آراء ومقالات

الجماهير العربية… ومغناطيس الثورة


 

 



الثورات
الشعبية والجماهيرية غالبا ما توفر قواسم مشتركة كبيرة وقوية بين الفرقاء في
المجتمع والوطن الواحد، وتلك سمة تعبوية سيسيولوجية ظلت تتواتر على مدار التاريخ
لحركة تلك الجماهير وبحثها عن مفقوداتها السياسية أو الوطنية عندما تشعر باستلاب
السلطة الحاكمة لها، فيخرج الجميع تحت ضغط مشترك وهدف واحد الى أن يصلوا الى ما
يلبي تطلعاتها بتغيير وضع سلبي الى آخر إيجابي كان محفزها الأساسي والضروري للتحرك
والوصول الى مبتغاها.

عندما
ثارت الشعوب العربية ضد الظلم والطغيان سلكت طريقا واحدا باتجاه هدف واحد ذابت فيه
الفروقات والمناصب فلم يفرق بين المهندس والبقال والدكتور وبائع الخضار فتوحدت
الأفكار، وهتف الجميع بقلب واحد “يسقط النظام” فكان لهم ما يريدون، وهو
ما يتسق مع ما ذهب اليه الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي: إذا الشعب يوما أراد
الحياة / فلا بد أن يستجيب القدر.

الإحساس
الجماهيري بضرورة التغيير عامل قوي وحاسم في الخروج الى الشوارع ونيل المطالب، وهو
القوة الأقوى في الثورات على اختلاف ميول واتجاهات وقناعات المكونات السياسية أو
الدينية أو الفكرية للجماهير الثائرة، ففي تلك الثورات خرج السلفيون والعلمانيون
والليبراليون والمسلمون والمسيحيون، وذلك هو المزيج الجماهيري الذي يمضي بأي ثورة
الى الأمام ويحقق التغيير المنشود.

والآن
عقب حصول الجماهير بكل هذه المتغيرات على مرادها، يتراجع الزخم الثوري وتتلاشى
القواسم المشتركة ويعود الثوار الى جذورهم الفكرية والسياسية والدينية للحصول على
نصيبهم الثوري من حركتهم، فيتنازعون السلطة التي حصلوا عليها دون مساحات مرنة من
الأخذ والعطاء والمحاصصة الموزونة لإسهامات هذه الأطراف الثورية، فتتعرّى الثورة
وينكشف الوطن على خلافات واختلافات بحسب الاستقطاب والقوة المغنطيسية الهائلة التي
تمارسها المكونات السياسية والدينية للجماهير فيزداد الشرخ الوطني وتضعف السلطة
التي تم الحصول عليها.

النخب
السياسية هي التي تحرق الأوطان بعد الثورات بما تؤمله من حصاد وكسب سياسي ضيق على
حساب المصلحة الوطنية العامة، وهي التي تجعل الجماهير تلف في دائرة مفرغة بشحن
سياسي واجتماعي لا يليق بالتغيير الذي حدث، وفي ظل عدم وجود أي تنازلات لا يمكن
لمسيرة أي وطن أن تمضي وتستقر في شاطئ الأمان، ويمكن قياس ذلك على جميع دول الربيع
العربي التي انتكست حد الانهيار بعد الثورات، وليس ثمة أمل أو ضوء في آخر النفق
دون انحناء لريح الاستقرار.

 

المصدر: موقع بوابة الشرق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى