آراء ومقالات

الثورة السورية و المصير المجهول

 

في بدايات الستينيات من القرن المنصرم انطلقت شرارة ثورة في إحدى البلدان العربية
و استمرت هذه الثورة حوالي عشرة أعوام حتى أصبحت من أطول الثورات العربية عمرا. قيل
كانت أسباب الثورة، التخلف و الظروف الاقتصادية الرديئة و النفوذ البريطاني و المد
القومي آنذاك، أدت إلى شعور المواطن بالحاجة إلى التغيير و بناء دولة جديدة. دعمت الدول
العربية و بالأخص ذات الثقل السياسي الثورة و قدمت المال و السلاح و التدريب و المأوى
للثوار. و على نقيض الثورة دعمت كل من ايران و بريطانيا النظام الحاكم و وقفت معه في
وجه الثورة. و استمر العرب في دعمهم للثورة على نقيض ايران و دعمها للنظام، حوالي عشرة
أعوام إلى أن انتهت بتخلي العرب عن الثورة و فشلها و استمرارية الدعم الإيراني و استمرارية
النظام إلى الوقت الحالي.

كأنما التاريخ يعيد نفسه من جديد حتى و إن تغير اللاعبون و اختلفت الظروف.

اليوم تُعد الثورة السورية و بعد مرور سنتين من حدوثها، من أطول الثورات العربية
عمرا مقارنة بين ثورات الربيع العربي و مازالت لم تحقق أهدافها الأولية. دعمت الدول
العربية و بعض الدول الأجنبية الثورة و ساندتها، رغم ضعف هذا الدعم و المساعدات. و
في الجهة المضادة للثورة السورية، دعمت كل من ايران و روسيا و الصين، الأسد و نظامه
و قدمت له كل ما يحتاجه و يلزمه.

يختلف الدعم الذي تتلقاه الثورة عن الدعم الذي يتلقاه الأسد و نظامه، كما و
نوعا. الدول العربية تدعم الثورة إعلاميا و سياسيا و اقتصاديا و قيل تم دعم الثورة
ببعض الأسلحة الخفيفة و المتوسطة، و لكن مازال الدعم بمجمله لم يرتق للمستوى الذي يسقط
النظام أو على أقل تقدير يحقق توازنا بين قوات الثوار و قوات الأسد. أما الدعم الذي
يقدمه الحلف المساند للأسد يفوق الدعم العربي و (الدولي) للثورة السورية عشرات الأضعاف.
هذا الحلف يدعم سياسيا و دبلوماسيا بشكل كبير لا يمكن مقارنته بالدعم المُقدم للثورة.
يمنع هذا الحلف إصدار أي قرار في مجلس الأمن طالما لم يحقق مصالحه. و يتدخل في كل مبادرة
أو خطة لتحقيق السلام في سوريا و يحوّرها لصالحه و صالح النظام بدون الأخذ بعين الاعتبار
المجازر بحق الشعب السوري و تدمير البنية التحتية للبلاد و تمزيق اللحمة الاجتماعية.
و في نفس الوقت يدعم عسكريا أيضا من خلال تقديمه صواريخ و أنواع أخرى من الأسلحة الثقيلة
و أجهزة مراقبة الكترونية و خبراء و مستشارين و جنود و ميليشيات. و دعمه لم يقف عند
هذا الحد و انما سخاؤه اتضح اكثر من خلال الدعم المالي، حتى و إن لم يوقف تدهور العملة
السورية. اما إعلاميا فالماكينة الإعلامية الإيرانية تشتغل ليلا نهارا بتزوير الحقائق
على الأرض و تقديمها بالمقلوب. 

تشير الدلائل و البراهين على أرض الواقع أن الثورة ماضية بأهدافها و مطالبها
و على رأسها اسقاط النظام، رغم تدمير البنية التحتية للدولة السورية و رغم وضع اللبنات
الأساسية للهوية الطائفية و التقسيمات الافقية. و أيضا تبين الدلائل و البراهين عن
عدم وجود مؤشرات إيجابية لارتفاع وتيرة الدعم العربي لا كما و لا كيفا. كما إن الدعم
العربي مازال في المستوى الضعيف الذي لا يمكّن الثورة السورية من اسقاط النظام الهمجي
و الدموي، و في نفس الوقت غير مضمون في المستقبل. و تشير الأحداث و الوقائع على الأرض
أن الدعم الإيراني الروسي الصيني مستمر على نفس النمط بل إمكانية تصاعد وتيرته موجودة.

تواجه الثورة السورية مجموعة تحديات في ظل الدعم العربي غير المضمون و المتقلب.
حيث إنها تؤثر على مستقبل الثورة و مستقبل سوريا، شعبا و دولة.

1 – في حال طال
أمد الثورة و أستمرت أكثر في منحاها الدموي، تكون أهداف الثورة و مطالبها الجوهرية
أي (الحرية و الديمقراطية و المشاركة السياسية و التداول السلمي للسلطة و إعادة الكرامة
المنتهكة و الرفاه الاقتصادي) معرضة للتغيير و التبديل إلى أهداف و مطالب أهمها إعادة
الأمن و الاستقرار.

2 -استمرارية
الثورة السورية غير مضمونة في ظل القمع المتواصل و القتل الممنهج و الدعم الذي يقدمه
هذا الحلف المجرم للأسد و نظامه.

3 – من الصعب
حماية الثورة بدون أن يلتف عليها هذا النظام المجرم و يعيد انتاجه من جديد أو يضمن
لنفسه موطئ قدم في السلطة و القرار السياسي في المستقبل.

4 – التفكك في
البناء الاجتماعي السوري و نمو التقسيمات الافقية و الهوية الطائفية على حساب الهوية
الوطنية.

الثورة السورية في ظل هذه التحديات تواجه مصيرا مجهولا، مما يخيف كل انسان حريص
على ثورة و مستقبل الشعب السوري. حيث كلما طال أمد الثورة كلما برزت أكثر هذه التحديات
إلى السطح و حرفت مسار الثورة من طريقها الأساسي و من أهدافها الجوهرية. لذلك العرب
اليوم مطالبون أن يقفوا بحزم الى جانب الثورة و الانحياز للشعب السوري في وجه النظام
و في وجه ايران و مشروعها الخبيث في المنطقة، حتى لا تفشل الثورة و تصبح في خبر كان.

haddad1946@live.com

المصدر: موقع العرب الان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى