آراء ومقالات

الخليج والدرس الكوري الشمالي

 

يعيـش العالم اليوم
على وقع التوتر الدائر بين كوريا الشمالية من جهة والولايات المتحدة ومعها كوريا الجنوبية
من جهة أخـرى، ولعل هذا التوتر يذكرنا بدرجة ما بحالة التوتر التي كانت قائمة بين الولايات
المتحدة والاتحاد السوفييتي في بداية الستينات مع ما عرف بأزمة الصواريخ الكوبية عندما
قامت موسكو بزرع صواريخ نووية في الجزيرة موجهة ضد أراضي الولايات المتحدة
.

حيث حبس العـالم
أنفاسـه علـى وقع التوتر النووي القائم بين الدولتين العظميتين آنـذاك، واليوم يحبس
العالم أو على أقل تقدير دول وشعوب شرق آســيا أنفاسها على وقع التهديدات الكورية الشمالية
باستخدام قـدرتها النووية ضـد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وهي تهديدات وإن كانت
للفت الأنظار إلا أنها لا يمكن أن تترك تمر مرور الكرام من دون أن تعطى الاهتمام المناسب
من قبل الدول الموجه التهديد لها
.

إن ما يحـدث فـي
شرق آسيا يمكن أن يعطـينا في منطقة الخـليج العـربي بعـض الدروس، ولعل أهمها هو أن
التوتر بين قوى نـووية أمـرٌ خطيرٌ للغـاية، حـيث إن نتائجه وتبعاته لا تشكل النتائـج
والتبعـات ذاتها للتوتر التقليدي بين قوى عسكرية غير نووية
.

وبالتالي فإن وجـود
دولة نووية عسكرياً في منطقة الخليج يُمكن أن يُدخل المنطقة في دوامة من الصراع المخيف
بينها وبين القوى النـووية العالمية كالولايات المتحـدة أو قوى نووية إقليمية كإسرائيل،
وهـو ما لا يصـب في صالح أمن واستقرار دول منطقة الخليج العربي
.

وهـو الحـال ذاتـه
مع دول شرق آسيا، حيث التوتر النووي هناك يهدد أمـن واستقرار دول المنطقة بأسرها، حيث
التخوف الكوري الجنوبي والتخوف الياباني من التهديدات الكورية الشمالية حاضر وبشكل
قوي
.

 

هذا الوضع بالطبع
يجعل من العمل في المحافظة على منطقة الخليج العربي كمنطقة خالية من السلاح النووي
أمراً ضرورياً للغاية، وهي رسالة واضحة للجميع بضرورة أن تتعامل بعضها مع بعض بشكل
جدي من أجل تحقيق هذا الهدف، فليس من مصلحة أحد على الإطلاق أن يُهدد أمن المنطقة من
خلال زيادة حدة التوتر بسبب السعي للحصول على السلاح النووي
.

إن النموذج الكوري
الشمالي يعطينا انطباعاً واضحاً بأن منطقتنا لا تتحمل وجود أسلحة نووية فيها، لاسيما
من دول تحمل أيديولوجيا فكرية تحاول بسطها بأي طريقة ما كانت على بقية الأطراف في المحيط
الإقليمي بشكل خاص والمجتمع الدولي بشكل عام
.

إن المسؤولية ملقاة
على عاتق الجميع بأن يأخذوا هذا الأمر بعين الاعتبار، ويتعاملوا معه بشكل جدي للغاية.
ولعل المساعي الدولية لإقناع إيران بأن تتوقف عن برنامجها النووي المشتبه في عدم سلميته
لهو أمرٌ غايةٌ في الأهمية، وأن كل الظروف لابد أن تهيئ لإنجاحه، وذلك حتى لا نصل في
يوم من الأيام إلى السيناريو الكوري الشمالي في منطقة الخليج، حيث تصبح لغة التهديد
النووي هي اللغة السائدة في الإقليم والتي يتم من خلالها ابتزاز الآخرين
.

إن نظام بيونغ يانغ
يوجد لنفسه العداوات مع المجتمع الدولي بسبب تهديداته النووية لجيرانه، ومنطقة الخليج
لا تتحمل مثل هذا الأمر أن يحدث فيها. فعلى جميع الأطراف وفي مقدمتها إيران أن تدرك
أن أمن الخليج لن يتحقق بامتلاكها السلاح النووي تماماً كما هو الحال مع أمن شرق آسيا
.

حيث إن كوريا الشمالية
اليوم ليست أكثر أمناً عن ما كانت عليه في السابق، فالولايات المتحدة ما زالت موجودة
هناك بل أن وجودها أصبح أكثر كثافة، وأن واشنطن أصبحت أكثر التزاماً بأمن دول شرق آسيا.
وعليه فإن امتلاك إيران السلاح النووي لن يؤدي إلا لزيادة حدة التوتر
.

حيث إنه سيزيد من
التزام الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى بأمن الخليج، ويفتح المجال أمام سباق
تسلح نووي في المنطقة لن يصب في صالح أمن واستقرار المنطقة على الإطلاق. فعلينا إذاً
أن نتعلم من الدرس الكوري الشمالي إذا ما أردنا أن نسير إلى الإمام، وهو درس يجب أن
تجعله جميع الدول وفي مقدمتها إيران والولايات المتحدة نصب عينها في مفاوضاتها القائمة
لضمان تحقيق هدف سلمية البرنامج النووي الإيراني
.

 

نقلاً عن صحيفة
البيان الإماراتية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى