آراء ومقالات

الأحواز العربية ما قبل الإحتلال الفارسي


إنّ الأحواز كانت دولة عربية مستقلة ذات سيادة، لها حضارة عريقة، وتاريخ مجيد، وساهمت على مرّ العصورمساهمة كبيرة و فعّالة في التطور الإنساني الحضاري.


تقع الأحوازفي القسم الشمالي من الخليج العربي، تحادد العراق من الغرب، والخليج العربي من الجنوب الغربي، وتحيطها من جهة الشمال و الشرق و الجنوب الشرقي سلاسل جبلية تعرف بجبال زاجرس التي تعتبر موانع طبيعية تفصل الأحواز عن بلاد فارس أو ما تسمى بإيران.


إنّ أراضي الأحوازسهلية و منبسطة و صالحة للزراعة، وغنية بالموارد الطبيعية كالنفط و الغاز. وتتميز بكثرة أنهارها التي تجري في طول العام إضافة إلى الأنهار الموسمية و المياه الجوفية. وأهم هذه الأنهار نهر كارون _أو قارون_، ونهر الكرخة، ونهرالجراحي.


إنّ الأحوازهي جمع كلمة حوز التي تعني التملك والحيازة، وهي مصدرفعل ” حاز” بمعنى الحصول على الشيء وتملكه. و قد قال أبو منصور الأزهري:” الحوزفي الأرضين أن يتّخذها رجل ويبيّن حدودها فيستحقها فلا يكون لأحد فيها حق فذلك الحوز، هذا لفظه”. وقد ذكر الأحوازالعديد من الجغرافيين والمؤرخين كابن ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان، وابن حوقل والمقدسي، وصاحب الروض المعطار، والبداية والنهاية، وتاريخ الطبري، وآثارالبلاد و أخبارالعباد لزكريا بن محمد بن محمود القزويني. وقد اطلق الفرس على الأحواز تسمية ” عربستان” أي بلاد العرب.


تبلغ مساحة الأحواز 185000كلم ، وقد قدر عدد سكانها بنحو” مليون و نصف مليون عربي”قبل احتلالها عام 1925م، وحسب إحصاء سنة 1962م وصل عددهم إلى 3.5 مليون عربي، وفي الوقت الراهن يقدر تعداد سكان الأحوازبثمانية ملايين نسمة.


هناك ما يقارب خمسين مدينة في الأحواز، أهمها: الأحواز و هي عاصمة القطر، المحمرة، عبادان، السوس، تستر، الفلاحية، الخفاجية، الحويزة، ميناء معشور، مسجد سليمان، أبوشهر، الصالحية، و الأحجار السبع.


إن الشعب العربي الأحوازي يتكون من نسيج إجتماعي قبلي، وأهم القبائل العربية التي تقطن الأحوازهي: بنو كعب، بنو طرف، بنو تميم، ربيعة ( الباوية )، بنو لام، الشرفة، كنانة وغيرهم.


ويؤكد المؤرخ أحمد كسروي أن قبائل بكربن وائل، وبني حنظلة، وبني العم كانت تسيطر على إقليم الأحوازقبل مجيء الإسلام. وكذلك يقول الرحالة الدانماركي الشهير”كارستن نيبور” الذي زار الأحوازعام 1762م، إنّ هذه المنطقة لم تكن يوماً من الأيام جزءاً من بلاد فارس، وإن ملوك فارس لم يتمكنوا قط أن يكونوا أسياد ساحل البحر، وكان الخليج دائماً ملكاً للعرب. وإنّ الظروف المختلفة تدلّ على أنّ القبائل العربية استقرت على الخليج العربي قبل الفتوحات الإسلامية، وقد استطاعت أن تحافظ على استقلالها دوماً. ويضيف أن لقاطني هذه البلاد لسان العرب و عاداتهم.


 


وفيما يلي نبذة تاريخية عن الأحواز:


إنّ الشعب العيلامي السامي هوأول شعب استوطن الأحواز، و شيّد حضارة عيلام التي تعدّ من أهم وأعرق الحضارات البشرية القديمة، حيث اتخذ العيلاميون مدينة ” سوسة ” عاصمة لهم، وهي مدينة السوس الحالية.


مع الفتوحات الإسلامية :بعد معركة القادسية ( 636 م) وهزيمة الفرس، تحررت الأحواز، حيث فتحت على يد الصحابي أبي موسى الأشعري عام 637 م، وأصبحت جزءاً من الوحدة السياسية العربية الإسلامية، وألحقت إدارياً بولاية البصرة، وكان الخليفة يعيّن الولاة على الأحواز ويعزلهم و يحاسبهم، و ظلت تحت حكم الخلافة الإسلامية حتى عام 1258م.


الدولة العربية المشعشعية : تأسست الدولة العربية المشعشعية عام 1436م على يد” محمد بن فلاح بن هبة الله”، حيث استطاع هذا الأخيرأن يبسط سيطرته على الأحواز و البصرة و واسط ، و أجبر ” إسبان ” ملك دولة الخروف الأسود (قرة قوينلو) على الإعتراف بسلطانه. وتمكنت هذه الدولة العربية في بعض الفترات من مدّ نفوذها، وبسط سلطانها على أجزاء كبيرة و واسعة من بلاد فارس و العراق و الجزيرة العربية، كبندرعباس و كرمانشاه في جغرافية ما تسمى بإيران، والبصرة و واسط في العراق ، والأحساء و القطيف في المملكة العربية السعودية .


واستطاعت هذه الدولة أن تحافظ على استقلالها، ولم تخضع أبداً للعثمانيين و الصفويين، وأجبرت الدولتين العثمانية و الصفوية على الإعتراف بإستقلالها و سيادتها في معاهدة ” مراد الرابع” عام 1639م.


وتعتبرفترة حكم ” مبارك بن مطلب” العصر الذهبي لهذه الدولة ( حوالي عام 1588م)، فلقد ذكرالرحالة البرتغالي ” بيترتكسيير” الذي زار شط العرب في هذه الآونة أنه رأى الأتراك يبنون قلاعاً عديدة على الشط لحماية أنفسهم من هجمات الدولة المشعشعية. و قد سقطت الدولة المشعشعية عام 1724م، عندما استطاعت الدولة الكعبية أن تسيطر على كافة مناطق الأحواز.


الدولة الكعبية :تأسست هذه الدولة على يد علي بن ناصربن محمد عام 1690م، واستطاعت أن تمد نفوذها على كافة نواحي الأحوازعام 1724م، وقد حافظت على استقلالها رغم النزاعات و الصراعات و المعارك التي كانت تدور بين العثمانيين و الإيرانيين. وتعتبر فترة حكم الشيخ سلمان بن طهماز الكعبي العصر الذهبي لهذه الدولة.


حكم الشيخ خزعل : أصبح الشيخ خزعل أميراً على الأحوازعام 1896م، و يعتبر حاكمها القومي، و رمز سيادتها الوطنية. في عهده أصبحت الأحوازنقطة تقاطع تجاري، حيث قام بتأهيل نهر كارون و إعادة فتحه للتجارة، و وصل نفوذه و قدرته السياسية إلى درجة قيل: ” حتى المحمرة أصبحت أقوى من طهران”.


وقد ذكرأمين الريحاني في كتابه ” ملوك العرب” الشيخ خزعل و قال إنه ” … أسبقهم إلى الشهرة، وقرين أعظمهم إلى الكرم”. وكانت بريطانيا قد تعهدت رسمياًعام 1902م بأنها ستقف في وجه أيّ هجوم أجنبي يستهدف الأحواز، لكنها غيّرت إستراتيجيتها في المنطقة بعد انتصار الثورة البلشفية عام 1917م، حيث أصبحت تتخلى شيئاً فشيئاً عن دعمها لإستقلال الأحواز، وباتت تسعى لتكوين كيان فارسي قوي، يكون بمثابة حاجز استراتيجي أمام تمدد الشيوعيين الروس للحيلولة دون وصولهم للمياه الدافئة.


دولة فارس ما تسمى بإيران،- سميت إيران عام 1936م أي بعد ضم الأحواز-، على إقصاء الشيخ خزعل، و ضم الأحوازإلى بلاد فارس عنوة، وفي المقابل أعلن الشيخ خزعل مقاومته لسياسات بلاد فارس التوسعية، فقام بعرض قضيته على عصبة الأمم، وطلب من علماء الدين في النجف إصدار فتوى بتكفير “رضا خان” شاه – ملك – ما تسمى بإيران، ولكنه لم يفلح في مسعاه، واحتلت الأحوازعسكرياً من قبل المقبور رضا خان في العشرين من نيسان عام 1925م، حيث اختطف الشيخ خزعل، ونقل للأسر في ” قلعة طهران”، و وُضع تحت الإقامة الجبرية، وفي نهاية المطاف قتل مسموماً في منفاه عام 1936م. وهكذا سلبت الأحواز، و انسلخت من جسد الأمة العربية.


نقلا عن “وكالة علم الاخبارية ”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى