آراء ومقالات

قراءة تاريخية تحليلية مُقارنة موجزة بين احتلال إِمارة الأحواز العربية واحتلال جمهورية العراق










 (( احتُلت إِمارة الأحواز بتحالفٍ إيراني بريطاني… وصمت
عربي مُطبق وها هو العراق يُحتل ولكِنْ بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا…إلخ
وبتوقيع قادة عدد من الأنظمة العربية رسمياً على وثيقةِ غزوهِ واحتلالهِ… ثم
تكشفُ وقائع الاحتلال الميدانية أنَّ الاحتلال استقر على تحالف أركان نظرية
المؤامرة الأولى سيما إيران؟!))

 

1- المُقدمة:

مأساةَ شُعوب العرب في العصرِ الحديث
والمعاصر، تكمنُ في أنَّ الكثير من أنظمتها التي بدأت بعد مُعاهدة سايكس- بيكو عام
1918 سيئة الصيت، كانت أكثرُ حُرصاً من الاستعمارين البريطاني والفرنسي في تنفيذِ
بنُود تلك المعاهدة والمُحافظة عليها، وعلى ذاتِ منوالها وتأييداً لرؤيتنا هذه،
كان التزامُ أهلُ الحلِ والعقد من الحُكامِ العرب ببنودِ الاتفاقيات التي وُقعت مع
الكيانِ الصهيوني مثل كامب ديفيد، ووادي العربة، وخريطة الطريق بنسخها وأرقامها
المُتسلسلة، وما لم يُعلن عنهُ من اتفاقيات مع دولٍ عربية أخرى، وبقيت في الخفاءِ،
أكثرُ التزاماً ببنُودها من الكيانِ الصهيوني نفسه، ثم شُنت حرباً علنية على كُل
مَنْ يسعى لتحرير فلسطين، أو تحرير العراق، أو تحرير إِمارة الأحواز العربية، وعلى
كُل مَنْ يتحدث/يُنادي بالقومية العربية، ويتغنى بأمجاد العرب، فأصبحت تلك
القومية، وهذه المقاومة، بمثابة جُرمٍ تُحاسب عليه قوانين تلك الدول تحت مُسمى
“الإرهاب”..؟! مثل ما ورد آنفاً دون الدخول بتفاصيلهِ كونَهُ يملءُ
مُجلدات، كان ذا أثرٍ، جعلنا نحنُ العربَ نخجلُ من أنظمتِنا، التي لم تخجلُ هي من
عمالتِها، إلى الحدِ الذي أصبحت مُهلهلة، وخاوية، ومُتقهقره، لا بل حكوماتٌ صورية
ليس إلا ، فالحلُ والربط، والقرار الحاسم يأتي من سفارةِ الولايات المتحدة
الأمريكية، والكيان الصهيوني، وبريطانيا ثم أخيراً كانت المؤسسة الدينية الإيرانية
القائمة على أراضي تلك الدول. ولا أخفي على القارئ الكريم بأنني كنتُ أنوي أنْ
أعدُ مقالاً عن اجتثاثِ الحرس الثوري الإيراني الإرهابي لقصر الأمير “خزعل
الكعبي” المعروف بـ “قصر الفيلية”، ولمّا عدتُ إلى عدد من المصادر
لكي أطلع على خلفيات ذلك القصر، لكي لا يأتي مقالي عقيماًُ، وجدتُ فيها ما أرقني
ودفعني لأن أنتقل من كتابة مقال إلى كتابة بحث تاريخي تحليلي مُقارن موجز، ووفق
المقولة التاريخية التي تقول: “التاريخ يُعيدُ نفسهُ”، حيث وجدتُ خلال
قراءتي لتلك المصادر، العديد من نقاط التشابه والتلاقي من حيث كونها أسباباً أدت
إلى احتلال إِمارة الأحواز العزيزة على قلوبنا، هي قريبة من ذات الأسباب التي أدت
إلى احتلال وطني العزيز العراق، والجزر العربية الثلاث التابعة للأمارات العربية
المُتحده
.

 

2 – لمحة جغرافية موجزة عن إِمارة الأحواز العربية:

أودُ التنبيه بأني لم استخدم في بحثي الموجز
هذا ذات المُصطلحات الإدارية التي أُطلقت على إِمارة الأحواز من قبل الحكومة
الإيرانية المُحتلة، وإنما استخدمتُ التسمية العربية الإدارية الصحيحة التي كانت
متداولة في زمن حُكم الأمير العربي “الشيخ خزعل الكعبي” وهي
“إِمارة الأحواز” التي كانت ولا تزالُ تشملُ المُدن العربية الرئيسية
والمُهمة، الآتية
:

أ‌- مدينة الأحواز: تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة المحمرة، وهي عاصمة إِمارة
الأحواز، يلفظها الفرس بـ: (الأهواز) لأنه ليس في كلامهم حرف يماثل حرف (الحاء)
العربي فيلفظونه (هاء)، يقسمها نهر كارون الذي يمرُ فيها إلى ضفتين هما: الناصرية
والأمنية، ويُلاحظ على الباحثين والكتاب العرب أنهم يكتبون الأحواز كما يكتبها
الفرس بالهاء، وهذا ما لاحظناه أيضاً على كتاب وباحثي إِمارة الأحواز الذين يفترضُ
بهم الانتباه لمثل هذا الخطأ الذي يجب اجتثاثهُ.

ب‌- مدينة وميناء المُحمرة: تقع عند مصب نهر كارون في شط العرب، تبعد عن مدينة
الأحواز (120 كم)، أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية بـ (خرمشهر).

ت‌- مدينة وميناء عـبادان: تقع على شط العرب جنوب المحمرة بحوالي (18
كم)، في جزيرة تحيط بها المياه من جميع جهاتها هي “جزيرة خضر”، وتسمى
عـبادان أيضا بـ “جزيرة المحـرزي”، أما سبب تسميتها بـ(عـبادان)، فكان
نسبة إلى القائد العربي “عباد بن الحصين”، أبدل الفرس اسمها العربي إلى
التسمية الفارسية بـ (آبادان).

ث‌- مدينة الحويزة: تقع على نهر الكرخة شمال غربي مدينة المحمرة باتجاه
محافظة ميسان (مدينة العمارة) العراقية، أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية
الفارسية بـ: (دشت ميشان).

ج‌- مدينة تستر: وهي غوطة الأحواز الخصبة ذات المياه الوفيرة، أبدل الفرس
اسمها العربي إلى التسمية الفارسية بـ (شوشتر).

ح‌- مدينة السوس: وهي مدينة تاريخية حضارية يرجع تاريخها إلى خمسة آلاف
سنة قـبل الميلاد وهي عاصمة الأحواز في العهود الأكادية، والعيلامية، والسومرية،
والبابلية، والآشورية على التوالي، أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية
بـ: (الشوش).

خ‌- مدينة قـنطرة القلعة: تقع على نهر الدز، وأراضيها عبارة عن تلول
متوازية، أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية بـ: (دزفول/ديزفول/دسبول)
.

د‌- مدينة الفلاحية: تسمى عربيا “الدورق” أيضا، تقع على نهر
الجراحي، تُعدُ مركز أمراء إِمارة الأحواز قبل بناء مدينة المُحمرة، سكنها قبائل
بنو كعب، أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية بـ: (شادكان).

ذ‌- مدينة مسجد سليمان: تقع في أقصى شرق إِمارة الأحواز، وتتركز فيها
آبار النفط.

ر‌- مدينة الخفاجية: أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية بـ:
(سوسنكرد).

ز‌- قرية الملا: تسمى عربيا “البسيتين” أيضا، أبدل الفرس اسمها
العربي إلى التسمية الفارسية بـ: ( بستان).

س- مدينة الصالحية: أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية بـ:
(أندمشك/أنديمشك).

ش- مدينة الأحجار السبعة: أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية
بـ: (هفتكل).

ص- مدينة الحميدية: أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية بـ:
(فـرح آباد).

ض- مدينة العـميدية: أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية بـ:
(اميدية) لخلو اللغة الفارسية من حرف العين وعد م تمكن الفـرس من تلفـظه.

ط- ميناء خور عبد الله: أبدل الفرس اسمها العربي إلى التسمية الفارسية
بـ: ( بندر شابور- في عهد الشاهنشاهية العُنصري- ، أما في عهد نظام الملالي أهلُ
النفاق، فقد أطلق عليه :”بندر خميني”).

ظـ – موقع إِمارة الأحواز بالنسبة لخطوط الطول والعرض، وحدودها
الجغرافية، ومساحتها الكلية، وإجراءات الاحتلال الإيراني بسرقة مساحاتها وضمها
للمحافظات الإيرانية:

تقع إِمارة الأحواز العربية إلى الجنوب
الشرقي من العراق، وهي محصورة بين خطي العرض 30 و33 درجة شمالا. وبين خطي الطول 48
و51 درجة شرقا، وبهذا يكاد يكون امتداد إقليمها من الشرق إلى الغرب مساويا تقريبا
لامتداده من الشمال إلى الجنوب، حيث يبلغ طوله 420 كم، وعرضه 380 كم. بعد احتلال
إيران لها سعت إلى تغيير كُل معالمها العربية دون استثناء، فكانت أنْ بدأت بتغيير
أسمها من إِمارة الأحواز إلى تسمية “عربستان”، ومعناها في اللغة
الفارسية «بلادُ العرب»، ثم عادوا وأطلقوا عليها اسم «خوزستان»، ومعناها بالفارسية
أيضاً «بلاد القلاع والحصون
».

يبلغ تعداد سكان إِمارة الأحواز ثمانية
ملايين نسمة، وجميعهم من العرب الأقحاح كابر عن كابر. تبلغ مساحُتها ( 370.000 كم2
) ثلاثمائة وسبعين ألف كيلومتر مربع، يحدُها من الغرب العراق، ومن الجنوب الغربي
الخليج العربي والجزيرة العربية، ومن الشمال والشرق والجنوب الشرقي جبال زاجروس
والفاصل الطبيعي بين الاحواز وإيران

.

ولا يقتصر وجود السكان العرب في إيران على
هذا الإقليم، فهناك عرب الهولة على الساحل الإيراني المُشاطئ للخليج العربي، حيث
تربطهم صلات الدم بأشقائهم في المنطقة، لا سيما في الإمارات العربية المتحدة، كما
يُوجد العرب في أجزاء من أقاليم فارس وإيلام، وحتى خراسان بمحاذاة أفغانستان في
منطقة عربخانة
.

الحكومة الإيرانية شأنها شأن الكيان الصهيوني
المُحتل لفلسطين العربية، دأب بكل ما يملك من وسائل إلى طمس ما يؤكد الهوية
العربية للإِمارة الأحواز، بما فيها التظليل على المساحة الجغرافية الحقيقية
للإِمارة، ولتحقيق هذه الغاية الفاشستية العنصرية، فقد اقتطعت الحكومة الإيرانية
عام 1936 المئات من الكيلومترات من مساحة الإِمارة أعلاه وضمتها إلى المحافظات
الإيرانية/الفارسية المجاورة لإمارة الأحواز، تحت مُبرر تحديث التنظيمات الإدارية،
ومما يؤكد عدم صدق الحكومة الإيرانية في ادعائها هذا، أن تحديث تلك التنظيمات شملت
فقط المدن العربية الواقعة ضمن إِمارة الأحواز دون غيرها من المحافظات الإيرانية
الأخرى، وأدناه المساحات المُقتطعة من المساحة الكلية للإِمارة الأحواز
:

(1) تم اقتطاع مساحة 11,000 إحدى عشر ألف كيلو متر مربع من الجزء الجنوبي
لإمارة الأحواز وضمها لمحافظة فارس.

(2) تم اقتطاع مساحة 10,000 عشرة آلاف كيلومتر مربع من الجزء الشرقي لإمارة
الأحواز وضمها لمحافظة أصفهان.

(3) تم اقتطاع مساحة 4,400 أربعة آلاف وأربعمائة كيلو متر مربع من الجزء
الشمالي لإمارة وضمها لمحافظة لورستان.

وبذلك يكون مجموع مساحات الأراضي المقتطعة من
مساحة إِمارة الأحواز (25.400 كم2) خمسة وعشرين ألف وأربعمائة كيلومتر مربع، وبهذا
تقلصت من مساحتها الكلية البالغة (370.000 كم2) ثلاثمائة وسبعين ألف كيلومتر مربع
إلى (344.600 كم2) ثلاثمائة وأربع وأربعين ألف وستمائة كيلومتر مربع
.
( )

ويُمكن الجزم أنَّ إجراءات الاحتلال الإيراني
أعلاه، هي على ذاتِ منوال إجراءات الكيان الصهيوني في تعامله مع المُدن والقرى
الفلسطينية، التي كان ولا يزال يسعى بكُلِ الطرق إلى ضمها لما يُسمى بكيانهُ
الصهيوني، وهو كذلك على ذات منوال قضمهِ للأراضي العراقية الحُدودية، منذُ الغزو
والاحتلال الأمريكي عام 2003 ولغاية أنْ أصبح ذلك الغزو والاحتلال تحالُفاً لأركان
نظرية المؤامرة الأولى التي سأتناولها في الفقرات القادمة إنْ شاء الله تعالى،
فالاحتلال الإيراني احتلالُ غدرٍ وخيانه، لا يُمكن أنْ يؤمنُ جانبهُ، سيما وأن
التاريخ لم يترك لنا حوادث مشهودٌ لها، تؤكد أنَّ حكومات إيران ومؤسستها الدينية،
وامتداداتها الحوزوية قد ألتزمت/عملت بتعاليم وأركان الإسلام من حيث النظرية
والتطبيق، سوى ما تتناولهُ وسائل الإعلام حصراً، وهو كذبٌ قائم على
“التقية”، يُصاحبها تظليل إعلامي واسع.؟! وفي مفردةٍ واحدةٍ من آلاف من
المُفردات التي تؤكد ما ذهبنا إليه أن آية الله العظمى “جنتي” في إحدى
خطبه الجمعوية التي صادفت بالضبط بتاريخ 13/11/2009، التي تُعد خطبة الحكومة
والمؤسسة الدينية الإيرانية الرسمية، يفتي بأن الاعتداء على إيران من قبل الولايات
المتحدة الأمريكية إذا حدث/وقع فالجهادُ على شعب إيران، وشعوب الإسلام يكون
“فرض عين”، أي واجب على كُل مُسلمٍ ومُسلمة، في حين يتغاضى بشكل لا
شرعي، ولا أخلاقي، عن الإفتاء بالجهاد ضد القوات الأمريكية الكافرة والمُحتلة
للعراق، لا بل تتحالف معهُ الحكومة والمؤسسة الدينية الإيرانية علناً دون استحياء
أو خجل أو خوفٍ من الله تعالى، الذي نهى جزماً، ويقيناً عن مثل ذلك التحالف، ويتغاضى
ذاته عن التدخل الإيراني لذات الحكومة والمؤسسة الدينية في دعم التمرد الحوثي
المذهبي، الطائفي الشعوبي ضد السلطة المركزية في العاصمة صنعاء/اليمن، وقد كتبنا
مقالين تحليليين عن خطبة آية الله جنتي، حول ما يتعلق بعدم الإفتاء على الجهاد في
العراق( ) والتدخل الإيراني المُباشر باليمن( ) جديرتين بالقراءة والتدبر، وكما
مُشار في الهامش الختامي، الهامشين الرقم 2 و 3

.

وبالتالي فإن ذلك الاحتلال الإيراني لا يُمكن
أنْ يُوثق بعهودهِ، ففضلاً عن ما ورد آنفاً، فإنه لا يخفي سعيَهُ الحثيث لإعادة
أمجاد الإمبراطورية الساسانية، باحتلال الدول الإسلامية العربية المجاورة لهُ
كمرحلةٍ أولى، ولذا جاء الرئيس الإيراني “محمد خاتمي” بمقترحهِ المُتمثل
بـ: حوار الحضارات” الذي لاقى رواجاً كبيراً جداً حتى على مستوى الأمم
المُتحده، كونه يُلبي رؤية وأهداف أركان نظرية المؤامرة الأولى حصراً، وبالذات
إعادة أمجاد الدولة الفارسية، وفي حقيقة الأمر أن تلك الدعوة تُمثل المسلك الأكثرُ
كارثيةً ودمويةً، لا بل إرهابيةً، كونها في المُحصلة النهائية ستؤدي إلى
“تصارع الحضارات” وليس لـ: “حوار الحضارات”، حيث ستسعى كُل
دولة من الدولة إلى إعادة أمجادِها الغابرة، على أراضي الدول التي كانت وقتئذٍ
تابعةً لها، فهي دعوة باطل يُراد بها العودة لـ: “شريعة الغاب”، يؤيد ما
ذهبنا إليه السعي المحموم للحكومة والمؤسسة الدينية الإيرانية، إلى امتلاك
“السلاح النووي” الذي بهِ ستبدأ حتما، وهذا لا يختلف عليهِ العُقلاء،
إلى “صراع الحضارات”، سيما وأن المنطقة الإقليمية في الخليج العربي، لا
بل في الشرق الأوسط، تعيش في أسوأ حالاتها كون أنظمتها كما أشرنا في المادة 1-
المقدمة، أعلاه ؟؟
!!

3- شخصية الأمير الشهيد “خزعل الكعبي”:

آخر أُمراء الأحواز هو الأمير الشهيد
“خزعل بن جابر بن مرداو بن علي الكعبي ألعامري”، ولد سنة 1862م، أمُهُ
نورة بنت طلال شيخ قبيلة الباوية. وهو الأمير الخامس الذي يتسلم إِمارة المحمرة،
من فخذ البو كاسب ـ أي بنو كاسب ـ من قبيلة «بني كعب» بن عامر بن صعصعة من قيس
عيلان العدنانية. لعبت قبيلة بني كعب دورا هاما متميزا في منطقة الأحواز في العصور
المتأخرة، وأنجبت أُسراً حاكمة في تلك المنطقة توارثت الحكم وتركت لها بصمات واضحة
في التاريخ والتراث
.

نشأ “الشيخ خزعل” في المحمرة
وتعلّم على أيدي بعض من الشيوخ , وتدرّب على الفروسية، فكان عوناً لأبيه وأخيه من
بعده, وكان توليه الإِمارة على أثر اغتيال أخيه “الشيخ مزعل” سنة 1897م
من قبل بعض أفراد حاشيته عندما كان يُريد النزول من قاربه متوجهاً لقصره المعروف
باسم “قصر الفيلية” الواقع على شط العرب، وأدى حادث الاغتيال هذا إلى
مقتل سبعة عشر رجلاً من حاشيته أيضاً، فتولى حُكم الإِمارة أخيه الأصغر الذي كان
يُنافسهُ عليها وهو موضوع بحثنا “الشيخ خزعل” (1897 م – 1925 م)، علماً
أن “الشيخ مزعل” قد حكم إِمارة الأحواز 16سته عشر عاماً
.

هنا نتوقف قليلاً، مصادر التاريخ الأحوازي
كانت تؤكد أن الأمير “خزعل” الشقيق الأصغر “للشيخ مزعل” كان
يُنافسهُ على إِمارة الأحواز، لذا فإننا لا نستغرب إنْ كان “الشيخ خزعل”
هو مَنْ كان وراء اغتيال شقيقهِ حاكم الأحواز “الشيخ مزعل”، ولا يفوتنا
أنْ مقتل سبعة عشر من حماية الشيخ المُغتال يؤكد أنَّ تلك الحماية قد دافعت بشراسة
لحد الاستماتة عن أميرها المرحوم “مزعل الكعبي”، بينما لا نجد مثل تلك
الشراسه والاستماتة من قبل حماية “الشيخ خزعل”، لا بل حتى من أبناءهِ،
بالدفاع عن أميرهم/والدهم “الشيخ خزعل” عندما أسرتّهُ مجموعة من الجنود
الإيرانيين وهو بينهم في يخته الأميري، واقتادوه مع أخيه “عبد الحميد”
أسرى إلى طهران..؟! وكما سنرى في الفقرات اللاحقة من هذا البحث
.

تأتي أهمية أمارة “الشيخ خزعل” من
أنها قد شهِدت أيام حُكمهِ أحداثاً غاية في الأهمية, فقد شهد تفجر النفط، وتبلور
المصالح الأجنبية في منطقته, وشهد قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914, وعدّ موقع
إمارته الاستراتيجي خطيرا إبانها, كما شهد انهيار الحكم القاجاري في إيران وقيام
الحكم البهلوي/الشاهنشاهي بدله, ذلك الحكم الذي أطاح بحكمه
.

كما أتسمت شخصيته بسمات عزّزت من أهميتها
الجيوسياسية، وكذلك الاقتصادية، ويُمكن رسم صورة ذهنية واضح عن تلك السمات، مما
ورد في شهاداتِ الشخصيات الإسلامية العربية، التي سبق وأنْ قابلَتهُ، ووثّقت/أرّخت
ذلك اللقاء بالانطباع التي خرجت بهِِ، فهذا السيد عبد المسيح الانطاكي, كتب عنهُ،
يقول ” بشوش الثغر, طلقْ المحيا, ذو نظر جذاب, فصيح اللهجة, وديع يؤانس
ضيوفه, شريف العواطف ذو سماحة وطلاقة, حليم عند القدرة, شفُوق على اللائذين, تقي
ورع, مُسلم صادق بدينه، يصلي الأوقات الخمسة, بطل باسل عند اشتباك الحروب
“.

يصفه علي محمد عامر: ” عالم، وهو النصير
الأكبر للعلماء والشعراء, شاعر كبير له قصائد ومقطوعات من الشعر”، وقد وجده
سليمان فيضي – معتمد الإِمارة – : ” طيبا، كريما، ميالا إلى المرحِ والمزاح,
ينظر إلى الحياة نظرة متفائل, وكان يعيش في قصره الفخم محاطا بكل مظاهر العز
والسلطان.., وقد عُرفَ بالقوة والصلابة, وإطلاعه الواسع على شؤون الخليج العربي
وإيران والعراق ونجد.” ويُروى أن مفتي فلسطين “الحاج أمين الحسيني”
زاره في المحمرة للحصول على هبة لترميم المسجد الأقصى، فأعطاه تسعة آلاف روبية
.

ويُلاحظ على تلك الشهادات كيف أنَّ
“الشيخ مزعل” قد جمع بين العلم، ونصرة العُلماء، وبين الشجاعه في الحرب،
يُتوج ذلك قوة إيمانه باللهِ تعالى؟ ولكن على الطرف الآخر، ما أرقنني كباحث ومؤرخ،
كيف خُدع “الشيخ خزعل” من قبل الإيرانيين وتم أسّرهُ وهو في يختهِ بهذه
السهولة ودون أدنى مقاومة من قبل حمايتهِ وأبناءهِ..إلخ؟ ثم كيف يُقيم حفلة
“راقصة” على ذلك اليخت وهو في شهر رمضان المُبارك، وتُشير مصادر التاريخ
أنها قد جرت في السابع والعشرين من شهر رمضان، وهذا يعني أنَّ تلك الحفلة قد
أقامها في ليلة القدر المُباركة والمُقدسة عن عموم المُسلمين دون استثناء؟! وهذا
يؤكد ما ذهبنا إليهِ آنفاً عن غدر وخيانة حكومة إيران، لأن الإسلام قد جمع بين رأس
ذلك الغدر والمُخطط لهً الجنرال “زاهدي” الذي طلب أنْ تكون لهُ تلك
الحفلة بذات تلك الليلية المُباركة، فضلاً عن الشيخ أعلاه ومَنْ حضر تلك الحفلة
التي ربما هي بمفهوم ذلك الوقت يُمكن وصفها بأنها “ماجنه” ولم يكُن
توقيتها مُناسباً أو سديداً، وهذا ما سيرد تفاصيلُهُ في المادةِ (5) أدناه
.

عُرفَ عن “الشيخ خزعل” علاقاته
الوطيدة بأمراء، وشيوخ العرب، والمُتنفذين من الشخصيات المجاورين لإمارته، كما أنه
حسّنَ صلاته مع بلاد فارس ” فكسب احترام وحب أكابر رجالها, ونال بذلك أعظم
أوسمتها وألقابها ” وأستطاع أنْ يُحقق لأمارتهِ استقلالها النسبي الداخلي
والخارجي, وهذا بلا شك أغاظ الحكومة المركزية في إيران، بذات الوقت الذي جعلَ المُستعمرين
البريطانيين في حالٍ من القلقِ، كونهما لا يستسيغان أنْ تكونَ إِمارة/دولة عربية
بمثلِ ذلك، وهذا ما أشار إليه “رضا شاه”، إذ كتبَ في مُذكراتهِ، عن
“الشيخ خزعل”، أنهُ: ” كان أميرا مستقلا داخل حدوده… ليس لحكومة
طهران أي سلطان عليه… وقد مضت عليه أعوام دون أن يدفع أية ضريبة للدولة.. غير
أنه كان أحياناً يرسل بعض الهدايا إلى شاه إيران شخصيا
“.
( )

مثل تلك الشخصية ليس من المُستغرب أنْ تُرشح
لعرش العراق، قبل أن يُقرر البريطانيون وضع تاج ذلك العرش على رأس الملك فيصل بن
الشريف حُسين، كمُكافأةً لهُ على ما قدّمَهُ هو، ووالده الشريف حسين لهُم من خدمات
غيّرت مسارات تاريخ العرب الحديث والمعاصر من سوءٍ لأسوء.؟
!

سيما وأن “المستر بيل” سكرتير
الشؤون الشرقية في دار الاعتماد البريطانية في بغداد، قد نصح “الشيخ
خزعل” بالكفِ عن الخوضِ في موضوع الترشيح لعرش العراق، ليفسح المجال أمام
“الأمير فيصل” لتبوئهِ، ومن جهة ثانية لم تكن بريطانيا ترغبُ بفوز
“الشيخ خزعل”! لأن هذا معناه قيام وحدة طبيعية بين الأحواز والعراق، مما
قد تترتب عليه حتماً مشاكل سياسية، واقتصادية، و..إلخ مُعقدة لبريطانيا، لذا فإن
“الشيخ خزعل” قد شخّص بذكائهِ أن الدبلوماسية الانكليزية غير مُتحمسة
لترشيحه، فتنازل عن ذلك لصالح الأمير فيصل
.

بوقت مُبكر جداً، وهو ذلك الشيخ الذي ثقّف
نفسَهُ بنفسهِ، حيث لم يكن في حينِها خريجاً لأياً من مؤسسات الغرب العلمية، ولم
يكُنْ يمتلك ناصية التحدُث، أو قراءة لُغات أجنبية عده، ولم يكُنْ يقرأ في يومه
كذا صفحة من كتابٍ ما من كُتبِ عصرهِ…إلخ، ولكنهُ فَهِمَ، وأستوعبَ، لا بل شخص
بوقت مُبكر جداً أنَّ مفتاح بقائهِ، وديمومة إمارته يكمنُ بتوثيق علاقته وقتئذٍ
بالبريطانيين، بمعنى آخر ووفق ما متداول في علم السياسة حالياً، أنه استوعب بفطرته
مفهُوم “الموازنة الإقليمية وتأثيرها على مصالح الدول الكُبرى”، ويعدُ
في هذا الميدان وفق رؤيتنا، أنه الشخص الثاني، الذي شخّص ذلك التوازن الإقليمي بعد
“الوالي محمد علي باشا (1769-1849 م) ” والي مصر الذي وجد أيضاً في
بريطانيا، أنها مفتاح بقاءه في ولايتهِ، وتوسيعها، ولكنّهُ لم يجد فيها آذاناً
صاغيةً لأهدافهِ، فألقى بنفسه في أحضان الاستعمار الفرنسي الذي خذلهُ، حيث أنصاع
الفرنسيون في المُحصلةِ النهائية لبريطانيا ليتركوا “الوالي محمد علي
باشا” تحت رحمة حلفٍ دولي قادته بريطانيا، واشتركت فيه فرنسا حليفة الوالي
المذكور؟! ولا أودُ التوسع في الموضوع لكي لا أخرج عن ما أنا فيه من بحث
.

بمثل ما ورد آنفاً حقق الشيخ خزعل – الذي
امتدت إمارته أكثر من ربع قرن- لنفسه مكانة دولية مرموقة, وقد حصل على أوسمة كثيرة
من ملك بريطانيا, وسلطان تركيا, وشاه فارس, والبابا في روما وغيرهم, كان يحملُها
على صدره إذا لبس ثوبه الرسمي، وهذا بدوره لم يكن يُرق لمن أشرنا إليهم آنفاً،
فكان التحالف الاستعماري البريطاني الإيراني على الغدر بذلك الشيخ الجليل.؟
!

4- الطموح السياسي المشرُوع للشيخ “خزعل الكعبي” في إِعلان
استقلالهِ عن الحكومة الإيرانية، وتقديره السياسي المُبكر لمفهوم الموازنة الدولية
في منطقة الخليج العربي:

وفق رُؤيتهِ وجد “الشيخ خزعل” أنه
قد آن الأوان لكي يُهيأ مُستلزمات إعلان استقلاله للعالمِ الخارجي، ولكنّهُ لم
يكُن ينوي أنْ يُعلن ذلك الاستقلال إلا بعد أنْ يأمنَ الشر المتوقع القادم من
إيران؟ سيما وأنه كان قد قدّر بأن إيران ستكون حجرة عثرة فعلية في منع استقلال
إمارته؟ وفعلاً أثبتت الأحداث اللاحقه صدق رؤيته هذه، وهذا ما سأتناوله بعد قليل.
بذات الوقت الذي قدّر أيضاً بأن إعلانه لذلك الاستقلال سيكون محفوفاً بالمخاطر إنْ
لم يوثق علاقته بالمستعمرين البريطانيين كما أشرنا آنفاً، فسعى لتقوية علاقاته
بهم, فأصبحت فترة حكمه تُمثلُ تغيُراً جذريا في سياسة الأحواز مع الموظفين
الإنجليز في الخليج العربي, حيث تناسى تلك المعارضة التي صرح بها أبوه، وأخوهُ منذ
فتح نهر كارون للملاحة النهرية, ولقيت الشركة البريطانية (لنج) مساعدات قيمة من
حكومته، وأخذت السفن البريطانية المارة في شط العرب، ومن أمام قصره، تُطلق لهُ
مدافع التحية
.

ثم كان ما كان يُسيل لُعابَ الاستعمار
البريطاني، ويجعلهُ يغدرُ سراً، وعلناً بكُل القيم والمبادئ السماوية منها،
والوضعية من أجل الوصول إليها، ألا هي منابع النفط التي عدها ذلك الاستعمار، ولا
زال تحملُ من الثوابت الكثير، منها
:

الثابت الأول: أنَّ العرب ليسوا جديرين بتلك الثروة.

الثابت الثاني: أن ديمومة تطور بريطانيا، وسطوتها كونياً يكمنُ في أنْ تضع
يدها على تلك المنابع بأي وسيلةٍ كانت.

الثابت الثالث: لا يُمكن لبريطانيا أنْ تُحقق الثابتين أعلاه إلا بتنفيذ
مبدئها القديم الجديد “فرق تسُد”، فكان تقسيم بلاد العرب لمشايخ
وأمارات، نصّبت فيها، ولا تزال تُشارك في تنصيب مَنْ يتعهد بتنفيذ أجندتها
.

الثابت الرابع: وهو يُمثل أقسى وأرذل الثوابت، أنَّ بريطانيا مَنْ دق إسفين
وجود الكيان الصهيوني في المنطقة العربية، ووجدت فيه الوسيلة النموذجية في تشتيت
وحدة العرب، بحيث يُصبح جمع كلمة أنظمة العرب على أمرٍ ما بمثابة المستحيل؟!
وفعلاً تحقق هذا الأمر، بحيث أمست جُل الأنظمة العربية تتآمر في السر والعلن على
نظيراتها من دول العرب، ووصل بالبعض، أنَّه لكي يبقى في الحُكم عليه استرضاء ذلك
الكيان العنصري؟
!

الثابت الخامس: أن بريطانيا وعلى ذات منوال الثابت الرابع دقت إسفين استعمار
إيران لإمارة الأحواز العربية، وبذلك خلقت فجوة بين إيران والدول العربية، بالرغم
من قناعة بريطانيا وإيران بأن الحُكام العرب لا يُحركون ساكناً، ولا يوقفون
مُتحركاً، فضعفهم واضح المعالم، لا فائدة في تأسُدِهم أو تنمُرهم، فأنيابهم
مكسورة، ولم يعد يخيفوا إلا شعوبهم المقهورة، فضلاً عن تآمر بعضُهم على البعض
الآخر، ومما يؤيد هذه الرؤية، أنَّ بريطانيا عادت فكررت ذات الأمر مع إيران، بأن
أطلقت يدها لاحتلال الجزر العربية الثلاثة (طُنب الكبرى، وطُنب الصغرى، وأبو موسى)
ولم يكن تأثير تلك الأنظمة، إلا ذات تأثير تلك الأسود والنمور في صالات السيرك
الهزلية، حيث تصول وتجول، والكُلُ يستخفُ بها؟! وعلى الطرف الآخر نُجزم بأنَّ
دولاً عربية هي مَنْ أتفق مع بريطانيا على التضحية بالأحواز والجزر العربية.؟! ثم
يتكررُ ذات المشهد أعلاه، ولكن الطرف الآخر هو الولايات المتحدة الأمريكية، التي
أطلقت بدورها إيران في العراق، وتلك الأنظمة على ذات المنوال المُخجل.؟
!

فكان، ومن المهم لي أن أتساءل: هل كان من
حُسنِ الحظ؟ أم من سوءِ الحظ؟ أنْ يتفجر النفط في سنة 1908م في مدينة مسجد سُليمان
– أحدى مدن إقليم الأحواز الشرقية على بعد 150 كم من رأس الخليج العربي– على عمق
1180 قدما, وأتضح أن تفجره قد تم في الأحواز قبل غيرها من الإمارات العربية على
الخليج العربي
.

إجابتي على التساؤل اعلاه، يقول: هُنا بدأ
الخطرُ الفعلي يُهدد إِمارة “الشيخ خزعل”، وكان الخطر مزدوج، الأول: هو
الاستعمار البريطاني وفق ما أشرنا إليه في الثوابت أعلاه، والثاني: إيران التي
كانت ترفض أنْ يتمتع سُكان جارتها الأحواز العرب بثروتهم النفطية، سيما وأنه لم
يُكتشف في الأراضي الإيرانية وقتئذٍ أي بئرٍ نفطي، لذا جاء نفط الأحواز بمثابة
مُبرر كافٍ ليُسارع الشاه “رضا بهلوي” لاحتلال الأحواز، والاستحواذ على
ثروتها النفطيه، ناهيك عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي على الخليج العربي
.

لذا بدأ شاه إيران “رضا خان”
التفكير بوضع الخطط، والمسالك التي تُمكنُه من القضاء على “الشيخ خزعل”،
وهذا ما اعترف به “رضا شاه” في مذكراته، الذي قال بهذا الخصوص: (( من
الضروري القضاء على أمير عربستان الذي استمر أعوام طويلة يعيش أميرا مستقلا داخل
حدود أمارته، ويُسانده الأجانب مساندة تامة في أعماله، وليس لحكومة طهران أي سلطة
عليه.؟
!)).

المُستعمرين البريطانيين سارعوا بعد اكتشاف
النفط في الأحواز إلى فتح باب المفاوضات مع “الشيخ خزعل” برغم من
احتجاجات شاه إيران عليهم بعقد اتفاقية بشأن جزيرة عبادان العربية إحدى مُدن
الأحواز، للبدء في أنشاء معمل لتكرير النفط فيها, فضلاُ عن مد خط أنابيب طوله 130
ميلا بين الحقول

ومرفأ النفط في عبادان، وبهذا الخصوص يذكر
السير أر نولد ولسن، سكرتير الوفد المفاوض “للشيخ

خزعل”: إن لقاء قد تم بين الشيخ خزعل
والسير برسي كوكس الوكيل البريطاني في بخارى والمتولي شؤون المناطق المحيطة
بالخليج العربي، وبعد أربعة أيام من المفاوضات توصل الطــرفـان فــي 6 أيار/مايو
1909م لاتفاق يقضي بدفع 650 جُنيها سنويا “للشيخ خزعل” كإيجار لموقع
معمل تكرير ومرور أنابيب النفط عبر أراضيه, إلى جانب تأييد استقلاله ضد ادعاء
الحكومة المركزية، ووعد بمساعدة عسكرية بريطانية إذا ما تعرض لأي اعتداء
.

4- اتفاق تحالف الغدر والخيانة البريطاني الإيراني على احتلال إِمارة الأحواز
العربية والقضاء على أميرها “الشيخ خزعل الكعبي”.؟
!

في عام 1921 م أصبح “رضا خان”
قائدا عاما للقوات المسلحة الإيرانية، بعد أن أطاح بوزارة “ضياء الدين
الطباطبائي”، ثم رئيسا للوزراء، وفي عام 1925 م نصّب نفسه ملكا/شاهنشاه على
فارس، ثم قام بتأسيس حكومة مركزية قوية لم تشهدها إيران في تاريخها الحديث، وتأت
قوة تلك الحكومة من قوة الجيش الذي شكلهُ بدعم ألماني وقتئذِ، حيث كان الشاه
“رضا خان” مُعجباً بالتنقية الألمانية وقوتها، وبذلك استطاع السيطرة على
البلاد، وإخضاع المناطق الحدودية التي كان يحكمها زعماء محليون يتوارثون السلطة
ومنهم “الشيخ خزعل
“.

بذات الوقت الذي تمكن فيه “الشاه رضا
خان” استثمار علاقاته الدولية لمصلحة إيران، سيما روسيا التي كانت تطمح من
خلال إيران الوصول إلى ما يُعرف بـ “المياه الدافئة” المقصود بها مياه
الخليج العربي، فضلاً عن وضع حد للتغلغل البريطاني في جنوب إيران الذي يُمثل
إِمارة الأحواز العربية، الذي يُمثل

مانعاً وسداً أمام وصولها لمياه الخليج
العربي، فوجدت في انقلاب الشاه رضا على وزارة الطبأطبائي بما يُحقق طموحها أعلاه،
فسارعت عام 1921 إلى عقد معاهدة بينها وإيران، اعترفت فيها باستقلال بلاد فارس،
وتنازلت عن كل ما لديها من المقاطعات الفارسية، كما تنازلت عن جميع الديون التي
كانت لها على تلك البلاد فارس، وبهذا أرادت روسيا ان يبقى الجو صافيا لها لكي
يمكنها الوصول الى المياه الدافئة في الخليج العربي للقضاء على نفوذ بريطانيا
الاستعمارية ومصالحها البترولية والتجارية في المنطقة
.

من جهتها وجدت بريطانيا أنَّ من الحكمة أن
تتعامل مع النظام الشاهنشاهي الجديد بما يُحقق أهدافها هي أيضاً، سيما منع روسيا
التي كانت تمثل “الشيوعية” آنئذٍ من الوصول للخليج العربي، وهنا تظهر
قدرة وحنكة “رضا الشاه” في لعبته السياسية بين المصالح المتضادده بين
روسيا وبريطانيا، فكان أن حقق مصالح جديدة لإيران على ذات منوال ما حققه من مصالح
من روسيا، فكان شرط “رضا خان” من بريطانيا هو أنْ تتخلى عن حماية إِمارة
الأحواز، وعن أميرها “الشيخ خزعل” فاستجابت له بريطانيا، وكانت هذه
الاستجابة بمثابة بداية النهاية لحكم الشيخ خزعل لإِمارة الأحواز العربية
.

في نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1923 قرر
“رضا شاه” أن يمد نفوذه إلى الأحواز ومدنها العربية، فكانت مرحلتهُ
الأولى أنْ فرض جمع الضرائب فيها لصالح حكومته المركزية، فجرت مفاوضات بين الطرفين
أسفرت في النهاية إلى تسوية مع “الشيخ خزعل” تضمنت أن يدفع لتلك الحكومة
كُلَ الضرائب في المستقبل، فضلاً عن نصفِ مليون تومان من الضرائبِ المُتأخرة، ثم
كحسن نية دفع “الشيخ خزعل” مائة ألف تومان نقدا
.

تزامن مع تلك المفاوضات أنْ قام “رضا
شاه” بحملة عسكرية ضد إحدى القبائل العربية المجاورة لهُ، وأخضعها بالقوة،
هذه العملية دقت ناقوس الخطر في ذهن “الشيخ خزعل”، وأثارت في نفسه
المخاوف، سيما أنه عدّ نفسه، أنه سيكون المستهدف في حملة عسكرية أخرى للشاه رضا؟
!

آلية الاحتلال الإيراني لإِمارة الأحواز
العربية، والتأييد البريطاني لذلك الاحتلال، والتآمر العربي الخفي، يُدمي القلب،
ويُحزن النفس، ويؤكد كيف أن الأنظمة العربية بتاريخها لا يُعتزُ به؟! فكان توافق
المصالح الذي تمخض عن تولد تحلف استعماري مُشترك بريطاني إيراني، ثم تحييد ذلك
التحالف للأمراء العرب وقتئذٍِ بعدم تقديم يد العون “للشيخ خزعل” الذي
كان قد قدّم لهم العون، وشارك في الدفاع عن عروشهم الأميرية فخذلوه، ولم يكن شكل
ذلك الخُذلان إلا بصمتٍ مُطبق ناجم عن ضعفٍ مُخزٍ، لا يقل من حيث مقدار خطورته عن
خطر ذات الغدر الذي مارسه ذلك التحالف البريطاني الكافر والإيراني المُنافق
.

كان حدس “الشيخ خزعل” صائباً عندما
أحس أن الخطر يقترب منه بعد أن غزا “رضا خان” القبيلة العربية المجاوره
له كما أشرنا، وبدون الدخول في تفاصيل الاحتلال البريطاني الإيراني للأحواز، نكتفي
بالقول، أن ذلك الشاه أستخدم الغدر والخديعة في احتلال إِمارة الأحواز، ثم تزامن
معهُ الاحتلال العسكري، وكان خطة الغدر والخديعه هذه تتمثل بإلقاء القبض على
“الشيخ خزعل” كونه يُمثل رمز المُقاومة والقوة الأحوازية، فأسره يعني شل
تلك المُقاومة برمتها، هذه الخطة المُحكمة “للشاه رضا” حققت له غايات
عده، منها
:

(1) التقليل من حجم الخسائر بين القوات العسكرية الإيرانية المُحتلة.

(2) تحقيق المفاجأة على قوات “الشيخ خزعل”، وشل قدرتها على
القتال، وبالتالي تسهيل سيطرة القوات الإيرانية عليها وعلى المدن الأحوازية.

(3) تجنب مقاومة الشعب الأحوازي للقوات الإيرانية المُهاجمة، الأمر الذي
يعرقل تقدم القوات المسلحة الإيرانية.

(4) عدم إعطاء الوقت الكافي للحكومات العربية وقتئذٍ من تقديم العون
“للشيخ خزعل”، ومفاجئتها بأسرها لهُ.

وقد تمثّلت خطة الغدر الخديعة الإيرانية بأسر
“الشيخ خزعل”، بأنْ أعلنت الحكومة الإيرانية عن رغبتها بحل الخلافات
بينها و”الشيخ خزعل” تفاوضياً/دبلوماسياً، في حين أنها كانت قد انتهت من
إعداد العده للاحتلال الإمارة احتلالاً عسكرياً، “الشيخ خزعل” بدورهِ
رحب بخطوة الحكومة السلمية تلك، فوصل إلى مدينة المحمرة الجنرال الإيراني
“زاهدي” الذي تمكن من تقمص شخصية الدبلوماسي الراغب في إيجاد حل سلمي،
لخلق الاطمئنان لدى الشيخ خزعل” من طرف، ولكي لا تكتشف النوايا الإيرانية
الغادرة بوقت مبكر من قبل الشيخ نفسه، فكان أنْ حاول أولاً الجنرال
“زاهدي” أقناع “الشيخ خزعل” بالسفر معه إلى طهران، إلا أن
الشيخ رفض ذلك بقوة، عندئذٍ طلب “زاهدي” من الشيخ خزعل” أن يُقيم
لَهُ حفلة وداع لكي يعود إلى طهران، فاستجاب وبنيةٍ حسنه لذلك، سيما وأنه قد قدر
بأن الخلافات بينهما قد انتهت، وما هذه الحفلة إلا دالة على ذلك، فأوعز الشيخ
لأبنه “عبد الحميد” بالحضور من البصرة ليهيأ مُتطلبات الحفلة تلك، التي
أقيمت في يخت “الشيخ خزعل” الخاص الراسي في شط العرب، مقابل قصره في
الفيلية، لكي لا يُشيع خبرها، ولم يدع لها سوى أبنائه عبد الحميد، وعبد الله، وعبد
المجيد، وأحد أقربائه يدعى موسى الشيخ يوسف، وسكرتيره الخاص عبد الصمد، وذلك
احتراما لليلة السابع والعشرين من شهر رمضان التي أقيمت فيها الحفلة، وبعد أن عرضت
بعض الرقصات، واستمعوا إلى جانب من الغناء، وحيث أرخى الليل سدوله، صعدت شلة من
الجيش الإيراني التي كانت ترافق الجنرال “زاهدي” إلى اليخت، وعلى رأسهم
المدعو “مصطفى خان” وقاموا بأسر “الشيخ خزعل” وابنه “عبد
الحميد” وسيقوا من “قصر الفيلية” إلى مدينة المُحمرة، ومنها إلى
مدينة الأحواز ليلا، ومنها أرسلوا إلى طهران، وفي حينها دخلت الجيوش الإيرانية
أراضي إِمارة الأحواز، واحتلتها احتلالا عسكريا، وسيطرت على زمام الأمور في جميع
أنحاء الإِمارة العربية وكان ذلك في ليلة 19 على يوم 20 نيسان 1925. واحتجز في
طهران عاصمة الغدر والخيانة لحين وفاته التي اختلفت الروايات في بيانها اختلافاً
بسيطاً، فمنهم مَنْ أكد أن المخابرات الفارسية قد خنقتهُ بتاريخ في 26 آذار 1936 م
( )، ومنهم منْ قال أن موته قد جاء بعد أسرٍ أستمر إحدى عشر عاماً، حيث تؤكد
الحقائق التاريخية، أن الشيخ خزعل كان قد قضى اغتيالاً بالسم، أو الخنق
..

وأودُ الإشارة إلى أنَّ هناك رواية أخرى لا
تتفق مع الرواية أعلاه، تُفيد أن أربع فرق من جيش الإيراني المُسلح والمُدرب
بقيادة “الجنرال زاهدي”، قد تقدمت باتجاه الإِمارة الأحوازية واحتلتها،
فاستنجد “الشيخ خزعل” بأصدقائه البريطانيين، ولكن كان ما لم يكُن
بالحسبان بالنسبة لهُ، أن أصدقائه البريطانيين الذين وعدوه باتفاق مسبق بينهما
بحمايته من كل اعتداء خارجي، ينصحونهُ بعدم جدوى المقاومة، وهنا لم يبق أمامه من
خيار، غير التسليم، ولكن من جهة أخرى لم يكن البريطانيين من اليسير عليهم أنْ
يسمحوا بهزيمة كاملة للشيخ خزعل، لذلك حاولوا أن يكونوا الوسيط في هذا النزاع،
وكلما أتجه رضا شاه بقواته نحو الجنوب أشتد احتجاج السفارة البريطانية، ولكن رضا
شاه لم يستمع أبدا إلى تلك الاحتجاجات الصورية المُتفق عليها مُسبقاً بينهما.؟
!

في ذلك الموقف الصعب، سيما بعد أنْ وجد
“الشيخ خزعل” بأن الإنجليز أصدقاؤه قد خذلوه، فكّر في مخرج آخر تمثل في
أنهُ أرسل برقية اعتذار لرضا شاه، ولكن الأخير في ظل النصر العسكري الذي حقّقه،
وتحالفه مع البريطانيين أصر على تسليم “الشيخ خزعل” بلا قيد أو شرط،
وفعلاً تم إلقاء القبض عليهِ، بداية عام 1924 ونفي إلى طهران، وهناك أمضى البقية
الباقية من حياته في سجونها الإسلامية المُنافقه، وباستسلام “الشيخ
خزعل” دخلت مدن الأحواز شركة البترول الأنجلو إيرانية لأول مرة في علاقة
مباشرة مع الحكومة المركزية في طهران. وكان أول المهنئين لرضا شاه بما حل
“بالشيخ خزعل” وأمارته هو السفير البريطاني في طهران
.

وهنا كم أتمنى على الأخوة الباحثين
والكُتّاب، سيما المُؤرخين من أبناء عمُومتنا الأحوازيين، أنْ يُنقّوا تاريخ
الأحداث الأحوازية المهمة من المُبالغة، والدس الإيراني، والتظليل الإعلامي..إلخ،
والتعامل مع تلك الأحداث بشكلٍ دقيق، وواقعي، ووفق ما تقتضيه مسارات التوثيق
التاريخي المعروفة، فمن غير الممكن أنْ يجري الترويج تاريخياً لروايتين عن كيفية
احتلال إِمارة الأحواز، وكيفية القضاء على الأمير “الشيخ خزعل”، علماً
أن الحدث لم يمضِ عليهِ سوى ما يُقارب (86) سنة، وهي فترة في حسابات التاريخ قريبه
جداً وليست بعيدة، سيما وإن تساءلنا كيف جرى ويجري توثيق أحداث مهمة لفترة ما قبل
الميلاد؟
!

غدر الاستعمار البريطاني آنف الذكر جاء
مُكافأة على الموقف الوفي والمخلص “للشيخ خزعل” في مساندتهم بحربهم ضد
العثمانيين في الحرب العالمية الأولى عام 1914، حيث كان عوناً لهم في طرد الأتراك
من البصرة، كما شارك في تأمين الحماية اللازمة للسفن البريطانية الموجودة في نهر
كارون التي شاركت بالحملة البريطانية ضد العثمانيين، كما كان عوناً لهم بكافة
مراحل الحرب وفق ما يقتضيه الموقع الجيوسياسي لإِمارة الأحواز
.

كان الأمير “الشيخ خزعل” على
علاقاتٍ جيدة بأشقائه العرب في السعودية والكويت والبصرة، ويرى البعض أنه كان يدعو
منذ بداية القرن العشرين إلى تحالف عربي في المنطقة، الأمر الذي جعله يجتمع بكبار
قادة العرب في الفترة التي لم تترسخ فيها بعد ظاهرة الدولة الوطنية، وعلى رأس مَنْ
اجتمع بهم كان الملك عبد العزيز مؤسس المملكة العربية السعودية، والشيخ مبارك
الصباح أمير الكويت
.

5- اجتثاث الحرس الثوري الإيراني لقصر الأمير “الشيخ خزعل”
المعروف بـ: “قصر الفيلية”:

الحقد الإيراني على كل ما هو عربي في الأحواز
ومدُنِها العربية اجتثتهُ، فالمعممين من الملالي يؤرقهم أنْ تبقى ملامح العروبة في
تلك المدن، سيما وأنهم شهدوا فيما مضى مدى ضعف وهزالة الأنظمة العربية التي لا
مكان لها في قاموس المؤسسة الدينية الإيرانية في طهران، فهم إن احتجوا لا يُسمعوا
إلا أنفسهم، هذا إذا تجاوزنا احتمال أنَّ عدد من تلك الأنظمة العربية ربما حثت
حكومة طهران على اجتثاث قصر الأمير “الشيخ خزعل” ليكون لها حظوة لدى تلك
المؤسسة الدينية الإيرانية المُنافقة، فكان أنْ أجهز الحرس الثوري الإيراني على ما
تبقى من قصر “الشيخ خزعل” المعروف بـ” قصر الفيلية” الواقع في
مدينة المُحمرة على ضفاف شط العرب، الذي شيّدهُ المغدور بهِ “الشيخ
خزعل” عام 1917، وقد عدّه عرب الأحواز من تراثهم القومي، حيث كان مُسجلاً
كأثر تاريخي ضمن الآثار التاريخية في إيران برقم 2845
.

ربما ضمير الاختصاص العلمي دفع السيد “حسن محسني” المتحدث باسم
دائرة التراث في مدينة الأحواز إلى بيان مُقتطفات عن آلية ذلك التدمير قائلاً:
“أن دائرة التراث الثقافي ستقدم شكوى ضد المؤسسة العسكرية التي أقدمت على
تدمير قصر الشيخ خزعل، وتم إعلام أركان القوات المسلحة بذلك، ومَنْ يُرد أن يعرف
أسباب تدمير هذا القصر عليه أن يراجع المؤسسة التي أقدمت على ذلك..؟!”.

ومن الجدير ذكره أنَّ بني كعب الذين شنوا حرباً من الأحواز على الكويت في سنة
1783 أصبحوا أصدقاء للكويت بعد 120 عاماً تقريباً، أي في فترة حكم “الشيخ
خزعل الكعبي”، وقصر الأخير في الكويت هو دليل آخر يضاف إلى الوثائق
والمراسلات القديمة التي تدل على هذه الصداقة بين حاكم الكويت وحاكم الأحواز، حيث
يُلاصق قصر “الشيخ خزعل” في الكويت “قصر دسمان” الذي كان يعد
قصر الحكم في هذه الإِمارة، وقد قام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب
الكويتي، بترميم قصر “الشيخ خزعل” بغية المحافظة على التراث المعماري
الكويتي الأحوازي، باعتبار أن هذا المعلم يعكس جزءاً مهماً من تاريخ الكويت
والأحواز.

النزعة العنصرية الإيرانية التي أثبتت مدى رذيلتها اللا شرعية واللا أخلاقية
في ما يجري الآن في العراق، وأفغانستان، وباكستان ولبنان…إلخ، حيث سبق للحرس
الثوري، أو غيرهُ من المؤسسات الإيرانية العنصرية، أنْ هدمت قصر الشيخ عبد الحميد،
وريث ونجل الأمير خزعل بن جابر الكعبي في مدينة الأحواز، وتحويلهِ إلى مرآبٍ
للسيارات والحافلات، وكذلك قصر الأمير “الشيخ خزعل” في مدينة الحميدية
شمالي الأحواز الذي سوّي بالتراب هو الآخر”.

 6- قراءة تحليلية مُقارنة بين احتلال التحالف البريطاني الإيراني
لإمارة الأحواز، واحتلال التحالف الكوني للعراق الذي انتهى بتحالف أمريكي إيراني
بدعم عربي مباشر:

أشرتُ في المُقدمة أن السبب الجوهري الذي
جعلني أنتقل من كتابة مقال إلى كتابة بحث تاريخي مُقارن موجز، هو أن بعضاً من
ألأحداث التي كانت وراء الاحتلال القطرين العربيين إمارة الأحواز (1925) وجمهورية
العراق (2003) مُتشابِه بالرغم من أن المسافة الزمنية بين الاحتلالين هي حوالي
(78) عاماً، ويكمنُ هذا التشابه دون التوسع فيه لعدم الإطالة، ثم لتشعبهِ كثيراً،
في
:

(1) ابتُليت إِمارة الأحواز بكونها الإمارة العربية الأولى التي أُكتشف
فيها النفط بغزارة وبمواصفاتٍ سال عليها لعاب الاستعمار البريطاني، بذات الوقت
الذي أبتلى العراق بثروةٍ نفطية هائلة، عُدت كونياً الثالث تارةً، والخامس تارةً
أخرى من حيث امتلاكه للاحتياطي النفطي الكوني، فسال لعاب الاستعمار الأمريكي على
تلك الثروة، فإذن كان الاقتصاد هو الدافع الحقيقي لاحتلال كلا القطرين العربيين
أعلاه، وربما من غير المناسب أن أقول “أبتلى”؟! على أساس أنَّ الدولة
التي تمتلكُ كماً محدوداً وليس هائلاً من تلك الثروة النفطية يعيشُ شعبها في ترفٍ
كبير، للأموال الهائلة التي سيجنيها من تصدير تلك الثروة، ولكن في حالة القطرين
أعلاه كانت النتيجة على الضد بالضبط، وينطبق على شعبيهم المثل العربي القائل:
“مثل الجمل مُحمل بالذهب ويأكل العاكول”.

(2) لم يبخل كلا القطرين “الأحواز والعراق” في تلبية مُتطلبات
الدولتين الاستعماريتين “بريطانيا وأمريكا” من حيث حصولهم على النفط
بشروط مُميزة تجنباً لشرهم، فهذا “الشيخ خزعل” عقد اتفاقاً مع المُستعمر
البريطاني وفق شروطه وكما أشرنا في المادة (4) أعلاه، ثم هذا هو العراق الذي لم
يبخل على أمريكا بما تريدُه من نفطهِ، والنتيجة النهائية غدر كلا الاستعمارين بالأحواز
والعراق، فكان الغدر البريطاني بالأحواز هو لصالح الاستعمار الإيراني، وكان غدر
أمريكا بالعراق لصالح الكيان الصهيوني/إسرائيل، لتنكشف الحقائق لاحقاً أنَّ نظرية
المؤامرة الأولى بأركانها التاريخية الثلاثة: الولايات المتحدة الأمريكية
(الإنجيلية المُتطرفة) + التوراتية المُتطرفة (الكيان الصهيوني) + المذهبية
الطائفية الشعوبية الإيرانية المُنافقه، المُتمثلة بـ: “الحكومة والمؤسسة
الدينية الإيرانية وامتداداتها الحوزوية”، كانت وراء احتلال العراق، وعُدت
إيران المُستفاد الأكبر من ذلك الاحتلال، سيما بعد أنْ أطلقت الولايات المتحدة
الأمريكية، والكيان الصهيوني يدها في العراق وفق اتفاق جوهره: ” الحرب على
الإسلام والعروبة”.

(3) الاستعمار الإيراني كان ينظرُ إلى إِمارة الأحواز أنها جزء من
أراضيه، وتحققت رؤيتهُ هذه بمساعدة استعمارية بريطانية مُباشرة، ومؤامرة عربية
واضحة. النظرة ذاتها كانت ولا تزالُ يُمارسها النظام الإيراني في حُقبهِ الزمنية
المُختلفة تجاه العراق، حتى وإنْ لم يُعلن عنها صراحةً، إلى أنْ تحقق الغزو
والاحتلال الأمريكي للعراق بمساعدة مُباشرة من إيران على مستوى الحكومة والمؤسسة
الدينية الإيرانية كما أشرنا في الفقرة الفرعية (2) أعلاه، سيما “دور
الرذيلة” الذي مارسهُ ما يُسمى بـ: “المجلس الإسلامي الأعلى للثورة
الإيرانية في العراق” الذي أسسهُ ورأسه آية الله العظمى خُميني، ثم انتقلت
رئاستًهُ إلى آية الله العظمى محمد باقر الطبأطبائي المُلقب بالحكيم( ) وبعد مقتله
على أيدي الحرس الثوري الإيراني، انتقلت رئاسته لشقيقه “عبد العزيز
الطبأطبائي”، وبعد وفاته بمرض عضال، انتقلت رئاسته وفق مبدأ الوراثة إلى ابنه
“عمار الطبأطبائي”، ولا زال ذات “دور الرذيلة” يُمارسهُ
المجلس في السعي للإلحاق العراق بإيران، علماً أنه حالياً قد قطع شوطاً مُتقدماً
في تحقيق الاستعمار الاقتصادي الأمريكي الإيراني للعراق، عبر سلسلة من القروض
الخرافية التي تُرهن ليس ثروة العراق بل شعب العراق لعقود قادمه؟! ولا أقول لقرونٍ
قادمه؟!

(4) تميز الأمير “خزعل الكعبي” بعلاقة جيدة جداً مع الأمراء،
والمشايخ العرب وقتئذٍ، وقد كانت لهُ مواقف وطنية يشهدُ لهُ التاريخ بها، سيما مع
أمير الكويت الشيخ مبارك الصباح، وملك السعودية عبد العزيز آل سعود وغيرهم، ولكنهُ
لم يجن من تلك المواقف أي فائدة بالذود عنه وهو يتعرض لمؤامرة التحالف البريطاني
الإيراني، فبقي لسنوات عده أسيراً في طهران إلى أن مات كما أشرنا خنقاً أو بدس
السم لهُ، كما أن أؤلئك العرب تخلوا عن دعم المقاومة الأحوازية الوطنية، لا بل
ساهموا مع الاستعمار الإيراني في ملاحقتهم، و…إلخ، ولا زال يعيش شعب الأحواز تحت
قوانين وإجراءات إيرانية نازية وفاشيه، تفوق ما يتعرض له أخوتنا في فلسطين المحتله،
بحيث عُد الاحتلال الصهيوني أخف وطأةً على عرب فلسطين من الاستعمار الإيراني الذي
هو أشدُ وطأةَ على عرب الأحواز؟!

على الطرف الآخر من هذه المقارنه كان الشهيد
“صدام حسين” الذي ذاد عن الكثير من دول العرب، وكانت الحرب
الإيرانية-العراقية دليلاً على ذلك، ولكن كانت الكارثة الكبرى بدخوله الكويت التي
وجد فيها أشقاؤنا العرب أن الفرصة قد حانت لجعل العراق كما أعلن حُكام/مشايخ
الكويت بـ: “اللهم اجعل العراق حجراً على حجر”؟!، فكانت الفرصة القدرية
التي استغلها قادة عدد من الدول العربية لكي يتضامنوا على مؤامرة تؤكد مستوى ذلهم،
وخيانتهم، وغدرهم ليس بشعب العراق فقط، بل خانوا، وغدروا بشرع الله تعالى
بتوقيعهم/تحالفهم رسمياً دون مسوغات مع الكفار على غزو واحتلال العراق، وهي معروفة
بالاسم ويتفاخر رؤسائها بذلك، ويعدونه مكسباً عربياً لهم لا بد منهُ؟! في حين أن
العراق كان قد أعلن موافقته على قرار الجامعة العربية بشأن انسحابه من الكويت،
وكان الشاهد على ذلك الملك حُسين ملك الأردن الذي وثّق تلك المؤامرة بكتابٍ أصدره
باسم “الكتاب الأبيض”، والشاهدُ الحي الآخر الرئيس الليبي “مُعمر
القذافي” الذي أبت شهامته الإسلامية العربية، المُشاركة في غزو واحتلال
العراق، وكيف نقلت لنا في حينها الفضائيات المختلفة، كيف مزّق الوثيقه المُعده
سلفاً من قبل أعداء الله تعالى والعروبة، ووضعت أمام القادة العرب، ليتفاجىء عدد
منهم بها، مع الطلب منهم توقيعها دون مناقشتها؟! وكيف زجر الرئيس “معمر”
بشده، ذلك الرئيس عرّاب أمريكا والكيان الصهيوني في الوطن العربي، الذي قاد حملة
غزو واحتلال العراق..؟
!

وما ترتب على ذلك التوقيع من مُشاركة فعلية لتلك الدول في ذلك الغزو
والاحتلال، فكانت الطائرات الأمريكية، والبريطانية، والصهيونية لمدة عقد ونصف
تقريباً تقصف العراق من قواعد عربية معروفة في الكويت، والسعودية، وقطر، و…إلخ،
ثم كانت مشاركة “المارينز الخليجي” بشكل فعلي مع القوات الأمريكية
وغيرها في ذلك الغزو، ثم كانت أراضيهم التي انطلقت منها جحافل القوات المحتلة
الأمريكية والبريطانية و…إلخ، ثم استمرارية الدعم اللوجستي لتلك القوات المحتلة
لغاية التاريخ الذي نكتب فيه هذا البحث (تشرين الثاني 2010)، ولا نريد الإطالة لأن
الموضوع يُكتب عنه مُجلدات، الذي أختمهُ بدعم أُمراء ومشايخ الكويت لمسارات
الإرهاب والدموية في العراق تحقيقاً لسياستها آنفة الذكر، التي قطعت فيها مراحل
مُتقدمة.؟! ثم استعداد/موافقة “عمرو موسى” بفتح مكتب للجامعة العربية في
مُحافظة “أربيل” إحدى محافظات الحكم الذاتي العراقية، وبذلك يدقُ إسفين
فصل محافظات الحُكم الذاتي (السُليمانية، وأربيل ودهوك) عن العراق؟! وكُل ذلك وما
لم نذكرهُ الكثير الكثير لم يشفِ حقد، وغليل قادة أنظمة مَنْ وقع على وثيقة غزو
واحتلال العراق؟!

(5) لم يستطع الشهيد “خزعل الكعبي” الصمود أمام التحالف
البريطاني الإيراني، ووفق تقديرنا أن السبب يكمن في أمرين أساسيين: الأول: القدرة
الهائلة للتحالف أعلاه على مُمارسة الرذيلة، بمعنى أن عهودهم، مواثيقهم..إلخ في
حلٍ منها إنْ لم تكُنْ تتوافق مع مصالحهِم، فمفهوم الوفاء، والإخلاص،
والأمانة…إلخ لا مكان لها في قاموسهم، لا بل حتى في تفكيرهم، وهي مُستهجنه
كُلياً علناً دون استحياء، أو خجل؟! الأمر الثاني: أنه لم يكُن يمتلك قوة/قدرة
عسكرية تُمكنه من مواجهة قوات ذلك التحالف سيما القوة الإيرانية، الأمر الذي لم
تلقى تلك القوة أي مقاومة تذكر.

في شأن العراق المُصيبةُ أكبرُ بمسافات
هائلة، فالتحالف المُعادي عليهِ كوني، جيوشهم، ومعداتهم العسكرية، وتقنيتها،
وأعدادها..إلخ لا تُبارى، ثم أن جميع الدول المجاورة للعراق اللهم أشهد عدا الجارة
سورية العزيزة، كانت أراضيها، أو أجوائها، أو أراضيها وأجوائها في آن واحد مسرح
انطلاق/تعاون مع القوات الغازية والمحتلة للعراق، حصار على العراق أمتد ما يزيد
على عقدٍ ونصف من الزمن، تزامن معهُ غارات جوية مُنظمة وممُنهجه على إحيائه
السكنية، ومؤسساته الصناعيه، و…إلخ، حرباً إعلامية مُضللة لا هوادة فيها استمرت
ذات الفترة أعلاه، اتهاماتٌ باطله لا أساس لها من الصحه، حربٌ نفسية مُخطط لها
تجاه شعب العراق برمته، أبدع في كُل ذلك وأكثر حُكام ومشايخ الكويت؟! باختصار أصبح
شعب العراق برمته داخل سجن تشرفُ عليهِ، وتتحكمُ بمقدراته الولايات المتحدة
الأمريكية، ومَنْ معها من دول ذلك التحالف أذلهم الله تعالى في الدُنيا والآخرة؟
وليس من منطقِ حكمةٍ أوعقلٍ يسمحُ به ذلك التحالف لحل تلك العُقده المُختلقة على
العراق جملةً وتفصيلاً، سيما بعد أنْ استخدمت الأمم المتحدة منبر اعتداء على العراق
وليس منبر دفاع عن حق العراق، بأنهُ ليس كما يُشاع عنه؟! وهذا ما أنفرد به العراق
كونياً. لذا أمام كل ذلك وغيره الأكثر تم تحييد ما يمتلكه العراق من أسلحة، التي
عُدت أمام تقنية أسلحة ذلك التحالف مُتخلفة جداً؟
!

(6) التحالف الإيراني البريطاني عدّ/شخّص أنَّ قتل/خطف/أسر الشيخ
“خزعل الكعبي” أمير الأحواز بمثابة انتهاء للمعركة، وتحقيق النصر على
القوة العسكرية الأحوازية، وهذا ما تم القيام به فعلاً من قبل الاستعمار الإيراني
وبمشورة مؤكده من قبل الاستعمار البريطاني، لذا بعد أسر “الشيخ مزعل”
دخلت الفرق العسكرية الإيرانية الأربع المهاجمة مدن الأحواز مُستعرضة، ولم تكن
مُقاتلة لأنها لم تجد مقاومة فعلية بمعنى المقاومة؟!

في حالة العراق وفق رؤيتنا التحليلية ليس
إلا، كان الأمر على شكل مراحل عده: الأولى منهُ: كانت على ذات خطة التحالف
البريطاني الإيراني أعلاه، فقد سعى ذلك التحالف الكوني ضد العراق إلى السعي جاهداً
لاغتيال الشهيد صدام حسين، ولم يفلح، ثم سعى عبر قادة دول عربية، إلى توجيه نداءات
لهُ بخروجه من العراق، وأن دولهم مًُستعده لاستقبالهُ، وكم كانوا أصغر من
“إبليس اللعين” في دعوتهم تلك، يسبقها لا بل يتزامن معها، ولا زالوا،
اندفاعهم بمؤامرتهم على العراق، ولم يفلحوا في ذلك، فأُحبطت هذه المرحلة وفشلت
.

المرحلة الثانية: الهجوم المباشر الشرس
للطائرات القاصفة الإستراتيجية التي خُصصت لمقاتلة الاتحاد السوفيتي فيما إذا نشبت
حرب معه من قبل ذات التحالف الكوني على العراق الذي كان يتزامن مع المرحلة الأولى،
فضلاً عن الصواريخ التي كانت أعدادها الساقطة على بغداد خرافية، و…إلخ
.

المرحلة الثالثة: القصف الجوي الشرس مُستمر،
اندفعت قوات التحالف الكوني من الأراضي الكويتية، والأراضي السعودية، ومن محافظات
الحكم الذاتي العراقية أربيل ودهوك، ودخول قوات فيلق بدر الإيراني من إيران،
و…إلخ، ولاقت مقاومة شرسة قلبت خطط التحالف برمتها
.

المرحلة الرابعة: تم تعديل خطط التحالف الكوني، وشخصوا أن احتلال العاصمة
بغداد سيكون بمثابة تحقيق الانتصار على القوات العراقية المقاتلة في محافظة
الناصرية والبصرة وغيرهما، وفعلاً جرت عمليات عسكرية كبرى على العاصمة بغداد فكان
ما كان، والله تعالى، ثم التاريخ سيكشف لاحقاً كيف كان مَنْ وقع وشارك على/في غزو
واحتلال العراق رأس حربةٍ في احتلال عاصمة الإسلام والعروبة بغداد؟! ثم قام بحرق
مؤسسات الدولة العراقية، ونهبها…إلخ، وليس لنا من خيار الآن سوى التوجه لله
تعالى بنصر المقاومة العراقية، وتوحيد صفوفها، وجعل ضرباتها وفق قوله جلا
جلاله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ
إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء
حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .

فإذن كان الاحتلال العراق نتيجة تحالف كوني أكبر بكثير من قدرات العراق،
بالرغم من جنوح العراق بكل الطرق لحل ما أُشيع عنهُ/ما أُتهم بهِ بطرق سلمية، ولكن
الاعتراض لم يكن أمريكيا، بل كان الاعتراض عربياً، قادته أنظمة دول ثلاث: نظام
الكويت: وكُل الاحترام والتقدير لشعب الكويت + النظام السعودي: كُل الاحترام
والتقدير لفقهاء المملكة وغيرهم ممن أصدر فتاوى بقتال الكُفار في العراق + نظام
الحُكم في مصر أم الدنيا وفخر العرب: كُل الاحترام لشعب مصر، وسياسييها، ونُخبتها
المثقفة..إلخ ممن عارض ولا زال احتلال العراق.؟!

(7) في حال “الشيخ خزعل الكعبي” لوى حُكام العرب وقتئذٍ رؤوسهم
على ذات ما تفعل “النعامة”، وتركوا الأمير في حالٍ من الذل في سجون
النفاق الإيرانية، ثم تخلوا كاملاً عن شعب الأحواز، والمقاومة الأحوازية، ووصلت
ببعضهم إلى التوقيع على اتفاقيات رسمية بملاحقة نشطاء حقوق الإنسان الأحوازيين،
وعناصر المقاومة الأحوازية الشُجعان، بحيث كان انقلاب الأنظمة العربية على شعب
الأحواز على ذات مسارات انقلاب الإيرانيين على شعب الأحواز الذي لا يزال يعاني من
ذلك الانقلاب العربي عليهِ.؟!

في العراق الموقف العربي السلبي بمثابة طامة
عربية كبرى، لم تكتف الأنظمة العربية في توقيعها، وبالتالي مشاركتها في غزو
واحتلال العراق، بل ساهمت بشكل فاعل في تمويل متطلبات الحرب المادية، وساهمت في
تأسيس، ودعم فرق الإرهاب، والموت التي دفعت بها لبغداد ومحافظات العراق الأخرى
لتحصد أرواح العراقيين، ثم كانت مواقفهم اللا شرعية واللا أخلاقية من المقاومة
العراقية، حيث ساهموا مع أمريكا وإيران والكيان الصهيوني في مُحاصرتها وخنقها،
بذات الوقت الذي أغلقوا حدودهم بوجه الهاربين العراقيين من جحيم الموت العراقي،
مُستثنين من ذلك الموقف الشرعي والوطني والأخلاقي لسوريا التي فتحت أبوابها
للعراقيين دون قيدٍ أو شرط، وهكذا كانت اليمن والأردن بشكل عام؟! وخير شاهد استشهد
بهِ يتناسب مع مواقف اؤلئك الموقعين على تلك الوثيقة، قول إحدى الراقصات المصريات
التي كانت على درجة عالية من الشجاعة، في إجابةٍ لها على سؤال اتهمت فيه بشرفها،
فقالت: “أنا اشرف من مسؤول كويتي أعرفهُ، يرفض النوم يومياً، إلا بعد أنْ
يتأكد بنفسه وعبر عملائهِ، من مقتل عشرة عراقيين..؟!”، هذا فضلاً عن الصمت
المُطبق في إطلاق أمريكا والكيان الصهيوني يد إيران في العراق، متناسين أن طائفية،
ومذهبية وشعوبية إيران الحاقدة تاريخياً ستقتلعهم من على عروشهم، والمسالة مسألة
زمن ليس إلا؟! الموقف العربي مُخجل غير مُشرف، والحديث عنه يتطلب الكثير الكثير من
“نشر غسيلهم الوسخ” الذي لا يخجلهم بقدر، ما يُزيدُ من نسبةِ
“وساختهم” التي لا ينكرونها، بل يُبررونها بتفاخر، مع إصرار إبليسي على
الاستمرار بممارستها…؟
!

(8) في حال “الشيخ خزعل الكعبي” كان موضوع القطبين الدوليين
قائماً، بالرغم من أنهما في حينها لم تكُنْ لصالحهِ، فروسيا استمالت “الشاه
رضا” لصالحها بأنْ تنازلت لهُ عن الكثير كما أشرنا آنفاً، وكذلك كانت بريطانيا
الند الأممي لروسيا، بأن قدّمت “الشيخ خزعل” قرابين على مائدة الشاه
المُنافقه أسيراً يئنُ تحت ثقل الذل والهوان الذي هو فيهِ؟! ثم مشاركتها ومباركتها
لاحتلاله إِمارة الأحواز؟!

في حال العراق كان السائد هو القطب الكوني
الأوحد، ألا وهو الولايات المتحدة الأمريكية، التي جيشت الجيوش، واستخدمت مجلس
الأمن لصالحها، وضربت القانون الدولي والشرعية الدولية عرض الحائط، ورفضت اعتراضات
لجان التفتيش الدولية التي لم تصل لدلائل تؤكد على وجود ما أدعته أمريكا من أسلحةٍ
نووية، وكيمياوية فيه؟! فكان لها ما تُريد؟! وبالرغم من ذلك الانفراد برزت أصوات
أوربية رفضت/عارضت فيه علناً الحرب على العراق، ومنها مَنْ انسحب من التحالف بوقت
مبكر، بعد أنْ وجد أن ما قيل عن العراق قبل احتلاله لم يكن صحيحاً؟! المهم أنه لم
يلتزم مع أمريكا القطب الأوحد في تدمير الاحتلال للعراق، سوى ركني المؤامرة الأولى
أعلاه، فضلاً عن الأنظمة العربية التي وقعت كما أشرنا على وثيقة احتلالهِ
.

أختم بحثي المقارن الموجز هذا دون التوسع
فيهِ، الذي أتمنى أنْ أكون موفقاً فيه، ولا بد لي من القول أنَّ التاريخ لم
يُعلمنا أنَّ رجال الخيانة والغدر قد وفقوا في حياتهم، فكل ما فيهم قائماً على
الظلم واستباحة الحق والعدل، وفي تدبرٍ مُنصف للقارئ مع نفسهِ في ما هي عليه الدول
التي غدرت، وخانت العراق، فسيجدها في حالٍ من الغليان الشعبي، وتدهور اقتصادي
مريع، وفساد ينخر في جسدها، وتشبث قسري بالسلطة، و…إلخ، فضلاً عن الغضب الإلهي
المُتمثل في مفردتين منهُ: أن تلك الدول تدفع “الجزية” وفق ما يطلبهُ
منها الكافر من حيث الكم والوقت، وأنهم بلا إرادة، ولا قرار سياسي سوى ما يتعلق
باضطهاد شعوبهم؟

ولكن هذا وغيره الأكثر ثم الأكثر أين سيكون موقعه/تأثيرُهُ بمن قال الله تعالى
فيهم:

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى