آراء ومقالات

إيران دولة مؤسسات في عيون عطاشى صناديق الاقتراع

تكاد ألّا تجد اثنين من الفرس يختلفان في كرههما للعرب.  سبب الكراهية لم يأت نتيجة معرفة تامة عن طبائع
العرب أو بسبب تجربة قد خاضها هذا أو ذاك من الفرس خلال مجاورته للعرب أو عبر الاحتكاك
بهم، إنما نتيجة عمل تيارات عنصرية مسلحة بنار الحقد والكراهية منذ أن وطئت أقدام الفرس
أرض إيران في جوار بلاد العرب. تضاعفت هذه الكراهية عندما استطاع العرب المسلمون فتح
بلاد فارس حالها حال البلاد الأخرى. بدأت هذه التيارات بتوجيه المجتمع الفارسي وتغذيته
طيلة القرون المنصرمة، تارة من خلال تمجيد تاريخ الفرس وعظمتهم! وتارة عبر ذم العرب
والانتقاص من إنسانيتهم وكرامتهم. جاءت حكومات وتبدلت لكن هذه التيارات لم تتبدل، تغيرت
شكلا في بعض الأحيان لكنها بقت في مضمونها تسير على نفس النهج منسجمة مع غريزة الحقد.
فأصبح أي مذموم عربي، وأي عربي مذموم. تكوّن رأي عام تقليدي لدى الفرس ومبادئه شبه
مقدسة ومن أهم مظاهره استحقار العرب والحقد عليهم إن كانوا في حالة ازدهار وتطور، والاستقواء
عليهم إن كانوا في حالة ضعف وتشرذم
.

 

       في العصور المتأخرة تبلورت هذه التيارات أكثر فأكثر مستمدة
طاقتها البشرية من بيئتها المناسبة أي المجتمع الفارسي التقليدي بكراهيته تجاه العربيّ.
أكثرها نشاطا وفاعلية تياران، تيار قومي عنصري يواصل عمله التعبوي مستندا إلى تاريخ
مزعوم وعظمة دموية تعمل فيه النخبة الفارسية من كتاب ومؤرخين وشعراء. وتيار آخر عنصري
أيضا بيد أنه تلبّس بلباس الدين لكن على طريقته الفارسية الخاصة، يشتغل فيه الملالي
ومراكزه الحوزات الطائفية. جل اهتمامه التقليل من شأن رجال الإسلام العرب الأوائل والاسهاب
في شتمهم والتشكيك في مكانتهم. التيار الأخير أصبح اليوم أكثر انتشارا بسبب تحكمه بزمام
الحكم في إيران بعد أن كان مهمشا على مستوى الحكم، الناشط منذ ما يقارب 600 عام (ظهور
الصفوية).

 

       نعم أصبحت اليوم الحوزة الطائفية مؤسسة تحكم البلد بأكمله.
لكن وجود هذه المؤسسة الدينية لا يكفي لكي يعتقد البعض أن إيران دولة مؤسسات. فهناك
فرق بين دولة تشكلها وتحكمها مؤسسات مستقلة ومتجذرة وذات تاريخ، ودولة تحكمها فئة أو
مؤسسة واحدة تستفرد بالقرار، تدير أمورها من خلال مؤسسات صغيرة هزيلة تابعة وتحت رقابة
أمنية وأيديولوجية صارمة. فدولة المؤسسات المتعارف عليها في جميع اصقاع الأرض هي الدولة
التي تكوّنها السلطات الأربع، قضاء مستقل ومجلس تشريعي منتخب ومستقل وتنفيذية مستقلة
ومنتخبة انتخابا حرا ونزيها وشفافا وإعلام حر غير مقيد بأي شكل من الأشكال. لكن إيران
اليوم تحكمها الحوزة ولا وجود للحرية فيها اطلاقا فلا أحزاب فيها ولا حرية تعبير ولا
وجود لقضاء مستقل ولا مجلس تشريعي منتخب دون تدخل ورقابة من ولاية الفقيه. ليست هناك
دائرة واحدة لا يوجد فيها رجل دين يراقب الصغيرة والكبيرة فيما يخص العمال والموظفين
ومعتقداتهم وأفكارهم، يعدّ عليهم حتى أنفاسهم
.

 

       لهذا إيران الحالية هي دولة شرق أوسطية بامتياز حاكمها المطلق،
الولي الفقيه. تجد فيها من المؤسسات الشكلية ما تجده في جميع دول الشرق الأوسط دون
استثناء. تنتمي حسب طبيعة الحكم فيها إلى ما قبل الديمقراطيات لكنها استطاعت مستغلة
الثروات المنهوبة ولقمة عيش الشعب العربي الأحوازي أن تسوق لنفسها جيدا في الدول المجاورة
ذات الشعوب المتعطشة جدا إلى صندوق الاقتراع. فمقارنة بالديمقراطيات المعترف بها دوليا
تعتبر إيران دولة متخلفة جدا، ولا تمت لدولة المؤسسات بأي صلة لا من قريب ولا من بعيد
.

 


mmfmmf72@yahoo.com

 

المصدر: العرب الان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى