مما زاد من انتشار معدلات الجريمة بين طبقات المجتمع ذات الدخل المتدني أو الفقيرة.

 

ومن المشاكل التي خلفها الفقر، ترك العديد من أفراد الأسر الفقيرة والمشردة لدراساتهم بسبب عدم توفر مستلزمات التعليم، وكذلك الهجرة المتسارعة من الأرياف إلى المدن، وتفريغ السكان من الأرياف، وتفاقم حدة الفساد الثقافي والاجتماعي في المجتمعات الإيرانية.

 

الخلاصة:

إن سوء الإدارة، والسياسة الخاطئة التي يمارسها النظام الإيراني، وعدم وضع برامج وخطط اقتصادية وتنموية صحيحة ودقيقة أدى بطبيعة الحال إلى زيادة معدلات الفقر والبطالة والحرمان بين الشعب الأيراني، وأخذت معدلات الفقر والبطالة تتزايد بشكل مستمر بفعل العقوبات الدولية على إيران، وقد أدت زيادة معدلات الفقر والبطالة بشكل متسارع إلى العديد من العواقب السلبية، منها انتشار الجرائم والسرقات والقتل والفساد الإداري.

 

وعلى الرغم من إقرار الدستور الإيراني بأن توفر المسكن يعتبر إحدى الحقوق الأساسية للمواطن الإيراني، ولكن لم تلتزم أي حكومة إيرانية منذ قدوم هذا النظام بتقديم وتوفير المساكن أو حتى التسهيلات المتعلقة بها للمواطنين، وكانت تلك الحكومات تتعتبر دائما أن نقص الميزانية هو السبب الأصلي لعدم تنفيذ البرامج والخطط والمشاريع الدقيقة والتنموية الهادفة لرفع هذه المشكلة، ولكن في الواقع فإن السياسات الخاطئة للنظام في إيران، ودعم الإرهاب والجماعات الإرهابية، وسرقة واختلاس أموال الشعب من قبل العديد من المسؤولين في الحكومة والنظام، وكذلك العقوبات الاقتصادية على إيران الناتجة عن تلك السياسات الخاطئة، هي التي تسببت في عجز الميزانية، وعلى الرغم من وجود هذه المشاكل وانتشارها بين مختلف طبقات المجتمع، إلا أن أغلب مسؤولي النظام يتمتعون بحياة مرفهة جدا، وهذا ما لا يتوافق مع تلك الشعارات والخطابات التي يطلقها رموز النظام في إيران بين الفينة والأخرى، إذ أصبح الشعب الإيراني ينتبه يوما بعد يوم لسياسات نظام الخاطئة محاولا تفاديها بشتى الوسائل، أو الهروب من الوضع السيء وترك البلاد والهجرة إلى إحدى الدول الأخرى بحثا عن حياة كريمة.   

  

Iranfiles@almezmaah.com

مركز المزماة للدراسات والبحوث

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى