آراء ومقالات

«النووي» الإيراني وموقف المثقف العربي

 

منذ قيامها في عام
1979 لا يكف النظام الفقهي الحاكم في طهران عن قلب الحقائق، وخرق النواميس الدولية،
والقيام بمغامرات عبثية يمينا ويسارا بحيث فقد ثقة المجتمع الدولي ودول الجوار، وبات
التشكيك في سياساته هو السمة الغالبة. ومن هنا فإنه من الصعب على أي مراقب أو متابع
أو صانع قرار أن يصدق أن طموحاته لجهة امتلاك التقنية النووية هدفها سلمي، ويتمثل في
توليد الطاقة السلمية فحسب، وليس الانتقال في مرحلة لاحقة من الاستخدام السلمي للطاقة
النووية إلى الاستخدام العسكري.

صحيح أن دولا كثيرة في
العالم كاليابان وألمانيا وفرنسا تعتمد على المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة، خصوصا
أن طنا واحدا من اليورانيوم بإمكانه أن ينتج طاقة تعادل الطاقة المنتجة من ملايين البراميل
من النفط، أضف إلى ذلك أن هذه الطاقة لا تؤدي إلى تلوث البيئة كما تفعل الطاقة المنتجة
من الفحم أو النفط، لكن هذه الدول ليست كإيران التي تملك مخزونا هائلا من النفط والغاز
الطبيعي، وبالتالي تستطيع أن تستخدم هذين الموردين في توليد الكهرباء بتكلفة لا تتعدى
20 في المائة من تكلفة الكهرباء النووية. وبمعنى آخر فإن إيران ليست لديها دوافع منطقية
لإنفاق بلايين الدولارات على مشاريع نووية مكلفة وخطيرة بهدف «تنويع الموارد الوطنية
للطاقة للمحافظة على ارتفاع معدلات النمو» كما تزعم، خاصة أن معظم منشآتها النووية
مقامة بعيدا عن مراكز التجمعات السكانية الكبيرة من تلك التي يفترض أن تولد لها تلك
المنشآت الكهرباء.

غير أن الصحيح أيضا هو
أن النظام الإيراني لا يملك مصداقية كي يثق المجتمع الدولي ودول الجوار بسلمية مشروعه
النووي، وذلك استنادا إلى سوابق هذا النظام في زعزعة الأمن والاستقرار في محيطه الإقليمي،
وسياساته المعلنة حول تصدير الثورة إلى الجوار، وسعيه الدائم إلى توسعة نفوذه الإقليمي
بامتلاك أدوات القوة والتهديد بها. ومن ناحية أخرى لا يمكن الثقة في قدرة الإيرانيين
على تصميم مفاعلات جيدة وقادرة على الوفاء بمتطلبات السلامة والرقابة والتحكم المتعارف
عليها دوليا، فقدراتهم العلمية والتقنية في هذا المجال متخلفة بأشواط عن مثيلاتها السوفياتية
التي لم تستطع – رغم كل ما كان يقال عن عظمتها – أن تتحاشى كارثة تشرنوبل في عام
1986.

وهكذا فإن دول مجلس التعاون
لدول الخليج العربية محقة في قلقها من البرنامج النووي الإيراني، خصوصا في ظل رجحان
ميزان القوة العسكرية لصالح إيران بسبب عدد سكانها الكبير ومساحتها الشاسعة ومواردها
المتنوعة، ناهيك عن احتمالات تعرض المفاعلات النووية الإيرانية لكوارث طبيعية (مثل
الزلزال الذي ضرب مدينة بوشهر هذا العام وكاد يتسبب في كارثة إشعاعية لولا عناية الله)
قد تؤدي إلى تلوث مياه بحيرة الخليج التي هي مصدر مياه الشرب الوحيد لشعوب دول الخليج
العربية.

لكن ما يراه عرب الخليج
خطرا محدقا بهم لا يراه كذلك بعض العرب الآخرين. فالعديد من المثقفين والمفكرين العرب
المؤدلجين ممن حاورتهم في بعض المؤتمرات والمنتديات ذات الصلة بالموضوع يرون عدم وجود
مبرر حقيقي لمخاوفنا وقلقنا في الخليج من النووي الإيراني، بل يسخرون منها، ويشيدون
في المقابل بطموحات إيران النووية، زاعمين أنها تمثل ذخرا للأمتين العربية والإسلامية
وعامل توازن وردع لإسرائيل فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني. ومثل هذا الكلام العاطفي
السقيم سمعنا ما يشبهه يوم أن فجرت باكستان قنبلتها النووية، حيث راحت جهات رسمية وغير
رسمية تطبل لها وتصفها بالقنبلة الإسلامية التي ستحرر القدس، لتكتشف سريعا أن إسلام
آباد لجأت رسميا إلى نزع صفة «الإسلامية» عن قنبلتها، وإلى الإعلان صراحة أنها موجهة
لخدمة مصالحها القومية الذاتية في ما يتعلق بنزاعها مع الهند.

والأغرب من هذا أن هؤلاء
– ومعظمهم من القوميين الذين كانوا يهاجمون إيران – هم الآن في صدارة من ينافح اليوم
عن النووي الإيراني، غير مكترث البتة بما يشكله من مخاطر على حاضر ومستقبل أشقائهم
من عرب الخليج ممن سيكونون أول ضحايا أي تسرب إشعاعي للمفاعلات الإيرانية.

أما الطامة الكبرى فتتمثل
في ما تردده جماعة ضمن هذه الجوقة، التي ما زالت تبني مواقفها على العواطف المجردة
من المنطق والشعارات الفضفاضة الغبية، من أن تمسك زعماء إيران ببرنامجهم النووي وذودهم
عنه وتحملهم للعقوبات الدولية «المجحفة»، وتصعيدهم للهجتهم من حين إلى آخر، هو بهدف
طرح مبادرة سلمية لملف بلادهم النووي في نهاية المطاف تقضي بإغلاقه نهائيا «مقابل إزالة
إسرائيل لمنشآتها النووية وإيقاف برامجها العلمية ذات الصلة». وأعتقد أنهم ربما ذهبوا
إلى القول إنه «مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة»، هذا على الرغم من
أن طهران لم يترشح عنها في أي مناسبة ما يؤشر إلى ذلك، بل ظلت تكرر على لسان كبار مسؤوليها
وقادة حرسها الثوري أنه لا رجعة عن خططها النووية.

نقلا عن جريدة “الشرق
الأوسط”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى