آراء ومقالات

العمل الوحدوي بين الواقع والخيال

 

 

منذ سنوات، بين الحين
والاخر تطرح بعض التنظيمات السياسية او مجموعة من المستقلين الأحوازيين دعوات ومبادرات
للوحدة بين التنظيمات الأحوازية الموجودة على الساحة. هذه المحاولات بالرغم من ان
في اغلب الأحيان تقف وراءها اهداف ودوافع صادقة ونبيلة، إلا انها مع بعض
الاستثناءات البسيطة لم تتمكن من تحقيق اهدافها المعلنة.

لا شك ان وحدة الكلمة هي
مطلب شعبي احوازي و ضرورة موضوعية قبل ان تكون مطلب مجموعة من النشطاء او تنظيم من
التنظيمات الأحوازية وهذا يفسر ان اكثر مطالب الوحدة تطرح من قبل الناشطين الذين
يخرجون حديثا من داخل الوطن. لكن الخطاء الرئيسي الذي لم يأخذه بعين الإعتبار كل
الذين جاؤوا بهذه المبادرات هو عدم مراجعتهم للمبادرات السابقة واسباب فشلها. هذا
الأمر جعل كل مبادرات الوحدة ان تسير في نفس الدوامة مع بعض الفروق البسيطة وهي
كالأتي:

1.     
يخرج
من الوطن شخص او مجموعة ذات مكانة و مصداقية عند جميع او اكثر التنظيمات و
التيارات السياسية الاحوازية في الخارج.

2.     
عند
خروجه ينصدم بالواقع المرير الذي يحكم الساحة الأحوازية الخارجية من تشرذم وتخوين
وتفتيت لا يتجاوب مع حجم المسؤولية تجاه ما يتعرض له شعبنا في الداخل من قتل وظلم
واضطهاد.

3.     
بدوافع
صادقة أو بتحريك من فئة معينة وبأهداف معينة (منها احراج تنظيمات او اشخاص امام
الرأي العالم الأحوازي) تبادر هذه المجموعة او الشخص ودون امتلاكهم رؤية صحيحة
للوضع الراهن في الساحة بطرح مبادرة لتوحيد التنظيمات الأحوازية في الخارج. “الجدير
بالذكر ان هذه المبادرات غالبا ما تأتي بمشاريع شبه خيالية، تكون قابلة للتطبيق
نظريا فقط وليس عمليا”.

4.     
بعد
طرح المبادرة تنقسم الساحة بين مؤيد ومعارض وممتنع لهذا المشروع. المعارضين
للمشروع عادة يكونون من الذين دخلوا في تجارب وحدوية فاشلة سابقة ويعرفون مصير
هكذا مشاريع سلفا او من الذين لا تعجبهم اجندة واهداف المبادرة. أما المؤيدين في
اغلب الأحيان يكونون من الذين تربطهم علاقات وطيدة مع القائمين على المشروع ورفضهم
للدخول في المبادرة يجعلهم في موقف حرج، أو يمكن ان يكون المؤيدين للمشاريع
الوحدوية من التنظيمات التي لا تملك اي عمل او برنامج عمل واضح يمكن ان تخسره في
حال فشل المبادرة لذلك تحاول من خلال هذه المبادرة او الأشخاص الذين يقفون خلف المبادرة
كسب بعض المشروعية.

5.     
بعد
فترة ولأسباب عديدة تفشل المبادرة دون ان توحد الأحوازيين وستكون سببا اخرا لتعميق
الخلافات والتشرذم بينهم. عندها اصحاب المبادرة ينطوون على أنفسهم بل حتى يمكن ان
يبتعدوا من العمل السياسي نهائيا وبعد فترة تخرج مجموعة جديدة وتبدأ هذه العملية
الفاشلة من جديد.

لكن هل هذا يعني ان نيل
الوحدة الأحوازية امر مستحيل وعلينا ان نقبل بهذا الوضع المتشرذم؟ أعتقد اذا كنا
نتكلم عن وحدة التنظيمات فهذا امر شبه مستحيل، لكن اذا كان القصد من الوحدة توحيد
الكلمة والعمل المشترك والابتعاد عن الخلافات وتشتيت الطاقات فإن هذا الامر ضرورة
موضوعية لا بديل لنا عنها اذا كنا نريد النصر على عدونا المحتل. كما اننا مهما تقدمنا
في عملنا التنظيمي وحققنا البعض من الإنجازات التنظيمية ولكننا في مرحلة من
مراحل نضالنا الوطني علينا الجلوس والحوار والعمل جنبا الى جنب مع كافة الأحوازيين
دون استثناء
.

 قبل ان اتطرق الى الوحدة المرجوة وكيفية الوصول
اليها – حسب معرفتي و تجربتي المتواضعة – أود ان اتطرق الى اسباب فشل المحاولات
السابقة.

 

اولا: الخطاء في مفهوم
الوحدة في الساحة الأحوازية

أعتقد ان مفهوم الوحدة
منتشر بشكل خاطئ وسطحي في الساحة الأحوازية، حيث ان الفهم الشائع في الساحة هو زج التنظيمات
في منظمة واحدة او حتى دمج التنظيمات في تنظيم واحد. و من يقومون بطرح مبادرات الوحدة
لا يأخذون بعين الإعتبار ان التنوع الحزبي والفكري امر طبيعي جدا.

يقول هيجل “ان
الفكر يتطور اينما وجدت الأفكار المتضادة (نظرية الديالكتيك)، حيث ان الأفكار والمشاريع
المتضادة تولد الحركة عندما تتقابل وفي اي اختلاف وحوار، هزيمة وانتصار اي طرف ليس
حاسما وفي اي حال من الأحوال يبقى جزء مما يقوله الطرفين صحيح”. لذلك علينا
ان نقبل ان الإختلاف في الرؤي والأفكار وأساليب النضال امر طبيعي وضروري في الساحة
الأحوازية من أجل تطور عملنا السياسي والتنظيمي وخلق نوع من التنافس الإيجابي شرط
ان نلتزم بثقافة الحوار وقبول الإختلاف وفي نفس الوقت نواجه ثقافة التناحر وضرب وتخوين
الأخر.

 

ثانيا: فقدان القيم
المشتركة في الساحة

على عكس ما يعتقد
الكثير من ابناء وطننا ان مشكلة القضية الأحوازية الأساسية ليست كثرة التنظيمات
وعدم وحدتها تحت مظلة واحدة، انما أحد المشاكل الأساسية في الساحة الأحوازية هو عدم
وجود ثقافة العمل التنظيمي والحزبي وايضا القيم الحديثة والمشتركة المفقودة للعمل
السياسي في الساحة وانتشار القبلية السياسية في اوساط التنظيمات والناشطين الأحوازيين.
إن وجود قيم مشتركة متفق عليها بين الجميع امر ملح وضروري في اي مكان تعمل فيه
مجموعة معينة من الناس من اجل هدف او غاية مشتركة، حزب سياسي كان او شريكة او ورشة
عمل (1).

لهذا نرى ان المجتمعات
و المؤسسات الناجحة تتفق على قيم وتعمل بشكل يومي على تعزيزها وترسيخها بين
افرادها. إن الأمر هذا يخلق نوع من النظم والانسجام في المجموعة او المجتمع او
المؤسسة. على سبيل المثال شريكة مايكروسافت وضعت عدة قيم ومنها النزاهة، الصدق،
الإنفتاح، التمييز الشخصي، النقد الذاتي، البناء المستمر، التطوير الذاتي
والاحترام المتبادل، وتقوم بشكل مستمر من خلال أصغر التفاصيل اليومية اثناء العمل لترسخها
بين موظفيها. (2)

ساحتنا الأحوازية
بألكاد تكون فاقدة للقيم المشتركة المتفق عليها من قبل كافة التنظيمات والناشطين
الأحوازيين. لهذا يجب ان يكون نشر قيم مشتركة يتفقعليها ويلتزم بها الجميع كالإحترام
المتبادل وعدم التخوين وضرب الأخر لمجرد الاختلاف وقبول النقد وتقدير العمل
الحقيقي على الأرض بدل الشعارات والاعتراف بالأخر وبعمله وبدوره الخ. بالإضافة الى
القيم العالمية للعمل السياسي كألقبول بالتعددية و تحكيم الحوار “اذا توافرت
شروطه”. هذه القيم المشتركة تعمل كصمام امان لمنع الفتنة والتشرذم و التشتت
في الساحة.

 

ثالثا: العمل المشترك
او وحدة العمل يجب ان تكون بين من لديهم عمل ملموس على الساحة

الفهم الخاطئ للوحدة
في الساحة لا ينحصر فقط على مفهوم الوحدة فقط بل يشمل ايضا المكونات التي يجب ان
تتوحد. هذا الأمر كان أحد الاسباب الأخرى لتشتيت الساحة، حيث ان الذين يأتون بمبادرات
الوحدة لا يستثنون الجهات التي لديها عمل ملموس على الساحة وتتحرك داخليا وخارجيا،
من الجهات التي ليست الا مجرد تحمل شعارات وادعاءات ومسميات وعناوين فقط وبشكل عام
تركيزها على البعد الكمي أكثر من البعد الكيفي. كما أن المثير للدهشة والاستغراب
ان الجهات التي لا تملك عمل هي الاكثر الحاحا واصرارا من غيرها على
“الوحدة” لأنها تحاول أن تتمكن من إخفاء افلاسها تحت ظل عمل الأخرين.

إن التقسيم المنطقي
على الساحة يجب ان يكون على اساس من يعمل ويتحرك “سياسيا واعلاميا وفكريا
وميدانيا..” والذي لا يعمل ولا يضيف شئ على الساحة إلا المسميات والشعارات
الخاوية. إذا تمكنا من تقسيم الساحة على هذا الأساس عندها يمكننا التعامل مع الجهة
الحقيقية التي يجب التعامل معها حسب القيم التي تكلمنا عنها قبل قليل بغض النظر ان
كنا نتفق معها ام لا نتفق. إن هذا الأمر يوفر لنا وقت الجدل والنقاشات الماراثونية
مع الذين لا يملكون شئ يذكر إلا التخوين ونشر الأوسمة الوطنية طبقا لما يشتهون و صرف
هذا الوقت على عملنا النضالي بالإضافة إلى محاولاتنا للتعامل بهدوء وعقلانية مع
الذين يعملون ويقدمون انجازات ملموسة على الساحة. عند ذكر التعامل يقصد به محاولة
العمل المشترك في الميادين المتفق عليها حتى لو كانت محدودة مع الجهة الأخرى ومحاولة
التأثير أو اقناع الجهة الأخرى للتنازل عن الأمور التي نراها خطاء ويرونها صائبة،
دون التنازل عن الأهداف والمبادئ التي بدأنا نضالنا من اجلها.

  

رابعا: عدم وجود
مؤسسات او افراد مستقلين ذو مصداقية عند الجميع

في كل مجتمع وقضية
يقوم الناشطين المستقلين بملئ الفارغ بين الخطوط والمشاريع السياسية المختلفة حتى
المتضادة في بعض الأحيان، لكن الساحة الأحوازية فقيرة جدا من هذا العنصر المهم. وكلما
يظهر ناشط او جهة مستقلة ذو مصداقية عند الجميع ينجر لهذه العملية الخاطئة المستمرة
وبعد فترة قصيرة يصبح جزا لا يتجزأ منها.

 

انني متأكد ان خلق
اجواء كهذا للعبور من هذا الوضع المتشرذم الذي نعيشه في الساحة امر صعب جدا لكنه
ليس مستحيلا. خصوصا اذا تنازلنا قليلا عن ألأنانيات الشخصية والتنظيمية وحكمنا
عقولنا وقلوبنا ومصالح وطننا وتذكرنا اننا جميعا ابناء شعب و وطن واحد ومصيرنا
مرتبط ببعضنا البعض.

أضيف ايضا انني لا
أملك مشروع او صيغة رياضية معينة لنصل من خلالها للأجواء التي كتبت عنها في هذا
المقال، لكنني متأكد انها عملية شاقة تتطلب الكثير من الجهد والتنازلات لبعضنا
البعض “وليس لعدونا”. للبدء بهذه العملية لا نحتاج الى “مشروع
مدروس” او “مرحلة ناضجة او غير ناضجة معينة”، بل هي تبدأ الأن مني
انا كفرد أحوازي أو كعضو في تنظيم احوازي بالاعتراف بنضال وتاريخ اخي الأحوازي
الذي عاملته بعداء ودونية لفترة طويلة أو بتصحيح وتهدئة تصرفاتي وتعاملي مع اخي
الأحوازي الذي ينتمي لتيار او تنظيم اخر اختلف معه، أو حتى الإتفاق معه للقيام بعمل
مشترك عام يتفق عليه الجميع لخدمة القضية. مع كل خطوة من هذه الخطوات تزيد ثقتنا ببعضنا
البعض وبقدرتنا عندما نعمل مع بعض.

 البدء بهذه الأمور الصغيرة و الإستمرار بها وتوسيعها و تقويتها امر يحتاج للصبر وقدرة تحمل الأخر ورأيه والحكمة و الشجاعة والعقلانية.. لكن يبقى السؤال، هل أننا نملك الإرادة و الدوافع للبدء بهذه العملية؟؟؟

 

(1) عكس ما يتصور
البعض هنالك فرق بين المبدء و القيمة، المبدء فضيلة اخلاقية لا تتغير و هي ثابتة
عبر المكان و الزمان مثل الصدق او الشجاعة. و اما القيمة امر متفق عليه بين مجموعة
من الناس تعمل او تتعايش مع بعض.

(2) http://www.microsoft.com/about/en/us/default.aspxMicrosoft Mission and Values

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى